في وداع الشاعر السعودي محمد العلي:الحداثة لا تقوم إلا بنقد المسلّمات
برحيل الشاعر والناقد السعودي محمد العلي، عن عمرٍ ناهز أربعة وتسعين عاماً، تحضر تجربة متعددة المسارات في الشعر والكتابة الصحافية ومناقشة الأفكار من خلال عدد من المؤلفات التي انشغلت بسؤال حول تطور المجتمع، وما الذي ينبغي أن يطرأ في طريقة تفكير أفراده حتى يصبح التغيير ممكناً؟
جعلت الصحافة أفكاره حاضرة في النقاش العام على امتداد عقود، إذ كتَب زاويته "كلمات مائية" في صحيفة اليوم و"وقوفاً بها" في مجلة اليمامة السعوديتين، ولم يحصرها في الشأن الأدبي أو الفلسفي، فامتد بحثه إلى الألعاب الشعبية والأسهم والضحك وكرة القدم، وتناول ظواهر يومية، ينتقل من التفاصيل المألوفة إلى ما تكشفه من عادات وأحكام وتصورات اجتماعية، ويختبر الأفكار في سياق الحياة بدلاً من الاكتفاء بمناقشتها في إطار نظري. هذا الانتظام في الكتابة منحه موقعاً مهماً في المشهد الثقافي السعودي.
حداثة القصيدة السعودية
ارتبط اسم محمد العلي بتطور الحداثة الشعرية في السعودية. حيث اختار شعر التفعيلة، وكتب قصائد تقوم على كثافة الصورة وإيحاء اللغة، ومن بينها "العيد والخليج" و"لا ماء في الماء" و"آهٍ متى أتغزّل". ورأى النقاد في نصوصه محطة مهمة في تطور القصيدة السعودية خلال سبعينيات القرن الماضي، لكن شعره لم ينفصل عن اهتماماته الفكرية، فالصورة عنده تفتح باباً للتأمل، والمعنى لا يُقدّم دائماً في صيغة مباشرة. وهذا ما يجعل الانتقال بين قصيدته ومقالته أمراً ممكناً، رغم اختلاف أدوات التعبير بينهما: في الحالتين يحضر السؤال، وتبقى اللغة وسيلة لاكتشاف المعنى ومراجعته.
جعلت الصحافة أفكاره حاضرة في النقاش العام على امتداد عقود
وفي قصيدته الشهيرة "لا ماء في الماء" كتب يقول: "أعدو قروناً على السيف/ أسأل كل الشموس التي اختبأت فيه/ كل الحرارات/ كل الرياح، المرايا، المراكب/ سرت إلى أين/ يا زرقة علمتنا الأناشيد؟!".
لكن العلي لم ينشر شعراً كثيراً قياساً بما راكمه من كتابات نقدية وفكرية، كما أشار الكاتب أحمد بوقري الذي يرجعه إلى أسباب عدة منها الزهد في الأضواء، والتردد في تقدير أهمية ما كتب، والسأم، ومحدودية المناخ الثقافي القادر على استقبال التجارب ومناقشتها. كما طرح أيضاً احتمال أن العلي مال إلى إبقاء الأسئلة مفتوحة وهو ما أسهم في تفضيله الحوار المستمر على إصدار المؤلفات.
صدر ديوانه "لا ماء في الماء" عام 2009، وظل من أبرز المراجع إلى تجربته الشعرية. وفي عام 2015، احتفت جمعية الثقافة والفنون بالدمام بتجربته عبر إطلاق اسمه على الدورة الأولى من مهرجان "بيت الشعر". وفي عام 2022 نال جائزة عبد الله الفيصل العالمية للشعر العربي، تقديراً لمسيرته وإسهامه في الشعر العربي.
القدرة على التفكير والاختيار
محمد العلي المولود في بلدة العمران بالأحساء عام 1932، تلقى تعليمه الأولي فيها ثم انتقل إلى النجف في العراق لمتابعة دراسته الدينية، قبل أن يكمل دراسته في كلية الفقه بجامعة بغداد، التي تخرج فيها عام 1962. وبعد عودته إلى المنطقة الشرقية في السعودية عمل معلماً في ثانوية الدمام عام 1965، ثم انتقل إلى إدارة التعليم، حيث أمضى نحو عقدين في الميدان التربوي. كما تولى رئاسة تحرير صحيفة اليوم لمدة عامين، فخبر العمل الصحافي من داخل المؤسسة، إلى جانب تجربته الطويلة كاتباً ينشر مقالاته بانتظام.
اهتم بتغير المفاهيم والعلاقة المعرفة بالسلطة التي تكرسها
أتاحت له هذه المسارات معرفة بيئته ومتابعة التحولات الاجتماعية في المنطقة الشرقية، ثم كتب عنها في الصحافة. ولذلك لم تبق أسئلته الفكرية بعيدة عن حياة الناس، حيث كان يبحث عن أثر الأفكار في سلوكهم، وعن دور الموروث في تشكيل أحكامهم، وعن قدرة المجتمع على مراجعة ما استقر فيه من تصورات.
وفي دراسته "محمد العلي على طريق الحداثة وداخل خنادقها"، المنشورة في مجلة الفيصل عام 2016، قرأ الشاعر الراحل علي الدميني مسار العلي باعتباره انتقالاً من العقل التقليدي إلى العقل النقدي، ومن التسليم بالموروث إلى مساءلته. ويربط هذا التحول بتطلعه إلى التقدم الإنساني، وإلى حياة تتسع للحرية والعدالة والكرامة.
وتساعد هذه القراءة على فهم حداثة العلي من خلال مشروعه الفكري، إلى جانب تجديده الشعري. فقد اهتم بتبدل المفاهيم، وبالعلاقة بين المعرفة والسلطات التي تكرّسها، ورأى أن الأفكار تحتاج إلى الفحص والمراجعة، مهما طال استقرارها في الوعي العام. وكان يسأل عما بقي في الموروث من عناصر قادرة على إغناء الحاضر، وما تحوّل منه إلى عائق أمام تطور المجتمع.
تظهر هذه النزعة في كتاباته. فقد اتسع اهتمامه للآراء المتعارضة، وترك للقارئ مجالاً لمتابعة الحجة ومناقشتها، بدلاً من تقديم الأحكام في صورة نهائية. ويشير الدميني إلى حضور الشك المعرفي والحوار في مقالات العلي ومحاضراته، وإلى ميله إلى عرض وجهات النظر قبل تحديد موقفه منها.
تعمق أكثر
ولم تكن الحرية عنده مطلباً سياسياً مجرداً. فقد ربطها بشروط حياة الإنسان، من التحرر من الفقر والجهل والمرض إلى امتلاك القدرة على التفكير والاختيار. وهنا يلتقي اهتمامه بالمعرفة بانشغاله الاجتماعي؛ فتغيير الأفكار جزء من تغيير الظروف التي يعيش فيها الناس، ومراجعة المفاهيم خطوة نحو فهم أوسع لما يمكن أن يكون عليه المجتمع.
وفي كتابه "نمو المفاهيم: تساؤلات وآراء في الوجود والقيم" (نادي الرياض الأدبي، الرياض/ المركز الثقافي العربي، بيروت 2013)، تناول أسئلة الوجود والقيم والتراث والتاريخ والثقافة والوطن، وعلاقة المثقف بالأيديولوجيا. وكذلك يأتي "البئر المستحيلة" (نادي الرياض الأدبي والمركز الثقافي العربي، 2013) ضمن كتاباته التي تناقش التصورات الراسخة في المجتمع والثقافة.
أما "حلقات أولمبية" (نادي تبوك ودار مدارك، السعودية، 2013)، فيتناول قضايا التنوير والحداثة، بينما يضم "هموم الضوء" (دار طوى، الرياض، 2011) مقالات نشرها في صحيفة اليوم بين عامي 1978 و2000، أعدها للنشر أحمد العلي. وصدر "درس البحر" (دار طوى، 2012) ضمن الكتب التي تتيح قراءة جانب من كتاباته وتأملاته. ويحمل كتاب "كلمات مائية" (مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2008)، اسم زاويته الصحافية، ويضم جانباً من مقالاته. ومن مجموعات مقالاته أيضاً كتاب "لا أحد في البيت" (دار مسعى للنشر والتوزيع، كندا، 2015). كما صدرت كتب تناولت تجربته وجمعت شهادات وقراءات نقدية فيها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗