معرض جماعة بغداد في الدوحة.. ما تبقّى من الأب
يخرج الزائر من المعرض بسؤال: ما الذي فعلته جماعة سمّت نفسها مطلع خمسينيات القرن الماضي "جماعة بغداد للفن الحديث"؟ يطرحه معجباً أمام رسمَي جواد سليم التخطيطيين لـ"نُصب السجين السياسي المجهول" (1952) عند المدخل، ويطرحه قلقاً أمام هيف كهرمان ومئذنتها السامرائية المعلّقة المقلوبة (2010) تتساقط منها أوراق اللعب عند الخروج.
في معرض "ما تبقّى في ذاكرة الفنان: تجارب جماعة بغداد للفن الحديث وإرثها العريق"، الذي افتتحه "متحف: المتحف العربي للفن الحديث" في الدوحة مساء السبت تبدو كلمة "العريق" مقبولة بارتياح لدى وصف جماعة عمرها قرابة 75 عاماً. والمعرض يسوّغ ذلك، فالجماعة التي ذهبت إلى الواسطي وسومر لتستلهمهما صارت هي نفسها إرثاً يُستلهَم، علامة في الفن العربي الحديث تعود إليها الأجيال اللاحقة، فتؤكد اسمها كلما خرجت منها أو حتى خرجت عنها.
ويقوم المعرض الحالي المستمر حتى السادس من فبراير/شباط 2027 على تاريخ. قدّمت القيّمة ندى شبّوط، أستاذة تاريخ الفن، بحثها عن الجماعة أولاً في معرض "شتى التجارب: إرث جماعة بغداد للفن الحديث" في متحف هيسل بكلية بارد في نيويورك صيف 2025، ثم في رواق الفن بجامعة نيويورك أبو ظبي، حيث لا يزال المعرض مفتوحاً حتى مطلع 2027. يظهر معرض الدوحة أكثر تعمقاً في الجماعة نفسها، حيث معظم الأعمال في 17 قسماً من المعرض من مقتنيات المتحف.
تعرف شبّوط مجموعة الأعمال هذه منذ عام 2007، وتقول إن المعرض يجمع أعمالاً "غير موجودة في العراق، ولم تُرَ هناك"، ويمتد من الخمسينيات، "العهد الذهبي" للجماعة، إلى ما بعد 2003 وما رافقه من ضياع، كما قالت لنا قبيل بدء الجولة.
والضياع موضوع شبّوط قبل أن يكون موضوع المعرض. بعد زيارتها بغداد في يونيو/حزيران 2003، إثر نهب متحف الفن الحديث، بدأت بناء "أرشيف الفن العراقي الحديث"، محاولةً أن تجمع صورة افتراضية لما كان في المتحف، وضمّ الأرشيف بعد سنوات من البحث نحو 460 عملاً و230 وثيقة. وهي أيضاً الرئيسة المؤسِّسة لـ"رابطة الفن الحديث والمعاصر من العالم العربي وإيران وتركيا". من هذه التجربة يأتي منهج المعرض، فهو يضع الأعمال إلى جانب الرسوم الأولية والصور والوثائق، ويتعامل مع الثغرات في السجل التاريخي باعتبار ذلك جزءاً من التاريخ ذاته.
يضم 17 قسماً توثّق إرث الجماعة وفقدان أعمال بعد 2003
في ذلك الزمن الذهبي فعلت الجماعة ما أعلنته. جاء في بيانها التأسيسي عام 1951، الذي يُرجَّح أن شاكر حسن آل سعيد كتبه وألقاه: "ولسوف نصل بذلك السلسلة التي انقطعت منذ سقوط بغداد على أيدي المغول"، والمقصود مدرسة يحيى الواسطي في القرن الثالث عشر. سمّى المؤسسان، آل سعيد وجواد سليم، مشروعهما "استلهام التراث"، ولم يبقَ الاسم شعاراً. في القاعة غلاف كتاب آل سعيد "الخصائص الفنية والاجتماعية في رسوم الواسطي" (1964)، الذي قرأ فيه رسوم مقامات الحريري، المنجزة في بغداد عام 1237، فرأى فناناً التقط تفاوت منازل الناس في مجتمعه وابتكر لذلك جمالياته. وامتد التراث عنده إلى الحكاية الشعبية، فرسم عام 1955 بالحبر سلسلة "ألف ليلة وليلة"، وفي إحدى أوراقها كائن بقرنين وقبضة هائلة يجثم على الصفحة، وقد تقطّع جسده إلى أشكال تشبه اللوز والعيون.
وتبلغ الفكرة ذروتها في لوحة سليم "ألعاب الأطفال" (1953). على قماش بألوان ترابية ووردية باهتة تتوزّع الوجوه على خانات يحمل كلاً منها هلال، وبين الأطفال طائرة ورقية صفراء ومعيّنات صغيرة كأحجار لعبة. يردّ آل سعيد أشكال اللوحة إلى الزخرفة الإسلامية وأهلّتها، ويرى في عيون الأطفال "عيون السومريين". وفي المعرض نفسه لوحة حافظ الدروبي "نساء في مقهى" من ستينيات القرن الماضي، وهو الذي قاد "جماعة الانطباعيين" منذ 1953: نساء مسترخيات حول نرجيلة أمام جدار من الطابوق، وقد تكسّر المشهد كله في سطوح لونية على الطريقة التكعيبية.
وتوزّع الاستلهام على أيدي الأعضاء. أخذ محمد غني حكمت، تلميذ سليم، الأقواس المشطوفة التي تميّزت بها سامراء العباسية وحملها إلى منحوتاته، وكان شغوفاً بالخطّين المسماري والعربي، وقد قدم المعرض لنا أول ملصق صممه حكمت للمعرض الأول وهو عبارة عن اسم للجماعة من حروف عربية سوداء متراكبة.
وذهب فرج عبو إلى غرفة في بيت بغدادي. في "الماشطة" (1964) ترفع امرأة بثوب أحمر داكن مرآة صغيرة إلى جانب وجهها، والماشطة خلفها تمسك شعرها الأسود، والوجهان بعينين واسعتين على طريقة سليم. وبهذا تتعقّد التهمة التي وُجّهت إلى الجماعة في بداياتها، بحسب نصوص المعرض، حين عدّها نقّادها حركة نخبوية تقدّم "فناً من أجل الفن" لمجتمع يحتاج إلى "فن من أجل الناس". ثم نزلت الجماعة إلى الساحة. يرجع الناس بغالبيتهم بعد انتهاء جولتهم إلى الماكيت البرونزي الصغير الذي استقبلهم عند المدخل، "نصب السجين السياسي المجهول" (1952)، قضبان خشنة يلتفّ عليها هلال كبير وتتقاطع في وسطها أسلاك مشدودة كأنها شبكة. وإلى جواره رسمان تخطيطيان.
من خمسينيات القرن الماضي إلى تجارب فنية معاصرة
بعد سبع سنوات صمّم سليم النحت البارز في "نصب الحرية"، الذي كلّفت أمانة بغداد بإنشائه عام 1959 تخليداً لثورة 14 تموز. ومات سليم فجأة عام 1961. هنا يبلغ إعجاب الزائر ذروته، ومن هنا يبدأ قلقه. يختم نص الجدار بأن النصب صمد "أمام تغيّر الأنظمة وتعاقب الحكّام، حتى في عهد صدام حسين الذي استمرّ حكمه حتى عام 2003". يحفظ النص للحجر صموده، ويترك سؤالاً عن الفكرة: ماذا حلّ بـ"استلهام التراث" بعدما صار التراث، من سومر إلى بابل، خطاباً رسمياً للدولة؟
والمؤسس الثاني كان قد سلك طريقه قبل ذلك. انصرف آل سعيد في الستينيات إلى التصوّف والفلسفة الوجودية، وانتقل بين 1958 و1965 من التشخيص إلى التجريد، حتى "حلّ مفهوم استلهام الحرف محلّ استلهام التراث في فلسفته الفنية"، كما يقول نص الجدار، ثم أسس عام 1971 جماعة "البعد الواحد".
وفي السنوات نفسها خرجت من المشهد البغدادي جماعات ترمي أسئلتها الخاصة. أسس ضياء العزاوي مع رفاقه "جماعة الرؤية الجديدة" عام 1969، وأصدروا في أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام بيان "نحو رؤية جديدة". وبعد عشرين عاماً على بيانه، كان العزاوي بين من شاركوا في معرض "تحية إلى جواد سليم" الذي أقامه غاليري الكوفة في لندن عام 1989، إلى جانب لورنا سليم ومحمد غني حكمت وإسماعيل فتاح الترك وناظم رمزي. وكتب كاظم حيدر عام 1971 "بيان الأكاديميين"، مؤكداً أن الأكاديمية مؤسسة ثقافية لا تستطيع أوروبا ادعاء ملكيتها. وعليه فقد ذهب جواد سليم إلى الواسطي ليخرج من أوروبا، وأخذ حيدر أدوات أوروبا ونزع عنها جنسيتها.
ورث جيل الثمانينيات عن معلمه آل سعيد "تدمير السطح التصويري" و"تجزئة الفضاء". في صورة من عام 1997 يقف آل سعيد مع طلبته في بغداد، بينهم هناء مال الله وغسّان غائب، يحضّرون معرضاً عن "المحيط والبيئة في الفن العراقي".
نضج هذا الجيل بين حربين وثلاثة عشر عاماً من العقوبات، والسنوات ظاهرة على سطوحه: في "لوح" (1993) لكريم ريسان مئات المربعات، في كل منها قطعة قماش أو ورق محروقة أو ملتوية.
ومن جيل أقدم وقّع إسماعيل فتاح منسوجته الكبيرة بوجوهها الثمانية "بغداد 1998". وفي الحصار نفسه، عام 1995، أمكن أيضاً استعارة الاسم من جديد، فقد أسّس علي جبار ومحمود العبيدي وكريم ريسان والنحات هيثم حسن جماعة حملت اسم "جماعة بغداد"، بعد عشرين عاماً على آخر معارض الجماعة الأصلية.
ويحمل المعرض أثر ما جرى على جدرانه. ملصق حكمت معروض نسخةً بإذن من ابنته، وعلى ورقه المصفرّ بقع ماء، وصورة افتتاح المعرض الأول مستعارة من مجموعة خاصة تتوزّع بين بغداد وعمّان، و"مسجد الكوفة" لطارق مظلوم، أحد الأعضاء الأساسيين، حاضر نسخةً من أرشيف شبّوط نفسه. ويقرّ قسم "أعضاء الجماعة" بأن المعرض تعذّر عليه تقديم عمل لكل فنان، فعوّض بمواد أرشيفية تكشف غياب ما فُقد في التدمير والنهب اللذين أعقبا الاحتلال الأميركي عام 2003.
يستحضر صادق كويش الفراجي الفقد عبر ملابس والده وصوره الشخصية
ويجد عنوان المعرض صيغته الحرفية في عمل صادق كويش الفراجي، المولود في بغداد عام 1960، "البيت الذي بناه أبي فيما مضى" (2010)، وهو عمل على جدار أبيض يتحرك عليه فيديو بالأسود: رجل عملاق ينحني ويضع يده على جبينه، يطلّ على لوحة من خانات فيها وجوه بلا ملامح. يجمع العمل دائماً مشاهدين مختلفين ويعرف كيف يصيب المشترك بين قلوبهم.
وعلى جدار آخر في العمل نفسه ثياب الأب الحقيقية معلّقة، دشداشة وسترة، والكوفية والعقال فوق المشجب، وفوقها صورتا الأب والأم. كتب الفراجي في هولندا أنه دخل غرفة أبيه "بعد غربة سنين طويلة"، فكانت الملابس أول ما وقعت عليه عيناه، ثم سأل: "هذا إذن ما تبقّى من أبي!". يخطفنا إذاً سؤال الابن بالأسود والأبيض، السؤال الذي لا جواب له وما بينه وعنوان المعرض "ما تبقّى في ذاكرة الفنان" المسافة الأقصر بين نقطتين والأشد وعورة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗