السلطات الفرنسية أمام استحقاقين رئيسيين والطلاب يواصلون حراكهم
السلطات الفرنسية أمام استحقاقين رئيسيين والطلاب يواصلون حراكهم والتخوف من مواجهات في الشارع بين مجموعات يمينية ويسارية متطرفة على هامش المظاهرات
آخر تحديث:
إن تطور الأمور في فرنسا إلى درجة دفعت منظمة العفو الدولية إلى إصدار بيان، الاثنين، يدعو الحكومة للتخلي عن مشروع قانون تتم مناقشته في الوقت الحاضر في البرلمان، باعتباره ينتهك التزامات فرنسا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ولأنه يحد من الحق في التظاهر في دولة ديمقراطية؛ يعد مؤشراً على خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد.
عمليات شغب في باريس يوم 17 أكتوبر ومحاولة لإقامة حاجز لمنع الشرطة من ملاحقة المتظاهرين (أ.ف.ب)
وجاء ذلك بالتزامن مع ما أعلنه الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة الزيارة التي قام بها إلى مدينة مرسيليا، من أن «السبت القادم لا يزال يوماً محفوفاً بالمخاطر»، داعياً إلى «تعزيز الأمن ومنع تكرار أعمال العنف التي شهدتها مظاهرات السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول)، ومؤكداً أن إعلان حالة الطوارئ ليس أمراً ممنوعاً أو محرماً»، بحيث ترك الباب مفتوحاً أمام هذا الإجراء. وصلة الوصل بين هذين الأمرين تتمثل في المخاوف التي ما زالت تتملك السلطات الفرنسية من خروج الوضع الأمني عن السيطرة كما حصل في «السبت الأسود».
ما سبق يبين بوضوح أن السلطات مستعدة لاتخاذ جميع الإجراءات، بما فيها تلك التي تطرح تساؤلات حول مدى انسجامها مع القانون الدولي الإنساني، وفق ما تحذر منه منظمة العفو الدولية. ذلك أن مشروع القانون في البرلمان ينسف مبدأ «المسؤولية الفردية» عن الأعمال المرتكبة.
رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو في مجلس النواب يوم الثلاثاء خلال جلسة مساءلة للحكومة (أ.ف.ب)
فمشروع القانون المقدم تحت مسمى «من يحطم يدفع الثمن» يهدف إلى تحميل كل شخص ينتمي إلى مجموعة ما ارتكبت أعمال تخريب مسؤولية تضامنية عن الأضرار، قد تصل غرامتها إلى 10 آلاف يورو. وبكلام آخر، إذا أقدم أحدهم على تحطيم واجهة محل وارتكاب أعمال نهب وسرقة، فإن المسؤولية تقع على أعضاء المجموعة كافة التي ينتمي إليها.
ولاستيفاء الغرامة، تستطيع السلطات الاقتطاع من كل المساعدات الفردية أو العائلية المقدمة من الدولة إلى الأشخاص المعنيين. ويراد لمشروع القانون أن يكون رادعاً من زاوية أنه يُحمّل أي متظاهر مسؤولية مدنية من غير إثبات مشاركته أو مسؤوليته في ارتكاب أعمال جرمية؛ الأمر الذي من شأنه ردع الراغبين في التظاهر عن النزول إلى الشارع.
وتؤكد المنظمة أن القانون الدولي لا يجيز تحميل المتظاهرين المسؤولية إلا عن أفعالهم الشخصية، استناداً إلى أدلة، وليس عن أفعال الآخرين. وفيما اليمين الفرنسي بجناحيه، وبعض الوسط، يدعم المشروع المذكور، فإن اليسار البرلماني يعارضه. وسيقر القانون بسهولة في مجلس الشيوخ، إلا أنه سيواجه بمعارضة يسارية في مجلس النواب.
يحل هذا المشروع فيما البلاد تواجه مجموعة استحقاقات؛ أولها تبعات الجريمة «الإرهابية العنصرية» التي ارتكبت في مدينتي «تراب» و«فيريار» يوم الجمعة الماضي، وقام بها مواطن فرنسي «كيفين ت»، حيث أطلق النار من بندقية رشاشة على أشخاص في شوارع المدينتين الواقعتين على مدخل باريس الغربي وذنبهم أنهم إما من السود أو من المغاربيين.
ومنذ الساعات الأولى التي تلت عملية الجاني وجهت أصابع الاتهام إلى اليمين المتطرف وكل من يساهم ويغذي بكلامه وتصريحاته أجواء الكره والعنصرية.
وقال رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو، في كلمة له أمام النواب الثلاثاء، إن «هناك أشخاصاً يروجون لخطاب وكلمات يكون من نتائجها دفع آخرين لاستخدام السلاح»؛ في إشارة إلى اليمين المتطرف الذي لم يسمه.
وفي الوقفات الاستنكارية التي حصلت في أكثر من مدينة الأحد والاثنين، طالت الاتهامات الوسائل الإعلامية التي يمتلكها رجل الأعمال فانسان بولوريه وحزب «التجمع الوطني»، الذي تتزعمه مرشحته للرئاسة مارين لوبن، وشخصيات مثل اليميني المتطرف أريك زمور، مؤسس حزب «الاستعادة»، ووزير الداخلية السابق برونو روتايو، وأريك سيوتي النائب وعمدة مدينة نيس المتوسطية والداعم للوبن.
الرئيس إيمانويل ماكرون محاطاً بضباط من الشرطة خلال الزيارة التي قام بها في 26 أكتوبر لمدينة مرسيليا (أ.ف.ب)
وبعد حصول اعتداءات جسدية على متظاهرين في 14 مدينة منها روان ونيس ومونبوليه ونانسي وبايون... وجهت اتهامات لمجموعات يمينية متطرفة بارتكاب أعمال العنف. واتهمت ماتيلد بانو، رئيسة مجموعة النواب لحزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد قوات الأمن بالتفرج على المعتدين والامتناع عن حماية ضحاياهم؛ الأمر الذي نفاه بقوة وزير الداخلية لوران نونيز، مؤكداً، الاثنين، أنه «بالطبع الشرطة لم توفر لهم الحماية ولم يتعاونوا في أي وقت من الأوقات مع عناصرها أو مع عناصر الدرك».
وكتب مانويل بومبارد، منسق الحزب المذكور على منصة «إكس» أنه تم حظر جميع المظاهرات في مدينة نيس، «باستثناء الفاشيين الذين تمكنوا من التجول في المدينة مسلحين بالسكاكين والقضبان الحديدية ومهاجمة المارة». وذكر مكتب المدعي العام في نيس أنه تم اعتقال 11 شخصاً على صلة باليمين المتطرف للاشتباه في ارتكابهم جرائم عنف من بينهم قاصر سيمثل أمام محكمة الأحداث.
«السترات الصفراء»: «الفصل الثالث» من التعبئة
إزاء تسارع الأحداث التي تنذر بالكثير من المخاطر، لم تتردد بعض الأصوات في التحذير من «حرب أهلية» يمكن أن تعيشها فرنسا في حال الوصول إلى مواجهات بين المجموعات المتطرفة من اليسار واليمين على هامش المظاهرات والتجمعات. والحال أن ثمة استحقاقين رئيسيين في الأيام القليلة القادمة: الأول سيكون يومي الجمعة والسبت القادمين 30 و31 الجاري، حيث دعت «تنسيقية السترات الصفراء» إلى «الفصل الثالث» من التعبئة «دفاعاً عن حرياتنا».
وفي اليوم الأول، تحض التنسيقية على التجمع أمام مبنى البرلمان وأمام مكاتب النواب من أجل حفلة «قرع على الطناجر» في كل الأقاليم الفرنسية. وفي اليوم التالي، تدعو التنسيقية إلى قيام مظاهرات واسعة. والأهم من ذلك أنها تهدد بالنزول إلى الشوارع «أسبوعاً وراء أسبوع»؛ الأمر الذي اعتبره ماكرون «غير مفهوم».
وإضافة إلى المطالب التقليدية «الغلاء وأسعار المحروقات والقدرة الشرائية...»؛ فإن نزولهم يرمي أيضاً إلى الدفاع عن الحريات العامة، مثل التظاهر ورفع إجراءات منع التجول أو وسط العديد من المدن ليلاً والمطالبة بتحقيقات في لجوء القوى الأمنية إلى العنف. وتأمل «السترات الصفراء» أن ينضم إليها الطلاب «ثانويين وجامعيين» والنقابات من كل نوع، وكل القطاعات الاجتماعية.
غير أن الأهم ما سيحصل يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث دعت النقابات مجتمعة، ليس إلى التظاهر فقط، بل إلى المظاهرات، مع إعلان الإضراب العام.
واللافت أن البيان الخاص بالحراك صدر بإجماع شبه تام من جميع النقابات العمالية في القطاعين العام والخاص. وتندد النقابات بغلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية وتطالب بـ«فتح محادثات مباشرة مع الحكومة من أجل زيادة الرواتب وللمساواة بين الرجال والنساء وزيادة المعاشات التقاعدية والارتقاء بالحد الأدنى من الرواتب والارتقاء بالخدمات الاجتماعية وتعزيز الخدمات العامة وإقرار تدابير للعدالة الضريبية من خلال فرض ضرائب أعلى على الشركات والثروات الكبرى وتناقل الميراث».
وزير التربية إدوار جيفري خلال مؤتمره الصحافي مساء الاثنين 26 أكتوبر للإعلان عن الإجراءات التي تقترحها الحكومة على طلاب التعليمين الثانوي والجامعي (أ.ف.ب)
واستعجل ممثلو الطلاب الجامعيين والثانويين في الإعلان عن انضمامهم إلى الحراك المذكور رغم تجاوب الحكومة مع عدد من مطالبهم. فبعد لقائهم رئيس الحكومة، للمرة الأولى، كشف وزيرا التربية والتعليم العالي إدوار جيفري وفيليب باتيست عن حزمة من الإجراءات التي تستجيب جزئياً للمطالب وأهمها للجامعيين، إدخال «تغيير جوهري» بحلول عام 2027، على المنصة الوطنية الرقمية للقبول الجامعي تمهيداً لاستبدالها في عام 2028.
وتتولى هذه المنصة، المُسماة «باركورسوب»، معالجة طلبات الالتحاق بالجامعات وبقية برامج التعليم العالي. كذلك وعد وزير التعليم العالي بإيجاد 15 ألف مقعد تعليمي إضافي للتعليم المهني والتقني ورفع قيمة المنح الطلابية. كذلك، تقترح الحكومة توفير ما يقارب الخمسة مليارات يورو لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والجامعات، والعمل على منع الاكتظاظ في الصفوف وتوفي الأساتذة البدلاء. وبشكل عام تحسين الظروف التعليمية. بيد أن هذه الإجراءات التي تريدها الدولة باباً لإطفاء حراك الطلاب، اعتبرت أنها «غير كافية» و«لا تستجيب لمتطلباتهم»، وبالتالي فإن حراكهم متواصل.
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
