طلاب فرنسا... مطالب بإصلاحات تتجاوز خطة الحكومة
رغم القرارات الحكومية الأخيرة التي اتّخذتها فرنسا إثر الاحتجاجات الطلابية والنقابية، تتوالى الانتقادات باعتبارها مجرّد فُتات مقارنةً بما يحتاج إليه قطاع التعليم، وسط اتهامات بأنّ الحكومة تؤجّل تنفيذ بعض التزاماتها إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقرّرة في ربيع 2027، تاركة الإشكالية لمَن يخلفها.
بعد أكثر من شهر على الاحتجاجات، انتزع حراك تلاميذ الثانويات وطلاب الجامعات في فرنسا حزمة من القرارات الحكومية التي تقضي بزيادة عدد المدرّسين، وتخفيف الاكتظاظ في الصفوف، وزيادة أعداد المقبولين في الجامعات والمعاهد العليا، إلى جانب وعود بإصلاح منصة "باركورسوب" التي يستخدمها التلاميذ للحصول على قبول في التعليم العالي.
ورغم أنّ هذه التدابير قد قوبلت، فور كشفها الاثنين الماضي، بانتقادات النقابات التي اعتبرتها دون المطلوب، عاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو ليؤكد أمام النواب، الأربعاء، أنّ الخطة التي قدّمتها حكومته تشكّل استجابة لتطلّعات التلاميذ، متعهّداً بلقاء ممثلي التلاميذ والطلاب مجدّداً في خلال أقلّ من أسبوعين لمتابعة ما تحقّق من الخطة والصعوبات التي قد تواجهها.
تعمق أكثر
وتشمل القرارات الجديدة التراجع عن إلغاء 836 وظيفة في التعليم الثانوي العام، واستحداث 500 وظيفة تدريس إضافية للثانويات، وتحديد سقف لعدد الطلاب المسموح به في الصفوف ضمن بعض الاختصاصات، إلى جانب ضبط المنح الطلابية لتتوافق مع التضخم، وإدخال تعديلات على منصة "باركورسوب" في دورة التسجيل المقبلة، تمهيداً لاستبدال المنصة عام 2028. غير أنّ نقابات التلاميذ والطلاب ترى أنّ هذه القرارات ما زالت بعيدة عمّا تطالب به، وأنّ ما تقدّمه الحكومة ليس إلا "فُتاتاً" مقارنةً بما يحتاج إليه قطاع التعليم، بحسب تعبير المتحدثة باسم "الاتحاد الطلابي"، صابرين خرباش.
ويقول المتحدث باسم "الحركة الوطنية لتلاميذ الثانويات"، أوسكار تراي، لـ"العربي الجديد"، إنّ الحكومة تؤجّل تنفيذ عدد من قراراتها إلى بداية العامين الدراسيين في خريف 2027 و2028، أي إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقرّرة في ربيع 2027، تاركةً الأمر لحكومة أخرى "لا نعرف هويتها، ولا إن كانت ستنفّذ هذه الالتزامات"، مؤكداً أنّ المطلوب من السلطات هو "القيام بالتغيير الآن". وتدعو النقابة التي يمثلها تراي، مثل أغلب منظمات الثانويات والجامعات، إلى مواصلة الاحتجاج يوم السبت المقبل (غداً في 31 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري)، والمشاركة في الإضراب الذي أعلنته النقابات العمالية في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، لدفع الحكومة إلى اتّخاذ المزيد من القرارات.
وتطالب المنظمات الطلابية بفتح 250 ألف مقعد إضافي في التعليم العالي، فيما لا تقترح الحكومة سوى 15 ألفاً، معظمها في التعليم التقني والتكنولوجي. وفي يوليو/ تموز الماضي، وجد أكثر من 126 ألف مرشح أنفسهم من دون أي قبول في التعليم العالي، قبل جولة إضافية استمرّت حتى سبتمبر/ أيلول الماضي. وترى النقابات أنّ تعديل منصة "باركورسوب" أو استبدالها لن يكفي إن لم يترافق مع زيادة قدرة الجامعات والمعاهد العليا على استقبال الطلاب الذين تُخرّجهم الثانويات كلّ عام.
ويقدّم التلاميذ طلباتهم عبر "باركورسوب" قبل اجتيازهم امتحانات شهادة البكالوريا، ثم تقوم لجان تابعة للجامعات والمعاهد العليا بدراسة ملفاتهم وترتيبها بحسب العلامات والتقديرات المدرسية، إلى جانب معايير أخرى تختلف من مؤسسة إلى أخرى. وقد يمضي التلاميذ أسابيع على قوائم الانتظار، من دون أن يعرفوا أين سيدرسون أو إن كانوا سيُقبَلون في الاختصاصات التي تقدّموا إليها. ويعود تراي إلى تجربته الشخصية مع "باركورسوب"، قائلاً: "نتّصل بالقائمين على المنصة كلّ يوم، ونتساءل: هل سيأتي دورنا أم لا؟ وبعد أسابيع من التوتر، يأتي الرفض، فنسأل: لماذا رفضونا؟ كانت علاماتي بين 15 و17 من أصل 20، ورسالتي جيدة، خصوصاً أنّ المعنيين في ثانويتي تولّوا مراجعتها، ومع ذلك رُفض طلبي". ويضيف الناشط النقابي أنّ تحضير ملفات التقدّم ومتابعتها طوال أسابيع، وربما أشهر، كلّها عوامل تشغل التلاميذ عن دراستهم وتحضيرهم لشهادة البكالوريا. وفي حالته الشخصية، فقد لجأ، بعد رفضه على المنصة، إلى مؤسسة تعليمية قبلت تسجيله مباشرةً، من دون المرور بـ"باركورسوب".
ويشرح تراي أنه أمضى أياماً في تحضير "رسالة الدافع"، التي يشرح فيها أسباب اختياره للاختصاص، قبل أن تبلغه المؤسسة التي التحق بها بأنّها لم تقرأها أصلاً. ويستعيد واقعة، باتت مشهورة في فرنسا، حدثت مع تلميذة قُبلت في قسم علم النفس بجامعة تولوز العام الماضي، بعدما أرسلت وصفة لتحضير كعكة "براوني" بدلاً من الرسالة المطلوبة. وبعد الجدل الذي أثارته القضية، فسّرت مسؤولة في أكاديمية تولوز قبول التلميذة المذكورة بأنّ الرسالة لا تمثّل سوى 6% من تقييم الملف في اختصاصها، فيما تُحتسب النسبة الباقية على أساس عناصر أخرى، أبرزها العلامات المدرسية. ويعترض تراي على مطالبة التلاميذ ببذل كلّ هذا الجهد في كتابة رسائل لا يعرفون مقدار تأثيرها في قبولهم، أو إن كانت ستُقرأ أصلاً.
وتُوجَّه إلى نظام "باركورسوب" انتقادات أخرى تتعلّق بتكريسه التفاوت الاجتماعي بين المرشحين، فهو يُبقي اسم الثانوية التي يدرسون فيها ظاهراً في الملف، ولكنّه يحجب أسماء التلاميذ للحدّ من التمييز. لكن منتقدي المنصة يقولون إنّ الكشف عن أسماء الثانويات يساهم في التمييز بحق تلاميذ المدارس الواقعة في المناطق والأحياء الشعبية، لمصلحة زملائهم في الثانويات المرموقة. وفي وجه هذه الانتقادات، تعهّدت الحكومة، هذا الأسبوع، بأن يعرف المتقدّمون على أي أساس تُقبل ملفاتهم أو تُرفض، فيما تطالب النقابات، من جهتها، بإنهاء سياسة الانتقاء عند دخول الجامعة بصورة كلية.
لكن رئيس الوزراء الفرنسي لم يُخفِ، في كلمته أمام البرلمان، أنّ هذا النقاش حول الانتقاء لا يقتصر، بحسب قوله، على رغبات الطلاب أنفسهم، بل تدخل فيه أيضاً حاجة فرنسا إلى تخريج ما يكفي من "المهندسين والعاملين في الحقل الصحي والحرفيين والأساتذة". كذلك حذّر من إعداد أجيال كاملة من الطلاب لمهنٍ قد تختفي قريباً مع صعود الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى التوفيق بين رغبات التلاميذ وضرورة تأهيلهم لتلبية حاجات المجتمع والاقتصاد الفرنسيين في المستقبل.
وتتجاوز مطالب التلاميذ في فرنسا مسألة القبول الجامعي ومنصة "باركورسوب" إلى ملفات أخرى، من بينها تهالك مباني الثانويات، وطول اليوم الدراسي، ونقص المدرّسين. ففي مجمّع التعليم الزراعي "أغروكامبوس" في سان جيرمان أون ليه، غرب باريس، حيث يجمع تراي بين الدراسة والتدريب المهني، تعاني بعض الصفوف من تهالك وسوء عزل يسمحان بتسرّب مياه الأمطار إلى الداخل، بحسب شهادة تراي، الذي يقول أيضاً إنّ أساتذته لا يستطيعون عرض مواد الدروس على شاشة الصف بسبب تعطّل جهاز العرض منذ ثمانية أشهر.
وكانت الحكومة الفرنسية قد دعت التلاميذ، بين 6 و23 من أكتوبر الجاري، إلى عرض مشاكلهم ومقترحاتهم عبر منصة جمعت في خلال هذه المدة أكثر من 100 ألف مساهمة من نحو 3 آلاف ثانوية. وتصدّرت الشكاوى مسألة طول اليوم الدراسي الذي قد يمتد إلى عشر ساعات، حيث حضرت في 71% من المشاركات، تلتها حالة المباني (56%)، ثم صعوبة تعويض المدرّسين الغائبين (31%). ورغم أنّ تنظيم اليوم الدراسي جاء في مقدّمة الشكاوى، فإنّ الحكومة لم تعلن تدابير محدّدة للرد على هذه المشكلة، واكتفت بتقديم وعد بمراجعة توزيع الحصص وضمان ساعة على الأقلّ لاستراحة الغداء، بدءاً من العام الدراسي المقبل.
أمّا لترميم المباني، فقد أعلنت الحكومة تخصيص 4 مليارات يورو لقروض ميسّرة يمكن لمجالس الأقاليم، المسؤولة عن الثانويات، أن تستفيد منها، إلى جانب مليار يورو للاستثمار في المباني الجامعية. غير أنّ مجالس الأقاليم اعترضت على الاكتفاء بتسهيل القروض، فيما اعتبرت هيئة "جامعات فرنسا"، التي تمثّل رؤساء الجامعات، أنّ "نقص التمويل المزمن للجامعات لم يلقَ استجابة بعد" من السلطات، مشدّدة على أنّ الأماكن المتاحة حالياً تحتاج هي أساساً إلى تمويل أكبر، وليس فقط الأماكن التي سيجري استحداثها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗