أفلام قصيرة بالجونة الـ9: صُنعة جيدة وزمن مكثّف
منذ انطلاقته، يعتني مهرجان الجونة السينمائي بالأفلام القصيرة. اختيارات دورته التاسعة (15 ـ 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، والجوائز الممنوحة لأفلام (إنتاج 2026)، متنافسة في مسابقتها، تؤشر إلى ذلك. أغلب الأفلام الفائزة جيدة الصنعة. مهارة صنّاعها تكمن في قدرتهم على تكثيف زمن حكاياتها في دقائق معدودة، وتضمينها رؤاهم للعالم الذي نعيش فيه، بمحمولاته السياسية والاجتماعية.
هذه المهارة موجودة في "يوماً ما، ولد" للّبنانية ماري ـ روز أسطا (نجمة الجونة لأفضل فيلم عربي قصير). في 27 دقيقة، ينقل حالة توتر يعيشها لبنان، وانعكاسها على حياة الناس فيه. المشهد العام للمكان يوحي أن نزاعاً مسلّحاً يدور حوله. في وسطه، يعيش صبي (خالد محسن) يتمتع بقوة خارقة غير منظورة. بلمسة خفيفة، يجعل الأشجار تثمر. وبدقة رشيقة بأصابع يديه، تتكسّر قشور الجوز الصلبة. لا يعرف أحد من سكان قريته بقدرته تلك سوى عمه (أنطوان ضاهر)، المقيم معه في منزل خاو لم يكتمل بناؤه بعد. أصوات الطائرات الحربية، المحلّقة فوق قريته، وهدير الانفجارات الواصلة إليه، توتّره وتنغِّص سلاسة عيشه. خوف العم من كشف سرّه، ونهره الصبي المتذمر، لن يحيدا عن محاولته إصابة طائرة حربية بعطل، يُسكِت صوتها للحظة. كثافة زمن الحدث، ولحظة وقوعه، تكشفان حالة حرب دائمة يعيشها لبنان، تتورّط فيها قوى داخلية وخارجية، من دون ذكرها بالتحديد.
أهمية منجز أسطا تكمن في جودة كتابته، والأبرز فيه عنايته بمفرداته الفنية؛ إذ إن شريط الصوت هو الأكثر إثارة للانتباه بينها. وفيه تأكيد على اهتمام صانع الفيلم اللبناني بالشريط الصوتي الذي يرفع مستوى منجزه السينمائي فنياً وجمالياً، وهذا بالضبط ما ينقص سينمات عربية كثيرة.
قريباً من مناخاته، ينقل الفلسطيني "كنتاكي غزة" (22 د.) حالة المدينة في ظل حصار وتهديد بالموت، تدفع الناس فيها إلى كسر حاجز الخوف، والتشبث بالأمل والحياة. نيله تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم لا يعكس حقيقة مستواه. لا مبالغة في كونه من بين أهم الأفلام العربية المنتجة هذا العام. أسلوب كتابته الساخر يبعده عن أفلام كثيرة، أولت نقل الحالة التراجيدية لمدينة غزة وتوثيقها أولوية على الجوانب الفنية. هذا انتبه إليه صانعه عمر رمال، وتجاوزه بكتابته نصاً سينمائياً جميلاً، تدور حكايته حول رجل فلسطيني يملك مطعماً متواضعاً لبيع الدجاج المقلي على طريقة "كنتاكي" الأميركية، لا يرتقي مستواه إلى طموح ابنه، الذي يتذمر من العمل معه، ويريد تطوير المطعم، على عكس والده المكتفي بالموجود لديه. يرتفع مستوى طموح الشاب عند اكتشافه حلاوة طعم الكنتاكي، الواصل من مصر. تخطر بباله فكرة تهريبه عبر الأنفاق إلى مدينته. في وقت قصير، يلقى ما يهرّبه من كنتاكي رواجاً، يكسد مبيعات والده. لكن هذه الحال لن تدوم طويلاً، إذْ فَجّر الجيش الإسرائيلي النفق، تزامناً مع "7 أكتوبر".
الاشتغال الجمالي لافت للانتباه في منجز عمر رمال، صورة وتمثيلاً، وفكرة تقول إن الأمل في تحسين مستوى حياة الفلسطيني لن يضمر، رغم كل الأخطار المحيطة به.
لا يحلّ الخراب بالمدن بفعل الحروب والصراعات المسلّحة فقط، فهناك دائماً أسباب أخرى. الفيلم البيروفي الرائع "لا أحد يعرف العالم" (18 د.، نجمة الجونة الفضية)، يقترح مخرجه رودي ديكستر تقديم مشهد سينمائي لأحياء فقيرة في العاصمة ليما، تنتشر فيها تجارة المخدرات. يُصغّر بؤر المشهد في حدود أخوين، أحدهما متورّط بتوزيع المخدرات عبر الحمام الزاجل. الأخ الأصغر لاعب كرة ماهر، محبوب بين سكان المنطقة. في غفلة منه، تتقدم دراجة نارية، يطلق أحد راكبَيْها الرصاص عليه، فيسقط صريعاً. حالة الحزن تعمّ المدينة. يقرّر الأخ الانتقام من القتلة. يخطّط لعملية القتل، لكنه لحظة اقترابه من القاتل يرى بين يديه رضيعاً يداعبه. يتردد ويتراجع.
هذا كل ما في قصة فيلم، تجتمع فيه كل عناصر نجاح الفيلم القصير: التوتر والتصعيد، وترك النهايات مفتوحة للتأويل والتفكير.
بقدر أكبر من التكثيف، ينقل النرويجي أندش دافيدسن، في "ذكريات مسروقة" (18 د.، نجمة الجونة الذهبية)، حالة اضطراب المشاعر، بفعل عبارة قصيرة يسمعها بطله المراهق من صديقته. عبارة كافية لتخريب جانب سوي داخله. في مناخ اسكندنافي، يسوده الهدوء، والضوء الخافت يملأ المكان ليلاً، يلتقي مراهق صديقته في منزل ريفي. هناك فوضى تسوده بفعل تدخل خارجي، لا أحد يعرف مصدره: محاولة سرقة، أو عبث صبياني. أثناء البحث في الأغراض المبعثرة، تعثر صديقته على صور له يظهر فيها مع والدته أثناء الاستحمام، وفي بعضها عارياً مكشوف الأعضاء التناسلية. تثير كلماتها القليلة الريبة في دوافع والدته، وعلاقتها بجسده. تزعزع كلماتها دواخله، وتثير فيه قلقاً من لاعادية ما في العلاقة بينه وبين أمه.
بعد سماعه تلك الكلمات، ينفر من والدته، وتتوتر علاقته بها. تصرّ الأم على التعامل السوي معه، ما يكسر شكّاً مرضياً نشأ بفعل عبارة واحدة.
عن هشاشة دواخل الكائن البشري تدور حبكة الفيلم، عبر نص سينمائي حاذق، يخترق السطح إلى العمق بفكرة بسيطة، تبطّن معاني عميقة، وتحيط بجانب نفسي يجلي هشاشة تكوين في أكثر المجتمعات الغربية انفتاحاً، وتطرح سؤالاً عن مدى صلابة ذلك التوصيف: "الانفتاح". كلمة، أو عبارة قصيرة، تغّير سلوكاً، وتقطع أواصر عائلية سوية.
السؤال الملازم للمُشاهَدة: إذا كان هذا يحصل في بلد أوروبي شمالي، فكيف في سلوكيات وقيم سائدة في مجتمعات محافظة، تكرّس تحريماً لأي نوع من الانفتاح على جسد الآخر؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗