ماذا تخبئ سياسات أسعار الصرف والعملات عن الاقتصاد؟
قبل أسابيع، استيقظ العراقيون على قرار حكومي يقضي برفع سعر الدولار الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً عراقياً، وقبلهم عاش المصريون موجات متتالية من خفض قيمة الجنيه، انتهت بتعويمه خمس مرات، الأولى في أكتوبر 2016 والأخيرة في مارس/آذار 2024، فيما شهد اللبنانيون انهيار قيمة العملة من 1500 ليرة للدولار، وهو السعر الذي ثبت لأكثر من عقدين، إلى حوالي 90 ألف ليرة. ثلاث تجارب عربية مختلفة في الظروف ومتشابهة في النتيجة؛ انهيار للقوة الشرائية للعملة يتبعها في العادة موجة تضخم جامحة تصعب من ظروف المعيشة على أصحاب الدخول الثابتة.
تعمق أكثر
فسعر الصرف ببساطة هو ثمن عملة بعملة أخرى، حين يكون الدولار يساوي 1520 ديناراً عراقياً، فنحن نقول إن من يريد دولاراً عليه أن يدفع هذا العدد من الدنانير، وتخفيض سعر الصرف أو تخفيض قيمة العملة، يعني أن الدولة قررت أن عملتها صارت تساوي أقل مقابل الدولار، فيرتفع عدد الوحدات المحلية اللازمة لشراء العملات الأجنبية كالدولار.
وتقوم الدول بإدارة عملاتها بطرق مختلفة، فبعضها يربط عملته بالدولار بسعر ثابت، كما هو الحال في معظم دول الخليج والأردن، وبعضها يترك السعر ليتحدد وفقاً لقوى السوق من عرض وطلب، وهو ما يُعرف بالتعويم الذي تتبعه معظم اقتصادات الدول المتطورة لما يمنحه من مرونة لصناع السياسات النقدية والاقتصادية، والبنوك المركزية هي التي تضبط تحركات أسعار العملات بالتدخلات المباشرة وغير المباشرة، من خلال عرض النقد أو أسعار الفائدة، ولكن تلك التدخلات لها كلف وليست مجانية؛ ففي حالات ربط العملات يتطلب ذلك احتياطيات كافية من العملة الصعبة للدفاع عن سعر الصرف والمضاربات على العملة، وحين تبدأ تلك الاحتياطيات النقدية بالنفاد أو تنقطع مصادرها فـإن تخفيض قيمة العملة كما حصل في العراق مؤخرا تصبح حتمية.
وسعر الصرف يتحدد من خلال عدة عوامل أبرزها عجز الموازنات والاستدانة من قبل الحكومات دون أن يقابل ذلك إيرادات بالعملات الأجنبية، والعامل الثاني هو ميزان المدفوعات، أي حجم ما يدخل البلاد من عملة صعبة عبر الصادرات والسياحة وتحويلات المغتربين والاستثمار، مقارنة بما يخرج منها لتمويل المستوردات وخدمة الديون، وحين يختل هذا الميزان، يضغط الطلب المتزايد على العملات الأجنبية على العملة المحلية فيبدأ رصيدها بالنضوب التدريجي كما حصل في مصر.
في العراق، لم يكن الخفض الأخير لسعر الدينار نتيجة اختلال نقدي داخلي بقدر ما كان استجابة لصدمة هبوط في الإيرادات، فالدولة التي يتحقق حوالي 90% من إيرادات موازنتها من النفط، واجهت تعطل صادراتها عبر مياه الخليج ومضيق هرمز بسبب الحرب، وسجلت الموازنة العامة عجزاً تجاوز 29 تريليون دينار ( 22.4 مليار دولار)، خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 وفق أرقام وزارة المالية العراقية، ويساهم خفض قيمة الدينار بمنح الخزينة دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي، بزيادة تقارب 14%، لتغطية الرواتب والنفقات الجارية.
أما في مصر فقد تراكمت الضغوط على مدى سنوات نجمت عنها فجوة دولارية مزمنة، وديون خارجية متصاعدة، وسوق موازية اتسعت حتى صار للجنيه أكثر من سعر بسبب نقص الرصيد المتاح من العملات الأجنبية، وجاءت قرارات التعويم الخمسة خلال نحو ثماني سنوات ضمن برنامج مع صندوق النقد الدولي، فتقلصت الفجوة مع السوق السوداء ثم اختفت الأخيرة في السنوات الأخيرة، لكن الثمن كان موجة تضخم تجاوزت 35% في بعض الشهور وبلغت ذروتها في سبتمبر 2023 حينما قفز المعدل إلى 38% وجاء القفزة على حساب الطبقة الوسطى وأصحاب الرواتب الثابتة في القطاعين العام والخاص.
أما لبنان، فهو المثال الأصعب على ما يحدث حين يتم الدفاع عن سعر ثابت للعملة مقابل الدولار بأي ثمن، ولسنوات تم تمويل الربط عند 1500 ليرة عبر جذب الودائع بفوائد مرتفعة، في ما يوصف بالهندسة المالية، إلى أن انكشف النظام عام 2019، فانهارت الليرة، وتبخرت مدخرات المودعين، وتجاوز التضخم 200% في بعض السنوات، والدرس اللبناني يشير بوضوح إلى أن السعر الثابت غير المسنود بأساسيات اقتصادية حقيقية ليس استقراراً، بل تأجيل للانفجار.
وفي المقابل، تقدم تجارب عربية أخرى الوجه الآخر للصورة مثل دول الخليج التي تسند ربط عملاتها بفوائض نفطية وصناديق سيادية ضخمة قادرة على الوفاء بتمويل نفقاتها الخارجية إذا ما لزم الأمر، كذلك حافظ الأردن على ربط ديناره بالدولار منذ منتصف التسعينيات، رغم أنه بلد محدود الموارد ومثقل بالديون، ولم يكن ذلك ممكناً لولا احتياطيات كافية من العملة الصعبة.
وسياسة سعر الصرف فيها رابحون وخاسرون، فالرابح الأول من الخفض في الغالب هو الخزينة العامة في الدول التي تجني إيراداتها بالدولار وتنفق بالعملة المحلية، كالعراق، يليها المصدرون الذين تصبح سلعهم أرخص في الأسواق الخارجية، وقطاع السياحة، ومن يحتفظون بمدخراتهم بالدولار أو يملكون أصولاً حقيقية كالعقار والذهب، كما يستفيد المضاربون الذين يتنبؤون بالقرار قبل صدوره لقربهم من دوائر المعلومات.
أما الخاسر الأكبر فهو صاحب الدخل الثابت بالعملة المحلية؛ الموظف والمتقاعد والعامل بأجر، ومن يعيش على مساعدات الحماية الاجتماعية، يضاف إليهم صغار المدخرين الذين وضعوا أموالهم في البنوك بالعملة الوطنية. وفي اقتصادات تستورد معظم غذائها ودوائها، كالاقتصادات العربية، ينعكس التحفيض بسرعة على أسعار المستهلك، ويتحول إلى ضريبة غير معلنة تعيد توزيع الدخل من الفقراء إلى من يملكون العملات الصعبة.
في الخلاصة، تشكل سياسة سعر الصرف أحد أبرز التحديات التي تواجه بعض الاقتصادات بالنظر إلى آثارها العميقة على الناس، لكن حوارات سعر الصرف تظل أسيرة اللجان الفنية، فيما يبقى موضوع الانضباط المالي ووقف تمويل العجز بطباعة النقود أحد أبرز الأسس التي تقوم عليها استقلالية البنك المركزي التي تشكل الضمانة الأولى لثقة الناس بعملتهم. كذلك ينبغي حماية الفئات الأضعف عند أي تعديل في سعر الصرف، فإذا كان الخفض يحقق للخزينة عائداً إضافياً، فإن جزءاً منه يجب أن يعود إلى أصحاب الدخل الثابت عبر علاوات غلاء ودعم موجّه وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وهذا في الغالب لا يحصل، مما يجعل هذه الفئات الأكثر تضرراً جراء أخطاء متراكمة ارتكبت في الماضي ولكنهم يدفعون ثمنها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗