الجسور التاريخية في بلاد الرافدين.. حملة لإنقاذ “القنطرة العثمانية” في الأنبار من السيول
شفقنا العراق- تحظى الجسور التاريخية في العراق بأهمية تراثية ومعمارية استثنائية، حيث بدأت الكوادر المختصة صيانة جسر “وادي حجلان” المعمارية والمعروف بـ”القنطرة العثمانية” في محافظة الأنبار، لحمايته من مخاطر السيول…
آخر تحديث:
شفقنا العراق- تحظى الجسور التاريخية في العراق بأهمية تراثية ومعمارية استثنائية، حيث بدأت الكوادر المختصة صيانة جسر “وادي حجلان” المعمارية والمعروف بـ”القنطرة العثمانية” في محافظة الأنبار، لحمايته من مخاطر السيول المتكررة وتصدع أساساته الحجرية، وسط مطالبات بتحويله إلى معلم سياحي وثقافي مستدام.
القيمة التاريخية والمعمارية لجسر وادي حجلان
يقف جسر وادي حجلان، المعروف محلياً باسم “القنطرة العثمانية”، شاهداً على تاريخ التنقل بين ناحية الحقلانية وقضاء حديثة قبل انتشار الطرق المعبّدة والجسور الحديثة.
ومع تجدد السيول والأضرار التي لحقت ببنيته الحجرية، بدأت أعمال إصلاحه مع اقتراب موسم الأمطار، فيما تتواصل الدعوات إلى توثيقه والحفاظ عليه بوصفه أحد معالم غرب الأنبار التاريخية.
ويقول المتخصص في الشأن التاريخي محمد الحديثي: إن الجسر يقع فوق وادي حجلان في ناحية الحقلانية، وإن تاريخ بنائه يعود إلى أواخر العهد العثماني، وإنه شيّد في أواخر القرن التاسع عشر بين عامي 1890 و1895.
ويضيف الحديثي أن “الجسر يمثل جزءاً من الذاكرة التاريخية والعمرانية لغرب الأنبار، لما ارتبط به من حركة التنقل بين مناطق المحافظة، فضلاً عن قيمته المعمارية بوصفه نموذجاً للجسور الحجرية التي أنشئت قبل انتشار تقنيات البناء الحديثة”.
ويبين أن الجسر أنشئ لتسهيل عبور الأشخاص والقوافل والعربات بين الحقلانية وحديثة، ولا سيما خلال الفترات التي كانت فيها المياه تعيق اجتياز الوادي.
مضيفاً أن هناك قصصاً يتداولها الأجداد تفيد بأن القوات البريطانية استخدمته خلال تقدمها نحو حديثة عام 1917، إبان الحرب العالمية الأولى.
وأما عن طريقة بناء الجسر، فيوضح محمد أن “الجسر حجري تقليدي، استخدمت فيه الحجارة والجص، ويعتمد على نظام الأقواس الذي يوزع الأحمال على الدعامات، بما يسمح بإنشاء معبر ثابت فوق مجرى الوادي”.
مستطرداً أن الجسر يضم 11 قوساً أو فضاءً، تتراوح المسافات بينها بين ثلاثة وسبعة أمتار تقريباً.
مخاطر السيول ومبادرات الصيانة الإنشائية
ويشير الحديثي إلى أن الجسر أدرج ضمن المواقع الأثرية بموجب البيان رقم 5، استناداً إلى قانون الآثار رقم 59 لسنة 1936، موضحاً أن الجسر “تعرّض لأضرار ناجمة عن الفيضان السنوي المتكرر، ما يجعل السيول تحدياً مستمراً أمام الحفاظ عليه”.
وعن المبادرات من سكان حديثة والحقلانية، يقول الحديثي إن الجسر شهد مبادرات محلية للعناية به.
ففي عام 2023، نفذت حملة تطوعية تضمنت أعمالاً تجميلية شملت طلاء السياج وتركيب الإنارة وتوفير مقاعد للجلوس، بموافقة الجهات المختصة بالتراث.
غير أن هذه الأعمال لا تغني عن الصيانة الإنشائية المتخصصة، التي تتطلب فحص الأساسات والدعامات والأقواس، وتحديد الأجزاء المتضررة ومعالجتها وفق ضوابط الحفاظ على المباني الأثرية.
ويضيف أن الجهات الآثارية والمختصين في الأنبار دعوا إلى صيانة الجسر قبل موسم الأمطار، نتيجة تصدع أجزاء منه وتضرر بعض مكوناته بفعل السيول، إلى جانب صعوبات مرتبطة بتوفير التخصيصات المالية اللازمة لأعمال الصيانة.
ويشرح أن المياه من أبرز التحديات التي تواجه الجسور الحجرية القديمة؛ إذ يمكن أن يؤدي جريان السيول إلى نحر التربة المحيطة بالأساسات، وإزالة مواد الردم، وإضعاف الدعامات، وتسرب المياه وتأثيرها في المواد الرابطة بين الحجارة.
موضحاً أن “الحفاظ على الجسر لا يتطلب معالجة التشققات الظاهرة فحسب، بل يجب أن يكون هناك تقييم هندسي شامل لسلامة البناء، ووضع خطة تحد من تأثير المياه المتكررة”.
التنسيق الحكومي واستثمار الموقع سياحياً
في السياق، يقول مدير متحف الأنبار الحضاري، عمار علي: إنه تجري المباشرة بأعمال إصلاح الأضرار التي لحقت بالجسر جراء السيول التي شهدتها المحافظة العام الماضي، ولا سيما الأضرار التي أصابت قواعده، بهدف حمايته من أضرار جديدة مع اقتراب موسم الأمطار.
وقال علي إن الأضرار في قواعد الجسر كانت بليغة، ما استدعى تحرك الكوادر المختصة لمعالجتها بصورة عاجلة وتداركها قبل هطول الأمطار وتجدد السيول، تفادياً لتفاقم الأضرار التي قد تطال الجسر.
إلى ذلك، يقول الناشط محمد الفهد: إن “جسر وادي حجلان يحتاج إلى خطة صيانة دورية ودائمة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة لا تعالج الأضرار بصورة جذرية”.
مشيراً إلى أن تكرار السيول يستدعي متابعة حالته الإنشائية باستمرار، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية أساساته وأقواسه الحجرية من التآكل والتصدع.
ويضيف أن “الجسر يمتلك أهمية سياحية إلى جانب قيمته التاريخية”، مستطرداً أن موقع الجسر فوق وادي حجلان، وقربه من عيون حجلان الكبريتية، يجعله جزءاً من منطقة تمتلك مقومات طبيعية وتاريخية يمكن استثمارها في تنشيط السياحة.
ويوضح أن “استثمار الموقع يتطلب وضع خطة متكاملة لتطوير السياحة الثقافية والطبيعية، تشمل تهيئة محيط الجسر، وتوفير الخدمات الأساسية، ووضع لوحات تعريفية بتاريخه، والترويج للمنطقة بوصفها وجهة سياحية في غرب الأنبار، مع ضمان حماية المعلم الأثري والحفاظ على طابعه التاريخي”.
ويشير إلى أن “الاهتمام بالجسر ينبغي ألا يقتصر على معالجة الأضرار بعد وقوعها، بل يتطلب تخصيص موارد للصيانة المستمرة، والتنسيق بين الجهات الآثارية والسياحية والجهات المعنية بإدارة المياه، بما يضمن حمايته من السيول”.
المصدر: وكالة شفقنا
