السلاح المنفلت في سورية... حين يصبح الموت بالرصاص خبراً عادياً
في مخيّمات دير حسان شمال إدلب وتحديداً في مخيّم الهبيط، حيث ما زالت العائلات تفترش الأرض وتنام تحت خيام سقفها من القماش المشمع، لا يحتاج الأمر إلى اشتباك ليُقتَل طفل، رصاصة واحدة أطلقت في الهواء من اتجاه مجهول تكفي لتخترق جداراً قماشياً رقيقاً، وتمرّ عبر فراغ ضيق لتخترق رأس طفل لم يتجاوز عمره ستة أشهر وتستقر في رقبته.
لم تكن ليلة 24 سبتمبر/ أيلول الماضي مختلفة عن سواها في المخيم، أصوات الأطفال وضجيج المولدات القديمة ثم جاء صوت الرصاص. تقول آلاء الحسين جارة أهل الطفل الضحية قيس خالد فواز الحسيان: "سمعنا إطلاق نار قريب، لم نعرف من أين جاء، فجأة سمعنا صراخاً من خيمة الطفل، خرجت أمه وهي تحمل طفلها ورأسه ينزف، كان الدم يغطي وجهه الصغير". وتصف الجارة المشهد لـ"سورية الجديدة": "كانت الأم تصرخ (ابني مات... مات) حاولنا تهدئتها، وإسعاف الطفل بأي شيء، لكن الرصاصة كانت قد دخلت رأسه واستقرت في عنقه، لم يكن هناك شيء نفعله سوى الانتظار حتى وصلت سيارة الإسعاف".
نقل الطفل إلى أقرب مشفى، لكن حالته كانت حرجة للغاية، الرصاصة اخترقت الجمجمة، أدخل إلى غرفة العمليات لكن الأطباء قالوا إن الأضرار بالغة، بقي في العناية المركزة ساعات ثم فارق الحياة".
تؤكد جارة الطفل أن العائلة كانت قد نزحت إلى المخيّم: "هرباً من القصف في ريف إدلب الجنوبي، ولم تتمكن من العودة بعد تحرير البلاد نتيجة تهدم منزلهم، جاؤوا إلى هنا ليحموا أطفالهم، لكنهم لم يتخيلوا أن الرصاص سيطاردهم ويقتل طفلهم حتى في الخيمة". وتشير إلى أن المخيم يضم آلاف العائلات والخيام المتلاصقة، ولا توجد أي حواجز توقف الرصاص الذي لا يفرق بين طفل وشيخ، كلنا هنا في خطر، كل ليلة نسمع طلقات، ولا أحد يعرف من يطلقها أو لماذا".
لو لم يكن السلاح في البيت، لما وصل الأمر إلى هذا الحد... لم يكن في الحسبان، ولا أحد كان يتخيل أن تنتهي مشاكل زوجية بكل هذا الدم
لا تزال أغراض الطفل الصغير موجودة في خيمة العائلة: زجاجة الحليب، بطانية صغيرة، لعبة بلاستيكية. لكن الأم لم تعد تخرج من الخيمة، ترفض الحديث، ترفض رؤية أحد، فقدت طفلها الوحيد بعد سنوات من الانتظار من دون حتى أن تعلم من هو قاتله الذي نجا بفعلته من دون رادع، ولا أحد يعلم كم طفلاً آخر سيموت قبل أن يضبط السلاح المنفلت.
ليست هذه الحادثة الأولى، فالمأساة تتكرّر والمطالبة بالعدالة تبقى معلقة، إذ لم تصدر أي جهة رسمية في المنطقة بياناً حول ملابسات الحادثة، ولم يعتقل أي مسؤول عن إطلاق النار. ففي ريف حلب الشمالي حيث بدأ يعود للحياة نبضها التجاري ببطء، يقف هشام العوض (صيدلاني خمسيني) خلف واجهة صيدليته الزجاجية، يمسح بمنشفة بيضاء رفوف الأدوية المرتبة بعناية، لم يكن يعلم أن رصاصة "طائشة" من مشاجرة عائلية على بعد أمتار قليلة ستخترق جسده وتضعه نهاية يومه في قسم العناية المركزة. لم تكن صيدلية هشام ذاك المساء من شهر يوليو/ تموز الماضي، سوى فصل جديد من فصول السلاح المنفلت الذي يلتهم نسيج المجتمع السوري.
في سورية ما بعد الحرب، تحول الخلاف على موقف سيارة أو ثمن بضاعة أو خلاف بين أفراد العائلة إلى معركة بالرصاص في غضون دقائق. ففي بلدة الدير الشرقي بريف معرة النعمان شمال غرب سورية، لم يكن يوم 28 يناير/ كانون الثاني الماضي (2026) عادياً، رجل أطلق النار على أفراد عائلته فقتل خمسة أشخاص بينهم زوجته وابنه، وأصاب أربعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. الخلاف الذي بدأ كـ"مشكلات زوجية" انتهى بمجزرة، وسجل فصلاً جديداً من فصول العنف الذي تلتهم فيه الخلافات الشخصية أرواحاً لا ذنب لها.
"لو لم يكن السلاح في البيت، لما وصل الأمر إلى هذا الحد". يقول أبو محمد، وهو قريب الجاني، مضيفاً إن ما حدث "لم يكن في الحسبان، ولا أحد كان يتخيل أن تنتهي مشاكل زوجية بكل هذا الدم". ويتابع لـ"سورية الجديدة": "نحن كعائلة نعرف أن بينه وبين زوجته خلافات، كل البيوت فيها خلافات، لكن في لحظة غضب وجد السلاح أمامه، لو لم يكن السلاح في البيت، لو لم يكن في متناول يده، كان الأمر سينتهي بصراخ، برمي كلام، ربما بطلاق لكن ليس بجنازة".
ويؤكد أبو محمد أن "المشكلة ليست في الخلاف نفسه، المشكلة في أن أي شخص اليوم في سورية يستطيع أن يحصل على سلاح، في كل بيت تقريباً هناك بندقية أو مسدس، الناس تحتفظ بالسلاح للدفاع عن النفس، لكن في لحظة الغضب يتحول السلاح من حماية إلى قاتل". ويصف حالة الجاني قبل الحادثة أنه كان رجلاً عادياً يعمل ويصرف على بيته، لم يكن مجرماً، ولم يكن لديه سجل، لكنه كان سريع الغضب وكل من يعرفه يعرف ذلك، في الماضي، كان يصرخ يكسر شيئاً، ثم يهدأ، لكن مع السلاح لم يعد هناك وقت للهدوء. الرصاصة تسبق الندم"، ويوضح: "أنا لا أبرر ما فعله، ما فعله لا يغتفر، لكنني أريد أن أقول: احذروا السلاح في البيت فهو ليس أماناً، أحياناً يكون الشيطان نفسه في ساعات الغضب، لا يفكر الإنسان حين يمد يده، ويضغط الزناد، ثم يقضي بقية عمره يندم على ثانية واحدة، نحن فقدنا خمسة من عائلتنا في ثانية واحدة، لا أحد يستطيع أن يعيدهم".
ابني أخطأ، وأنا أخطأت أكثر عندما تركت السلاح في متناول يديه في البيت، لم أكن أتخيل أن لحظة غضب طائشة ستحول حياة شاب إلى كرسي متحرك، وحياة ابني إلى قضية
ليست هذه الجريمة معزولة عن سياق أوسع، ففي أقل من أسبوع قبل عام، شهدت سورية جريمتَين عائليتَين مروعتَين، الأولى في الدير الشرقي بريف معرة النعمان، والثانية في قرية بتيا بريف إدلب الغربي، حيث قتل رب أسرة زوجته وثلاثة من أطفاله ثم انتحر. وفي أحد مخيّمات دير حسان توفيت طفلة جراء إصابتها في طلق ناري طائش خلال إطلاق النار العشوائي خلال قدوم الحجاج بريف إدلب الشمالي في يونيو/ حزيران 2025، وفي أكتوبر/ تشرين الأول الحالي جرى تسجيل حادثة مأساوية لوفاة طفل إثر إصابته برصاصة طائشة استقرت في رأسه وقعت الحادثة في حماة، ما أعاد تسليط الضوء مجدداً على المخاطر الكبيرة لظاهرة إطلاق النار العشوائي وانتشار السلاح بين المدنيين في مختلف المناطق السورية وما تشكله من تهديد مباشر لحياة الأطفال والسكان وسط غياب أي جهة قادرة على ضبط السلاح أو ملاحقة مطلقي النار.
لا تتوقف المأساة عند حدود العائلات المتنازعة. في بلدة كفرناها غرب حلب، أصاب "رصاص عشوائي" خلال مشاجرة بين عائلتَين، حافلة تقل طلاباً من معهد لتحفيظ القرآن في رحلة ترفيهية، النتيجة كانت قتيلان وستة جرحى في أغسطس/ آب الماضي.
وفي قرية صغيرة بريف إدلب، لا يزال بسام الحمدان (45 عاماً) يحمل في جيبه فاتورة طبية لا تنتهي، بعد أن حول مسدس كان يظنه "للحماية" حياة عائلته إلى سجن مفتوح. يروي لـ"سورية الجديدة" أن ابنه "الطائش" البالغ 19 عاماً، دخل في عراك كلامي مع شبان من الحي على خلفية خلاف على أولوية المرور في سوق شعبي مزدحم أواخر تموز/ يونيو الماضي، وتطور الأمر إلى تراشق بالشتائم واللكمات، قبل أن يعود الابن إلى البيت غاضباً، ويخرج مسدس والده من الدرج ويعود إلى مكان المشاجرة ليطلق النار عشوائياً، فأصابت رصاصة شاباً عشرينياً اخترقت ساقه وأتلفت عصباً رئيسياً.
يقول الأب: "ابني أخطأ، وأنا أخطأت أكثر عندما تركت السلاح في متناول يديه في البيت، لم أكن أتخيل أن لحظة غضب طائشة ستحول حياة شاب إلى كرسي متحرك، وحياة ابني إلى قضية وحياتنا كلها إلى دين لا نستطيع سداده"، ويضيف أن العائلة ألزمت قانوناً بدفع تعويضات ونفقات علاجية وتركيب أطراف صناعية وجلسات تأهيل، ويتابع: "بعنا قطعة أرض صغيرة وما زلنا ندفع، الرصاصة لم تقتل أحداً لكنها قتلت مستقبل اثنين، شاب فقد ساقه، وابني يقبع خلف القضبان ينتظر حكماً قد يمتد سنوات". ويوجه تحذيراً إلى كل من يقتني سلاح في منزله: "السلاح الذي يترك في البيت لا يحمي، بل ينتظر اللحظة الخطأ، ابني لم يكن مجرماً كان مراهقاً غاضباً، والمسدس منح غضبه قدرة لا يجب أن يملكها إنسان".
وعلى الجانب القانوني، تعيش سورية فراغاً تشريعياً خطيراً، فقانون الأسلحة والذخائر السوري يعود إلى 1957، نصوصه تنظم حمل وحيازة الأسلحة بتراخيص من وزير الداخلية أو المحافظين، لكنها وضعت لعالم مختلف تماماً، حيث تغيب عن القانون السوري الأحكام الخاصة بتجريم أو تنظيم حيازة الأسلحة، ولا توجد تعليمات أمنية لمصادرة الأسلحة أو توقيف حامليها، المهام تقتصر على المصادرة حال استخدامها أو إشهارها فقط .
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 263 مدنياً، بينهم 20 طفلاً و21 سيدة، جراء حوادث إطلاق رصاص من جهات لم تتمكن الشبكة من تحديدها
ويرى الباحث في القانون الجنائي الدولي والمدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن انتشار السلاح المنفلت يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية والحقوقية في سورية خلال المرحلة الانتقالية، وتتجلى خطورته في إطلاق النار العشوائي ولا سيما خلال المناسبات، والاستخدام غير الآمن للأسلحة، وحملها وتداولها خارج الضوابط القانونية، واللجوء إليها في النزاعات الشخصية والمحلية، وهذه الممارسات تهدد الحق في الحياة والسلامة الجسدية، وتضعف شعور المواطنين بالأمان وثقتهم بالمؤسسات المسؤولة عن حمايتهم. وقال لـ"سورية الجديدة" أنهم في الشبكة السورية لحقوق الإنسان يحرصون على التمييز بين ضحايا الحوادث الناجمة عن العبث بالأسلحة، وضحايا إطلاق النار العشوائي، والقتلى برصاص مجهول المصدر، لأن هذه التصنيفات لا تعبر بالضرورة عن الظاهرة نفسها، والخلط بينها قد يؤدي إلى تقديرات غير دقيقة لحجمها وطبيعتها. ولفت أنه من الضروري إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد ملابسات كل حادثة، وهوية المسؤولين عنها، وطبيعة استخدام السلاح، بدلاً من افتراض أن جميع الوفيات الناجمة عن إطلاق النار تعود إلى السلاح المنفلت. وأشار إلى أنه لا يمكن تفسير استمرار هذه الظاهرة بالسلوك الفردي وحده، فقد خلفت سنوات النزاع انتشاراً واسعاً للأسلحة والذخائر، وتعدداً في الجهات الحائزة لها، بالتزامن مع ضعف الرقابة وصعوبات إعادة بناء مؤسسات الأمن وإنفاذ القانون. وقد أسهمت هذه العوامل في توفير بيئة تسمح بتكرار الحوادث، لكنها لا تعفي مرتكبيها من المسؤولية القانونية، ولا تغني عن التحقيق في كل واقعة بصورة مستقلة.
وجاء عبد الغني على خطوات اتخذتها السلطات لضبط حمل الأسلحة واستخدامه، بما في ذلك حملات مكافحة إطلاق النار في المناسبات وفرض قيود على حمل السلاح في الأماكن العامة. ويراها إجراءات إيجابية، لكنها تظل محدودة الأثر ما لم تتحول إلى سياسة وطنية متكاملة تستند إلى قواعد قانونية واضحة وتطبق بصورة عادلة على الجميع. ويوضح أن الأولوية العاجلة تتمثل في منع إطلاق النار العشوائي، وضبط حمل الأسلحة في الأماكن العامة، وتوفير آليات آمنة للإبلاغ عن المخالفات، وإجراء تحقيقات فعالة في حوادث القتل والإصابة، ومحاسبة المسؤولين عنها من دون تمييز، بمن فيهم عناصر المؤسسات العسكرية والأمنية. وعلى المدى الأطول، ينبغي مراجعة الإطار القانوني الناظم لحيازة الأسلحة وحملها، وتطوير آليات الترخيص والتسجيل والرقابة على تداولها، وتأمين مخازن الأسلحة والذخائر الرسمية ومنع تسربها، ووضع برامج مدروسة لجمع الأسلحة غير المشروعة، بالتوازي مع إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية وتعزيز التوعية المجتمعية.
وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 263 مدنياً، بينهم 20 طفلاً و21 سيدة، جراء حوادث إطلاق رصاص من جهات لم تتمكن الشبكة من تحديدها، منذ بداية عام 2026 وحتى أكتوبر/ تشرين الأول الحالي.
وقال مدير مديرية أمن المنطقة الشمالية حسين عبد الحكيم الحسين لـ"سورية الجديدة" إنه في حال وقوع إطلاق نار عشوائي، يتوجه القسم الشرطي فوراً إلى مكان الحادث للقبض على مطلق النار وعرضه على النيابة العامة، وفي حال كان إطلاق النار من شخص مجهول، تتم متابعة الحادثة وجمع المعلومات من الشهود والمبلغين للتعرّف على الجاني، ليقوم القسم الشرطي بعد ذلك بتوقيفه وحجز السلاح المستخدم وإحالته إلى النيابة. وأكد الحسين أن العقوبات عند القضاء وعادة ما تتضمن العقوبات القضائية المقررة في مثل هذه الحالات مصادرة السلاح، وفرض غرامة مالية، وعقوبة السجن. داعياً جميع المواطنين الالتزام بالقوانين والتعليمات وتجنّب أي ممارسات من شأنها تعريض حياة الآخرين للخطر.
في مخيم الهبيط، حيث لا تفصل بين خيمة وأخرى سوى ستائر قماشية رقيقة، ما زالت أم قيس تفتح عينيها كل صباح على السرير الصغير الذي بات فارغاً وتعيد المشهد ذاته، الدم على وجه طفلها وصراخها الذي لم يسمعه أحد. أما من أطلق الرصاصة فيمارس حياته كأن شيئاً لم يكن، يمر بين الخيام ذاتها ويشتري خبزه من الفرن ذاته الذي تشتري منه عائلة الطفل الفقيد. لا تحقيق، لا اعتقال، ولا حتى اعتذار، فقط رصاصة مجهولة وطفل تحت التراب وأم تنتظر عدالة لن تأتي، وقتيل اسمه قيس، وقاتل ما زالت يداه تحملان دم طفل لم يتجاوز الأشهر الستة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗