27 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
🔗 /si/36598

الاعتراف بالألم

هل الألم هو ما نشعر به ونعاني نحن منه فقط؟ ماذا بشأن موقفنا حيال مآسي الآخرين؟ هل يمكن الانحياز لمأساة دون مأساة؟ وهل يمكن ردّ التمييز بينهما إلى أن فرص ظهور كلّ منهما على الشاشات ليست متساوية، أو أن نكون أو لا نكون على علم بها؟ وكأن الآلام ليست آلاماً إلا إذا رأيناها، وإلا لم يكن لها وجود. كما الضحايا ليسوا ضحايا إلا إذا كانوا على صلة ما بنا.

هناك مجازر تجد من ينقلها، وهناك مجازر تبقى محاصرة، وتُدفن في أرضها، وتبقى سرّاً لا يجري الإعلام عنها. ينجم عن الأولى ضحايا يُنظر إليهم بوصفهم بشراً يستحقون التعاطف، بينما الثانية، إذا جرى التطرّق إليها، تختزل الضحايا في هوية جهة مشكوك بها.

كيف نستطيع تفسير هذا التناقض؟ هل نسمح لأنفسنا بأن نشعر بألم بعض البشر دون بعضهم الآخر، وأحيانا إلى حدّ إنكاره؟ يستحسن الذهاب إلى ما تحت السطح، ومحاولة تفسير هذا التباين. قد يكون الاعتراف بألم إنسان ما مُكلفاً، لأنه يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية، أو يربك اطمئناننا إلى ما نعتقده، أو يكشف تناقضاً بين ما نعلنه من مبادئ وما نتعامى عنه، عندما يتعلق الأمر بمن نحبهم أو نكرههم، فلا يعود الإنسان المتألم مهمّاً بذاته، بل لما يمكن أن يؤديه الاستخفاف بمعاناته في خدمة قضية ما.

الأشدّ خطورة، أن يفقد الألم إنسانيته حين يصبح حجّة سياسية، أو يصبح الاعتراف بالضحية مشروطاً ببراءتها السياسية، وكأن الإنسان لا يستحق الرحمة إلا إذا كان ينتمي إلى الجانب الذي نؤيّده، مع أن الاعتراف بالألم لا يعني تبرئة صاحبه من المسؤولية، كما أن إدانة أفعاله لا تمنحنا الحقّ في إنكار ألمه، يمكننا أن نختلف مع إنسان، وأن نحاسبه، من دون أن ننزع عنه حقّه في أن يُرى بوصفه إنساناً.

أخطر ما في الأمر أن يفقد الألم إنسانيته حين يصبح حجّة سياسية

قد يعجز البعض عن الاعتراف لأنهم يخشون ما يترتب عليهم، بالتالي يكون إنكار المأساة أسهل؛ وأحياناً لا يكون الإنكار ناجماً عن الجهل، بل عن معرفة أن هناك جرائم وضحايا، إذا اعترفنا بها، فسنضطر إلى أن نطرح على أنفسنا أسئلة مزعجة: ماذا كان ينبغي أن نفعل؟ هل صمتُنا كان راحة لنا؟ هل يمكن أن نواصل حياتنا بصورة طبيعية، بعدما عرفنا ما حدث؟ ما يعني أن الاعتراف بات يطالبنا، ولو ضمناً، بأن ندين أنفسنا على تخلّينا عنهم. ليس كلّ إنسان قادراً على مواجهة هذه الأسئلة. وقد يلجأ إلى التبرير، أو التشكيك في روايات الضحايا، أو إلقاء المسؤولية عليهم، أو الإنكار كوسيلة لحماية الذات من الشعور بالذنب، وربما مباركة القتل، أو الصمت المطبق.

مع ذلك، علينا ألّا نحكم على كل صمت بالطريقة نفسها؛ فقد يكون الصمت عجزاً، أو خوفاً، أو لامبالاة، أو انعداماً للقدرة على التأثير. ليست كلّ حالات عدم الاستجابة دليلاً على انعدام الوازع الأخلاقي. هل يُمكن القول للآخر: إن اعترافي بألمك يعني الإقرار بأن ما تُعانيه حقيقي، وأن حياتك ليست أقلّ قيمة من حياتي، حتى إن لم يجمعنا وطنٌ أو طائفة، أو قضية؛ وأن ما حدث لك لا يفقد دلالته الإنسانية، حتى لو وجد العالم أسباباً كثيرة لتجاهله.

* روائي من سورية

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.