ذاكرة بيروت في مقهى "الهورس شو" برواية إيمان عبد الله
قبل خمسينيّات القرن الماضي، لم يكن شارع الحمرا سوى فسحة موحشة تغطي ثلاثة أرباعها حقول الصبّار وبساتين العنب والرمّان والتين ذات التربة الحمراء على تخوم رأس بيروت. غير أنّ قربه من الجامعة الأميركية، وعجز شارع بلس عن استيعاب النمو المتسارع، والتنوع السكاني الغني، عوامل هيأت المنطقة للنهوض والتحوّل إلى عنوان للحداثة. وفي عيد الاستقلال، يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1959، شهد الشارع ولادة مقهى "الهورس شو" لصاحبه منح دبغي، بوصفه أول مقهى رصيف حديث بطابع أوروبي، في موقع أول مسكن عصري شُيّد في المنطقة عام 1923.
تعمق أكثر
يرصد كتاب "مقهى الهورس شو: ذاكرة بيروت على رصيف شارع الحمراء" (دار نلسن، بيروت، 2026) للباحثة اللبنانية إيمان عبد الله سيرة هذا المقهى، استكمالاً لتجربتها التوثيقية بعد كتابها عن "مطعم فيصل" مقابل الجامعة الأميركية. ويتوقف العمل عند المقدمات العمرانية والثقافية التي مهّدت لازدهار الشارع، وأبرزها افتتاح "سينما الحمراء" عام 1957 والتي ضمّت تسعمئة مقعد.
عكس ازدهاره انتعاش الثقافة والقيم المدنية قبل الحرب
ضمن هذا الحراك العمراني، قدّم "الهورس شو" مقترحاً معمارياً واجتماعياً بفتحه الداخل على الخارج، فغدا الرصيف جسراً يربط المجال الخاص للمقهى بالمجال العام للمدينة. وبذلك تحوّل الجلوس فيه إلى مشاركة في مشهد عام، وتجاوز المقهى وظيفته التقليدية في تقديم المشروبات ليصبح فضاءً ثقافياً واجتماعياً لتبادل الأفكار، وحلقة وسطى تنقل الحداثة من النصوص إلى أسلوب حياة يومي، وفق ما يذكره الناشر سليمان بختي في تقديمه للكتاب.
وعلى مدى عقدَين في الستينيّات والسبعينيّات، شكّل المقهى الحيّز الحيوي غير الرسمي لحركات التجديد في الشعر والمسرح والرسم والصحافة، حتى لُقّب بـ"المقهى المثقف"، ووصفه المؤرخ كمال الصليبي بـ"رئة بيروت". والتقت على طاولاته شخصيات فكرية وسياسية وفنية بارزة، من القوميين والمفكرين مثل قسطنطين زريق ومنح الصلح، والمثقفين الفلسطينيين كمحمود درويش وغسان كنفاني وكمال ناصر، إلى جانب فنانين كفيروز والأخوين رحباني وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش. وتلتفت عبد الله في كتابها إلى تقاطع مسيرة المقهى مع التحولات السياسية اللبنانية؛ إذ تزامنت انطلاقته مع عهد الرئيس فؤاد شهاب و"الشهابية"، فيما تراجع حضوره مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 إلى أن أُقفل نهائياً عام 1978 إثر تصدّع الدولة بعد حرب السنتين ودخول الجيش السوري إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط.
تعمق أكثر
ولتوثيق هذا الفضاء الذي يندرج ضمن ما يسمّيه المؤرخ الفرنسي بيير نورا "أماكن الذاكرة"، وما وصفه الباحث وضّاح شرارة في صحيفة النهار عام 1978 بـ"مرآة بيروت"، اعتمدت المؤلفة، التي لم تعاصر تلك المرحلة، على البحث الأرشيفي والميداني. واستندت إلى أرشيف صحيفة النهار التي كان كثير من صحافييها وكتّابها من رواد المقهى، وإلى مقابلة مطوّلة مع مديره سليمان السنكري، فضلاً عن شهادات شخصيات ارتبطت بالمكان، ومنهم الفنانة المسرحية نضال الأشقر، والشاعر بول شاوول، والفنان رفعت طربيه، ورئيس نادي النجمة الرياضي عمر غندور، والإعلامي زهير زيباوي. ويُقدّم الكتاب هذه الوثائق والشهادات بوصفها سجلّاً توثيقياً لمرحلة من تاريخ بيروت الثقافي والاجتماعي.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗