كيف جعل لولا جيوب الفقراء محركاً للاقتصاد البرازيلي؟
"إذا تمكّن كل برازيلي في نهاية عهدي من تناول الفطور والغداء والعشاء كل يوم، فسأكون قد أنجزت مهمتي في الحياة". بهذه الكلمات، لخص الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا جانباً رئيسياً من مشروعه السياسي والاقتصادي، لدى توليه الرئاسة للمرة الأولى في الأول من يناير/كانون الثاني 2003. وقام هذا التوجه على توظيف سياسات مكافحة الفقر، لتعزيز القدرة الشرائية للأسر وتنشيط الطلب المحلي، من خلال التحويلات الاجتماعية، وزيادة الحد الأدنى للأجور، بما يوسع قاعدة المستهلكين في أكبر اقتصادات أميركا اللاتينية. وبعد فوزه بولاية رابعة، عاد النقاش حول حصيلة النموذج الذي ربط بين تحسين الدخول والاستهلاك الشعبي والنمو الاقتصادي، ومدى قدرته على الاستمرار في ظل ضغوط المالية العامة، وتحديات الاستثمار والإنتاج.
إرث التفاوت والتضخم
تولى لولا الحكم في بلد يعاني تفاوتاً واسعاً في توزيع الدخل والثروة، رغم التقدم الذي أحرزه في احتواء التضخم. فقد أسهم سلفه، الرئيس فرناندو إنريكي كاردوسو، الذي حكم بين عامي 1995 و2002، في تطبيق "خطة الريال" التي أُطلقت عام 1994، لكبح التضخم المفرط، بعدما تجاوز 2000% سنوياً مطلع التسعينيات. لكن استقرار الأسعار لم ينهِ تحديات الفقر والبطالة، وظل الاقتصاد يواجه أسعار فائدة مرتفعة، ونمواً بطيئاً، وضغوطاً على سوق العمل. وبلغ معامل جيني لقياس تفاوت الدخل نحو 0.59 عام 2001، بحسب البيانات الرسمية، فيما قدّرت مؤسسة جيتوليو فارغاس نسبة من يعيشون تحت خط البؤس بنحو 27% من السكان عام 2003.
وفي الأشهر التي سبقت وصول لولا إلى الحكم، اضطربت الأسواق، وفقد الريال نحو ثلث قيمته خلال عام 2002، وارتفعت علاوة مخاطر الدين السيادي إلى نحو 2400 نقطة أساس. ورد لولا برسالة تعهد فيها باحترام العقود والالتزامات المالية، وعيّن المصرفي هنريكي ميريليس، الرئيس السابق لبنك بوسطن العالمي، على رأس البنك المركزي. كما رفعت حكومته هدف الفائض الأولي إلى 4.25% من الناتج المحلي الإجمالي، لطمأنة الدائنين والأسواق، بالتوازي مع إطلاق برامج مكافحة الجوع وتوسيع الحماية الاجتماعية.
من الإغاثة إلى دعم الدخل
بدأ لولا في يناير 2003 ببرنامج "صفر جوع"، ثم دمج في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه أربعة برامج متفرقة في برنامج "بولسا فاميليا"، أو "منحة العائلة". ويقدم البرنامج تحويلات نقدية للأسر، ترتبط بانتظام الأطفال في المدارس، وتلقي اللقاحات، والمتابعة الصحية للحوامل، وتُصرف المنحة في الغالب باسم الأم. واعتمد على السجل الموحد الذي أُنشئ عام 2001 في عهد كاردوسو، ثم جرى توسيعه. وبلغ عدد الأسر المستفيدة 11.1 مليون أسرة بنهاية عام 2006، ونحو 13 مليوناً في نهاية ولاية لولا الثانية، بكلفة تقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وإلى جانب التحويلات، ارتفع الحد الأدنى للأجور بنحو 54% بالقيمة الحقيقية بين عامي 2003 و2010، أي بعد احتساب التضخم. وانعكست زياداته على دخول العاملين بأجر أدنى ومستفيدين من معاشات وإعانات مرتبطة به.
ومنذ عام 2007، اتفقت الحكومة والنقابات على صيغة لزيادته تراعي التضخم، ونمو الناتج المحلي قبل عامين، ثم أعيد إقرار هذه الآلية في عام 2023 بعد انقطاع. وشملت السياسات الاجتماعية برنامج "النور للجميع"، الذي أُطلق عام 2003، ووصلت خدماته بحلول عام 2011 إلى نحو 14 مليون شخص في أكثر من 2.8 مليون منزل، بحسب نشرة لوزارة المناجم والطاقة البرازيلية. كما شملت برنامج "بروني" للمنح الجامعية عام 2004، وبرنامج "بيتي حياتي" للإسكان عام 2009، لتتسع مجالات الدعم إلى التعليم والسكن والبنية الأساسية، إلى جانب تحسين دخل الأسر.
الولاية الثالثة وتسوية الديون
مع عودة لولا إلى الرئاسة عام 2023، أعادت حكومته إطلاق برنامج "منحة العائلة"، وضمنت استمرار الحد الأدنى البالغ 600 ريال للأسرة، الذي كان معمولاً به في برنامج الدعم السابق خلال النصف الثاني من عام 2022. وأضافت علاوة قدرها 150 ريالاً لكل طفل دون السابعة، و50 ريالاً للحوامل والأطفال والمراهقين من سن السابعة حتى ما قبل الثامنة عشرة، ضمن الفئات المشمولة بالبرنامج. وأطلقت الحكومة في يوليو/تموز 2023 برنامج "ديسينرولا" لإعادة التفاوض على الديون. وبحسب وزارة المالية، استفاد منه نحو 15 مليون شخص، وجرى التفاوض على ما يقارب 53 مليار ريال من ديونهم قبل انتهاء البرنامج في مايو/أيار 2024. وأُطلقت نسخة جديدة في مايو 2026، بموجب إجراء تشريعي صدر في الرابع من الشهر نفسه.
وفي عام 2024، بدأ برنامج "بيه دي ميا"، الذي يقدم حوافز ادخارية لطلاب المرحلة الثانوية من الأسر الفقيرة، للحد من التسرب المدرسي. كما أعاد لولا إطلاق برنامج "بولسا فيردي"، أو "المنحة الخضراء"، الذي أُنشئ عام 2011 لدعم الأسر التي تحافظ على الغابات. وأعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة في عام 2025 خروج البرازيل من خريطة الجوع. وتظهر بيانات المعهد البرازيلي للجغرافيا والإحصاء انخفاض نسبة الفقر من 27.3% عام 2023 إلى 23.1% عام 2024، وتراجع الفقر المدقع من 4.4% إلى 3.5%، وهما أدنى مستويين في السلسلة التي تبدأ عام 2012.
وبحسب النتائج المنشورة في الثالث من ديسمبر/كانون الأول 2025، ساهمت التحويلات الاجتماعية وتحسن سوق العمل في هذا الانخفاض، مع اختلاف وزن كل منهما بحسب مستوى دخل الأسر. وأظهرت محاكاة حسابية للمعهد أن استبعاد دخل البرامج الاجتماعية الحكومية كان سيرفع نسبة الفقر المدقع في عام 2024 إلى 10%، مقابل المستوى المسجل البالغ 3.5%.
حدود التجربة
لم تخل التجربة من تحديات تتعلق باستدامة التمويل وقدرة زيادة الاستهلاك على دفع الاستثمار والإنتاج. فقد تزامنت ولايتا لولا الأولى والثانية مع طفرة في أسعار السلع الأولية، مدفوعة بالطلب الصيني، ما وفّر موارد داعمة للنشاط الاقتصادي والإنفاق العام. وبعد انحسار الطفرة، دخلت البرازيل ركوداً حاداً في عامي 2015 و2016، خلال رئاسة ديلما روسيف. وترافق ذلك مع مشكلات داخلية في السياسات الاقتصادية والاستثمار، فيما تراجعت حصة الصناعة التحويلية، ومُوّل جانب من الاستهلاك بالقروض مرتفعة الفائدة.
وظلت الخدمات العامة تواجه فجوات واسعة، فبحسب معهد "تراتا برازيل"، يفتقر نحو 90 مليون برازيلي إلى خدمات الصرف الصحي، وأكثر من 30 مليوناً إلى المياه المعالجة. كما تشير دراسات اعتمدت على بيانات الضرائب، بينها أبحاث لباحثين في معهد البحوث الاقتصادية التطبيقية، إلى استمرار ارتفاع حصة أغنى 1% من الدخل واستقرارها نسبياً خلال الفترات التي تناولتها، رغم تحسن مؤشرات أخرى لتوزيع الدخل.
وبرزت مخاوف بشأن المراهنات الإلكترونية، إذ أظهرت مذكرة فنية للبنك المركزي البرازيلي أن نحو خمسة ملايين مستفيد من برنامج "منحة العائلة" حولوا في أغسطس/آب 2024 قرابة ثلاثة مليارات ريال إلى منصات المراهنات عبر نظام "بيكس" للدفع الفوري، بحسب وكالة الأنباء البرازيلية في 24 سبتمبر/أيلول 2024. وتقتصر هذه البيانات على الأموال المحولة عبر النظام، دون احتساب الجوائز المستلمة أو وسائل الدفع الأخرى. كما أن رصد التحويلات من حسابات المستفيدين لا يثبت أن مصدرها كله الإعانات الاجتماعية. ويضاف إلى ذلك اتساع العمل غير الرسمي، بما يحد من استفادة شريحة واسعة من العاملين من الحماية المرتبطة بالتوظيف الرسمي والضمان الاجتماعي.
اختبار الولاية الجديدة
تبدأ ولاية لولا الرابعة في الخامس من يناير/كانون الثاني 2027، وسط مخاوف تتعلق بالمالية العامة وتباطؤ النمو. وتواجه الحكومة مهمة الحفاظ على التحويلات الاجتماعية، بالتوازي مع ضبط الإنفاق، وتوفير الموارد اللازمة للاستثمار في التعليم والصناعة والبنية التحتية. ويتمثل التحدي في ربط تحسين القدرة الشرائية للأسر بتوسيع فرص العمل وزيادة الإنتاجية. فالتحويلات الاجتماعية ورفع الأجور يدعمان الاستهلاك، بينما يتطلب استمرار نمو الدخول استثمارات طويلة الأجل، وتحسيناً للخدمات، وقدرة أكبر على توفير وظائف مستقرة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗