هروب فلافيو بولسونارو إلى أميركا: ما الانعكاسات على المشهد السياسي؟
تشهد البرازيل أزمة سياسية وقضائية ودبلوماسية غير مسبوقة تسبب فيها هروب السيناتور والمرشح الرئاسي البرازيلي الخاسر فلافيو بولسونارو براً نحو الأرجنتين، وتوجه منها بطائرة خاصة إلى الإكوادور فالولايات المتحدة، متحدياً بذلك أوامر السلطات القضائية، الاثنين الماضي، بعدم مغادرة البلاد وتسليم جوازي سفره الشخصي والدبلوماسي.
تعمق أكثر
ولا تزال الوجهة النهائية للمرشح، الذي هُزم أمام الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في جولة الإعادة الأحد الماضي، مجهولة، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد للصحافيين، أمس الأربعاء، أنه سيمنحه تأشيرة إذا رغب في التوجه إلى الولايات المتحدة، مضيفاً من قاعدة آندروز المشتركة في ولاية ماريلاند عند عودته من جولة انتخابية في تكساس: "حسناً، سأوافق على ذلك"، مضيفاً أنه سمع أن بولسونارو موجود في الأرجنتين. واعتبر أن "الانتخابات كانت غريبة للغاية، ورأيتُ أنها كانت سيئةً جداً".
بتوجهه إلى الولايات المتحدة، يكون فلافيو قد التحق بشقيقه إدواردو، النائب السابق المقيم في الولايات المتحدة والذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع البيت الأبيض، ومجموعة من رموز التيار البولسوناري تحت مظلة حماية إدارة ترامب. يُذكر أن جايير بولسونارو، والد فلافيو، يخضع حالياً للإقامة الجبرية بتهمة التخطيط لانقلاب بعد خسارته الانتخابات الرئاسية عام 2022 أمام لولا. ولم يقر بولسونارو الأب آنذاك بخسارته، وغادر إلى الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى البرازيل بعد ثلاثة أشهر فقط. وقال صحافيون من وكالة فرانس برس، إن فلافيو بولسونارو وصل أمس إلى مطار في ميامي، بولاية فلوريدا، أمس، وقد شوهد الرجل، البالغ من العمر 45 عاماً، وهو يترجل من طائرة خاصة في مطار أوبا ــ لوكا، المخصص للطيران الخاص، برفقة زوجته وابنتيه.
خطة هروب فلافيو بولسونارو
يبدو أن خطة هروب فلافيو بولسونارو كانت معدة سلفاً، فقبل يومين من المرحلة الثانية للانتخابات الرئاسية، وبالتحديد يوم 23 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، صرح إدواردو بولسونارو (في بودكاست أميركي) بأنه يؤيد مغادرة فلافيو البرازيل فوراً إذا خسر الانتخابات. ورغم ذلك ظهر فلافيو في مقطع مصور صباح الاثنين، 26 أكتوبر، عقب اعتراض الشرطة الفيدرالية له أمام منزل والده جايير بولسونارو الخاضع للإقامة الجبرية (في برازيليا)، أكد فيه أنه لن يغادر البلاد أبداّ وسيسلّم جوازيه (العادي والدبلوماسي) وسيدافع عن نفسه ضد ما وصفه بالتعسف. إلا أن الاتصالات انقطعت معه عصر ذلك اليوم، وانتهت المهلة القانونية في الساعة الحادية عشرة من صباح الثلاثاء 27 أكتوبر دون تسليم الجوازين. علماً أن فلافيو بولسونارو كان قد أعلن في بيان، الاثنين الماضي، توليه "قيادة المعارضة"، مؤكداً تمسكه بالمطالبة بإلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية.
وفي مساء الثلاثاء، في تمام الساعة 22:50، عبر فلافيو الحدود مع زوجته وابنتيه من جسر تانكريدو نيفيس الدولي من مدينة فوز دو إيغواسو إلى الأرجنتين حيث تسمح اتفاقيات الميركوسور بعبور الحدود البرية ببطاقة الهوية المدنية البرازيلية (RG) دون الحاجة لجواز سفر، ثم استقل طائرة خاصة نحو الإكوادور، وسط إعلان مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، في تصريحات مساء الثلاثاء نقلتها وكالات أنباء من بينها "فرانس برس" و"أسوشييتد برس"، أن الوزارة "ستصدر تأشيرات لفلافيو بولسونارو وأفراد عائلته، وستسمح لهم بدخول الولايات المتحدة".
أعلنت المديرية الوطنية للهجرة في الأرجنتين أن بولسونارو وزوجته وابنتيه وصلوا إلى الأرجنتين قبل أن يتوجهوا إلى الإكوادور
وكانت المديرية الوطنية للهجرة في الأرجنتين قد كتبت على منصة إكس، أمس، أن بولسونارو وزوجته وابنتيه، فرناندا أنتونس فيغيروا بولسونارو، وكارولينا فيغيروا بولسونارو، ولويزا فيغيروا بولسونارو، وصلوا إلى الأرجنتين ليل الثلاثاء - الأربعاء، قبل أن يستقلوا "طائرة خاصة تابعة لشركة بايريس فلاي، متجهة إلى مدينة غواياكيل في الإكوادور". وأضافت أنهم عبروا الحدود الأرجنتينية براً عبر معبر جسر تانكريدو نيفيس في مقاطعة ميسيونيس (رحلة تستغرق نحو 19 ساعة براً من منزله في برازيليا)، و"تم الدخول بموجب وثائق سفر سارية، ودون وجود أي عائق قانوني يمنع دخولهم إلى البلاد".
أسباب الهروب
يرى مراقبون أن قرار فلافيو بولسونارو بالمغادرة كان ثمرة تقاطع بين هزيمة انتخابية أفقدته الأمل في الحصول على حصانة رئاسية، وطوق قضائي أخذ يضيق حول عنقه باقتراب موعد انتهاء ولايته في مجلس الشيوخ في فبراير/ شباط 2027. وورد اسم فلافيو بولسونارو في قضيتي فساد مالي وغسل أموال تنظرهما المحكمة الفيدرالية العليا، وأخرى حول تلقي دعم أجنبي في الانتخابات الرئاسية التي تقدم في جولتها الأولى على الرئيس لولا دا سيلفا، وخسرها في جولتها الثانية في 25 أكتوبر الحالي.
ويعتقد على نطاق واسع أن ثلاثة قضايا تنظرها المحكمة الفيدرالية العليا دفعت فلافيو لهذه المغامرة بالهروب من البلاد، أولها قضية غسل الأموال وحساب بنك سانتاندر التي يقود التحقيق فيها القاضي مورايس (الذي حكم في قضية والده)، وتدور حول شبكة غسل أموال وتهريب عملات عبر منصات مراهنات وأموال مختلسة من صناديق التقاعد، يشتبه في إدارتها بالشراكة مع صديقه المحامي ويلر توماز الموجود خارج البرازيل منذ أغسطس/ آب الماضي. ووفق الشرطة الفيدرالية، فإن الرجلين يتقاسمان حساباً مصرفياً مشتركاً في بنك سانتاندر.
القضية الثانية هي تمويل فيلم "دارك هورس" (حول حياة جايير بولسونارو)، ويتم التحقيق فيها بشأن تلقي فلافيو بولسونارو دفعات مالية ضخمة تراوح تقديراتها بين 61 و65 مليون ريال برازيلي (نحو 12 مليون دولار) من المصرفي دانيال فوركارو، مالك بنكو ماستر (تمت تصفية البنك في 2025)، لتمويل فيلم سينمائي يتناول سيرة والده جايير بولسونارو، وفوركارو رهن الحبس والتحقيق في إهدار نحو 51 مليار ريال (9.5 مليارات دولار) من أموال مودعي البنك تحملها صندوق تأمين الودائع البنكية. أما القضية الثالثة فتتعلق بتحقيق للشرطة الفيدرالية فتح بتكليف من القاضي فلافيو دينو للبحث في شبهات تلقي حملة فلافيو الانتخابية تمويلاً أو دعماَ لوجستياً أجنبياً غير مشروع.
معركة قانونية معقدة
يضع فرار سيناتور يشغل مقعده فعلياً، ومرشح رئاسي حصل للتو على عشرات الملايين من الأصوات، المنظومة القانونية البرازيلية أمام معضلة دستورية ودولية معقدة تتوزع على أربعة مسارات: الأولى معضلة الحبس الاحتياطي والحصانة البرلمانية. فالمادة 53 من الدستور البرازيلي تنص صراحة على عدم جواز اعتقال أعضاء الكونغرس بغرفتيه النواب والشيوخ إلا في حالة تلبّس بجريمة غير قابلة للكفالة، مع إلزام المحكمة بإحالة الأمر إلى مجلس الشيوخ خلال 24 ساعة ليقرر بأغلبية أعضائه استمرار الحبس أو إخلاء السبيل. وبما أن خرق التدابير الاحترازية وعدم تسليم الجواز والسفر لا يصنف دستورياً جريمة تلبّس غير قابلة للكفالة، فإن إصدار مذكرة توقيف قبل انتهاء ولاية فلافيو بولسونارو في فبراير 2027 سيعد تجاوزاً، وقد يفجر صداماً دستورياً مباشراً مع مجلس الشيوخ.
وبالنسبة لمصير مقعده البرلماني، فينص النظام الداخلي لمجلس الشيوخ على أن السيناتور يفقد مقعده تلقائياً إذا تغيب عن ثلث الجلسات العادية السنوية دون عذر مقبول أو إجازة غير مدفوعة. ومع تبقي أقل من أربعة أشهر على نهاية ولايته، فيستطيع فلافيو تقديم طلبات إجازة خاصة أو استنفاد مهلة الغياب دون أن تسقط عضويته رسمياً قبل انتهاء ولايته أصلاً. أما عقبة الإنتربول (منظمة الشرطة الجنائية الدولية)، فحتى لو صدرت مذكرة توقيف بحقه سواء الآن أو بعد فقدانه الحصانة في فبراير 2027، فإن إدراج اسمه على قائمة النشرة الحمراء (طلب يقدَّم إلى أجهزة إنفاذ القانون في أرجاء العالم لتحديد مكان شخص واعتقاله مؤقتاً في انتظار تسليمه أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل)، يصطدم بالمادة 3 من قانون الإنتربول، التي تحظر قطعياً التدخل في القضايا ذات الطابع السياسي. وبما أن فلافيو بولسونارو خاض الانتخابات الرئاسية قبل أيام فقط، فإن فريقه القانوني سيمتلك حجة قوية لتصنيف الملاحقة باعتبارها استهدافاً سياسياً لزعيم معارض.
سيكون طلب تسليم فلافيو من الولايات المتحدة غاية في الصعوبة رغم وجود معاهدة ثنائية لتسليم المجرمين
كما سيكون طلب تسليمه من الولايات المتحدة أمراً غاية في الصعوبة رغم وجود معاهدة ثنائية موقعة بين البلدين عام 1961 لتسليم المجرمين، تعتمد نظام القائمة المغلقة للجرائم الموجبة للتسليم (جرائم محددة في المعاهدة فقط)، ولا تتضمن جريمتي غسل الأموال أو تهريب العملة. والأهم من ذلك أن قرار التسليم في الولايات المتحدة ذو طبيعة مزدوجة، قضائية ثم سياسية، فحتى لو صادق قاض فيدرالي أميركي على مذكرة التسليم، ستظل الكلمة النهائية بيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وإدارة ترامب، استناداً إلى قاعدة الاستثناء السياسي. وهنا توجد سابقتان، الأولى للمدون آلان دوس سانتوس (فر إلى الولايات المتحدة عام 2020)، والنائب والمدير السابق للمخابرات ألكسندر راماجيم المحكوم عليه بالسجن 16 عاماً في قضية الانقلاب على لولا عام 2022 والذي فر عبر غويانا في سبتمبر/ أيلول 2025.
حسابات الربح والخسارة
أحدث هروب فلافيو نارو زلزالاً سياسياً خلط الأوراق في قصر بلانالتو الرئاسي في برازيليا ومعسكر اليمين، لولا دا سيلفا وحكومته استفادا من هروب بولسونارو بنزع فتيل الشارع وإجهاض أي محاولة لتكرار سيناريو التشكيك الانتخابي أو العصيان على غرار ما جرى في الثامن من يناير/ كانون الثاني 2023. والأمر الأهم هو التحرر من ابتزاز عائلة بولسونارو وإضعاف قبضتها على قرارات الأحزاب اليمينية والوسط في الكونغرس لصالح لولا. كما رسخ الهروب سردية الجبن وتخلي آل بولسونارو عن أنصارهم ووالدهم المسجون. لكن من جهة أخرى، قد يحمل الأمر في طياته استنزافاً دبلوماسياً لبرازيليا مع واشنطن، وتحول فلوريدا - حيث تقيم عائلة بولسونارو - إلى منصة معارضة خارجية مدعومة من ترامب ضد برازيليا. أما بالنسبة للقضاء، فإن هروب فلافيو يمثل إحراجاً أمنيا للشرطة الفيدرالية التي فشلت في منعه من عبور الحدود البرية رغم مراقبته. وتبقى على المحك مسألة كيفية تفاعل الأطراف كافة مع إدارة الأزمة والتي ستظهر ملامحها خلال الأيام المقبلة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗