سورية وإسرائيل مجدّداً... أين الخلل؟
أن يقول السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى العراق وسورية، توم برّاك، "إنّ مصدرَ القلق الأساسي في الجنوب السوري ليس إسرائيل، بل شيخ درزي معيّن يستغل وهم الدعم الإسرائيلي وبعض التوافق مع الولايات المتحدة لاضطهاد دروز آخرين"، فهذا دليل آخر على التباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل حيال سورية. غير أنها تباينات بقيت على صعيد الخطاب السياسي، ولم تنتقل إلى مفاعيل على الأرض، إذ لم تكتفِ إسرائيل بمواصلة توغلاتها في الجنوب السوري المستمرّة منذ نحو عامَين فحسب، بل وسعت تحرّكاتها في الجنوب السوري على مستويَين: الأول، بناء مشروع جغرافي ـ أمني أطلق عليه اسم "سوفا 53" الذي يمتد من محيط حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب والحميدية، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي جنوباً، بطول يتجاوز السبعين كيلومتراً، ليشمل منطقة جبل الشيخ. ومع اكتمال هذا المشروع، تكون إسرائيل قد انتقلت من مرحلة المراقبة الأمنية إلى مرحلة السيطرة الكاملة، أي تغيير الجغرافيا الأمنية، ليصبح العمق الاستراتيجي الأمني لإسرائيل داخل الأراضي السورية. والثاني، مواصلة إسرائيل تقديم الدعم المالي والعسكري لـ"الحرس الوطني" الذي تتوافق رؤيته مع رؤية شيخ عقل الدروز حكمت الهجري، ففي أكتوبر/ تشرين الأول الجاري جرى توثيق دخول مروحيات إسرائيلية إلى السويداء، بالتزامن من توسيع "الحرس الوطني" من عناصره القتالية.
تطرح تصريحات برّاك، من جهة أولى، وتصريحات نتنياهو عن حمايته دروز السويداء عشية الانتخابات الإسرائيلية من جهة ثانية، ثم التوغلات والدعم الإسرائيلي للسويداء من جهة ثالثة، وأخيراً تخوّف حكومة دمشق من قيام "الحرس الوطني" بهجوم عسكري لاستعادة قرى المقرن الغربي، وفق ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست العبرية، نقلاً عن مسؤولين سوريين من جهة رابعة، أسئلة عن تزامنها تقريباً في وقت واحد.
هل يمكن أن تدفع إسرائيل قوات "الحرس الوطني" لشن هجمات عسكرية على قوات وزارة الدفاع السورية، للاستفادة منه انتخابياً؟ سؤال لا يمكن الجزم به، غير أن التحرّك العسكري لـ "الحرس الوطني" في السويداء لا يمكن اختزاله بمجرد تحريك انتخابي في إسرائيل، فالمسألة أعمق، إنها تعبّر عن مأزق استراتيجي للقائمين على حكم السويداء، فبقاء الوضع على ما هو عليه (حصار اجتماعي ـ اقتصادي) من السلطة السورية، يفيد الأخيرة ويضرّ بالسويداء على المستوى الاستراتيجي.
تقوم مقاربة السلطة في دمشق على أنّ استمرار الحصار سيدفع، ولو بعد حين، أهالي السويداء لرفض سياسة شيخ عقل الدروز حكمت الهجري و"الحرس الوطني"، ما يؤدي إلى انتفاضة شعبية أو انقسام اجتماعي، يدفع السويداء نحو دمشق.
وتبدو دمشق أكثر إصراراً على سياستها القائمة على الحصار الطويل، مع المظاهرات الشعبية في مدن سورية تندّد بالتوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية، وهي مظاهرات تحمل في مضامينها أيضاً تنديداً بتيار الهجري المتحالف مع إسرائيل.
لا تبدو هذه المقاربة ممكنة بالنسبة للسويداء، والحل الوحيد لكسر مقاربة دمشق هو القيام بعمليات عسكرية لقلب الموازين العسكرية في المحافظة، مستفيدين من التغطية الجوية العسكرية الإسرائيلية التي لا تسمح للجيش السوري أو أيّة قوى أخرى بالاقتراب من السويداء.
بعيداً عن أهداف إسرائيل في سورية، تبدو مقاربتا دمشق والهجري مأزومتَين، ليس على مستوى الفعل السياسي القائم على المصالح الخاصة لكل طرف، ولا على مستوى التكتيك العملي البراغماتي، وإنما أيضاً على مستوى بناء الدولة. ... بالنسبة لدمشق، يتعامل الرئيس أحمد الشرع مع ملف السويداء من منظور القوة فحسب، وكجزء من ملف إسرائيلي، فهو لم يُقدم مشروعاً سياسياً للدولة يكون محط إجماع من باقي شركاء الوطن، بل قدّم مفهوماً للسلطة يقوم بالأساس على السيطرة المباشرة لكل الجغرافيا السورية.
في المقابل، يقوم التيار المهيمن في السويداء على مبدأ الانفصال الوطني عن سورية، إلّا إذا قدّم الشرع تنازلات كاملة للسويداء، وهي تنازلاتٌ لا تقتصر على محاكمة المجرمين الذي ارتكبوا جريمة يوليو/ تموز 2025 وتعويض الضحايا وأهاليهم فحسب، بل يريد نوعاً من الاستقلال الذاتي للمحافظة.
ضمن منطق بناء الدولة، العدالة الإجرامية والتعويض ضروريان لجبر الضرر وتسكين النفوس. أما لجوء الهجري و"الحرس الوطني" لإسرائيل مسألة خطيرة، لا تهدّد السلطة الحاكمة في سورية، بل تهدّد الدولة والنسيج الاجتماعي الوطني في كامل البلد.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗