الاقتصاد الأميركي ينمو 3.4% وسط تراجع القدرة الشرائية
نما الاقتصاد الأميركي بوتيرة أسرع من المتوقع في الربع الثالث من 2026، مدفوعاً بالاستثمار والإنفاق الاستهلاكي، لكن بيانات منفصلة صدرت اليوم الخميس، أظهرت أن الأسر الأميركية تدفع أكثر لتشتري الكمية نفسها، وأن دخلها الحقيقي يتراجع. وبحسب التقدير الأولي لمكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (Bureau of Economic Analysis)، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي بلغ 3.4% في الفترة من يوليو/ تموز إلى سبتمبر/ أيلول، مقارنة بـ2.2% في الربع الثاني.
تعمق أكثر
الاستثمار والمستهلك يقودان النمو
جاء النمو مدفوعاً بارتفاع الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الحكومي، بينما حد تراجع الصادرات، وفي مقدمتها صادرات النفط ومشتقاته، من وتيرة الزيادة، بحسب المكتب. وارتفع الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل نحو ثلثي الاقتصاد الأميركي، بمعدل سنوي بلغ نحو 3.8%، وفق وزارة التجارة الأميركية، بحسب وكالة أسوشييتد برس.
كما واصلت طفرة الذكاء الاصطناعي دعم الاستثمار. فقد ارتفع استثمار الشركات، باستثناء الإسكان، بنسبة 12.7%، وقفز الإنفاق على معدات معالجة المعلومات 37.4%، والبرمجيات 9.6%، والبحث والتطوير 7.5%. والمؤشر الأهم على قوة الاقتصاد الداخلي هو المبيعات النهائية الحقيقية للمشترين المحليين من القطاع الخاص، وهو مقياس يستبعد التجارة الخارجية والمخزونات والإنفاق الحكومي. وقد ارتفع هذا المؤشر بنسبة 4.9% في الربع الثالث، بعد 4.6% في الربع الثاني.
التضخم يعود في سبتمبر
في المقابل، أظهر تقرير الدخل والإنفاق الشخصي، الصادر أيضا الخميس، أن مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي، المقياس المفضل لدى مجلس الاحتياط الفيدرالي (Federal Reserve) لقياس التضخم، ارتفع 0.5% في سبتمبر وحده، و3.6% على أساس سنوي. أما المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فارتفع 0.3% خلال الشهر، و3.1% على أساس سنوي.
لكن صورة الربع كاملاً تبدو أهدأ. فقد ارتفع مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي بمعدل سنوي بلغ 2.1% في الربع الثالث، بعد 5% في الربع الثاني. ويعني ذلك أن موجة الأسعار الجديدة تركزت في سبتمبر، مع صعود أسعار الوقود. ويبقى التضخم في كل الأحوال بعيداً عن هدف الاحتياط الفيدرالي البالغ 2%.
الفيدرالي يترقب
جاءت هذه البيانات بعد يوم من قرار الاحتياط الفيدرالي تثبيت سعر الفائدة في نطاق بين 3.75% و4%، عقب رفعه في سبتمبر. وقلل رئيس الاحتياط الفيدرالي كيفن وارش من المخاوف بشأن الاقتصاد، إذ رأى أنه "لا يعمل بحرارة مفرطة رغم طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي"، بحسب وكالة رويترز. ويضع مزيج النمو القوي والتضخم المرتفع البنك المركزي أمام معادلة صعبة. فالطلب المتين يقلل الحاجة إلى دعم الاقتصاد، لكن رفع الفائدة مجدداً قد يزيد الضغط على أسر تعاني أصلا من الغلاء.
خلف أرقام النمو، تكشف بيانات سبتمبر صورة مختلفة داخل البيوت الأميركية. فقد ارتفع إنفاق الأسر 0.5% خلال الشهر بالقيمة الاسمية، أي نحو 113.1 مليار دولار. لكن بعد احتساب التضخم، لم يتغير الإنفاق الحقيقي تقريباً. ويعني ذلك أن الزيادة كلها ذهبت إلى ارتفاع الأسعار، لا إلى شراء سلع وخدمات إضافية. فالأسرة دفعت أكثر في سبتمبر، لكنها حصلت على ما كانت تحصل عليه في أغسطس/ آب.
دخل حقيقي يتراجع
في الوقت نفسه، لم يرتفع الدخل الشخصي سوى 0.2% في سبتمبر، وزاد الدخل المتاح للإنفاق، أي ما يتبقى للأسرة بعد الضرائب، بالنسبة نفسها. لكن بعد احتساب التضخم، تراجع الدخل الحقيقي المتاح 0.3% في شهر واحد. بعبارة أخرى، حصلت الأسر على دخل أعلى بالأرقام، لكنه يشتري أقل مما كان يشتريه قبل شهر.
ويتسق ذلك مع بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي (Bureau of Labor Statistics)، التي أظهرت تراجع متوسط الأجر الحقيقي في الساعة 0.7% بين سبتمبر 2025 وسبتمبر 2026.
وقد هبط معدل الادخار، حيث أظهرت البيانات أن نسبة ما تدخره الأسر من دخلها المتاح إلى 3.8% في سبتمبر، من 4.1% في أغسطس، بحسب البيانات المنشورة الشهر الماضي. ويعني ذلك أن جزءاً من قوة الإنفاق الاستهلاكي، التي دعمت نمو الاقتصاد، يأتي من تقليص الأسر مدخراتها، لا من زيادة دخولها. ويبقى هذا النمط قابلاً للاستمرار لفترة محدودة. فالأسرة التي تسحب من مدخراتها لتغطية فاتورة البنزين والطعام تفقد هامش الأمان الذي تحتاجه عند أي صدمة مقبلة، مثل فقدان وظيفة أو فاتورة طارئة.
نمو لا يصل إلى البيوت
تكشف بيانات الخميس اقتصاداً بوجهين. الأول يظهر في الحسابات القومية: نمو قوي، وطلب متين، واستثمار متسارع في الذكاء الاصطناعي. أما الثاني فيظهر في ميزانية الأسرة: أسعار ترتفع أسرع من الدخل، وإنفاق لا يشتري أكثر، ومدخرات تتآكل شهراً بعد شهر. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، قد يكون السؤال الذي يشغل الناخب الأميركي ليس كم نما الاقتصاد، بل كم بقي في جيبه في نهاية الشهر.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗