الجزائر تواجه أزمة الحبوب عبر الإنتاج المحلي وتنويع المورّدين
تعتمد الجزائر سياسة استباقية لتأمين احتياجاتها من الحبوب، تقوم على تنويع مصادر الاستيراد وتفادي الارتهان لمورد واحد، إلى جانب تنظيم مناقصات دولية دورية وإبرام صفقات شراء مسبقة والاحتفاظ بمخزونات استراتيجية لضمان استمرارية التموين. وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة في ظل تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار القمح بنحو 30 بالمئة، مع تسجيل الإنتاج المحلي للحبوب مستويات قياسية الصيف الماضي. وتظهر بيانات التجارة الدولية للجزائر لعام 2024 أن واردات القمح بنوعيه الصلب واللين، بلغت نحو 10.57 ملايين طن، بقيمة قاربت ثلاثة مليارات دولار.
خريطة الموردين
وتصدرت روسيا قائمة الموردين بقيمة تجاوزت 684 مليون دولار، وبكمية تقارب 2.58 مليون طن، حيث صعدت مبيعات موسكو بشكل لافت في السنوات الأخيرة، على حساب فرنسا بالتزامن مع أزمة دبلوماسية وسياسية غير مسبوقة بين الجزائر وباريس كان لها تبعات اقتصادية ايضا.
كما تستورد الجزائر القمح بنوعيه من دول أوروبية أخرى على غرار بلغاريا بنحو 470 مليون دولار و1.78 مليون طن. كما تعتبر كندا وأوكرانيا ضمن الموردين الرئيسيين للجزائر، وذلك وفق قاعدة بيانات التجارة الدولية التابعة للبنك الدولي.
وتختلف خريطة الموردين باختلاف نوع القمح، ففي النوع اللين، المستخدم أساساً في إنتاج الفرينة وهي طحين يستخدم في صناعة الخبز، تبرز روسيا وبلغاريا وفرنسا وأوكرانيا ورومانيا ضمن مصادر التوريد.
أما القمح الصلب، المستخدم في صناعة السميد والعجائن والكسكس، فتظهر كندا في مقدمة الموردين، إذ بلغت قيمة واردات الجزائر منها نحو 357 مليون دولار في 2024، وفق البنك الدولي، تليها المكسيك بنحو 201 مليون دولار، ثم تركيا والولايات المتحدة وأستراليا. وبلغت واردات القمح الصلب نحو 2.66 مليون طن بقيمة 905 ملايين دولار في العام 2024 وفق المصدر ذاته. ولا تقتصر واردات الجزائر على القمح بنوعيه الصلب واللين، بل تمتد إلى الصويا والذرة، هذه الأخيرة تمثل مكوناً أساسياً في تأمين احتياجات قطاع الأعلاف، ولا سيما تربية الدواجن.
إنتاج قياسي في 2026
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو" إلى أن موسم حصاد الصيف الماضي من الحبوب سجل إنتاجاً قياسياً هو الأعلى منذ 2019، إذ فاق 50 مليون قنطار، أي 5 ملايين طن، مقابل 3 ملايين طن فقط في موسم 2025 الذي وصف بـ "الهزيل"، في وقت لم تكثف فيه السلطات الجزائرية بعد عن الكميات التي تم حصادها. وتمر الجزائر بموجة جفاف مستمرة منذ أزيد من 6 سنوات، ما تسبب في تراجع مردودية الهكتار الواحد في ظل اعتماد أغلب الزراعات على التساقطات المطرية.
ووجهت الحكومة اهتمامها في السنوات الأخيرة الصوب الزراعة الصحراوية على مساحات شاسعة وخصوصاً الحبوب بالنظر لتوفر المياه الجوفية وارتفاع مردودية الهكتار الواحد التي بلغت في بعض المناطق على غرار ولاية وادي سوف 120 قنطاراً. كما أطلقت الجزائر شراكات دولية مع كل من قطر وإيطاليا وتركيا لإنتاج القمح على مساحات شاسعة في الصحراء، في إطار خطط لتحقيق الأمن الغذائي. وتشير توقعات منظمة "فاو" إلى أن الجزائر تحتاج خلال الموسم التسويقي 2026/ 2027 لنحو 14.5 مليون طن، منها 8.5 ملايين طن من القمح وخمسة ملايين طن من الذرة.
وتعتمد الجزائر في تأمين الحبوب على المناقصات التي يطرحها الديوان الجزائري المهني للحبوب الحكومي، بما يتيح شراء كميات كبيرة وفق احتياجات التموين ومواعيد التسليم.
وفي مناقصة أُغلقت في 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أفادت تقارير دولية، استناداً إلى تقديرات تجار أوروبيين، بأن الجزائر اشترت ما يقدر بنحو 600 ألف طن من القمح اللين، مع تقديرات أخرى رفعت الكمية إلى ما بين 660 ألفاً و720 ألف طن.
ارتفاع الأسعار
في هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي مراد كواشي أن بوادر أزمة غذاء عالمية قد لاحت في الأفق في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنحو 30 بالمئة، ولا سيما القمح خلال الأيام الأخيرة، مدفوعة بالتوترات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وهي عوامل مرشحة لمزيد من الضغط على الأسواق الدولية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح كواشي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الجزائر تتمتع بهامش من الأريحية لمواجهة هذه التطورات، مستندة إلى عاملين أساسيين، أولهما وضعها المالي ومستوى احتياطاتها من النقد الأجنبي التي وصفها بالمقبولة جداً، إلى جانب إمكانية تعزيزها بفعل ارتفاع أسعار النفط والغاز. وأشار في هذا السياق إلى بلوغ خام برنت 115 دولاراً للبرميل، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أكثر من خمسة أشهر، وفق المعطيات التي أوردها، الى جانب ارتفاع أسعار الغاز في السوق، وكلاهما مرشح للارتفاع في الفترة المقبلة.
أما العامل الثاني، فيتعلق بتحسن الإنتاج الفلاحي المحلي، خصوصاً في شعبة الحبوب، بعدما حققت الجزائر محصولاً استثنائياً خلال الموسم الماضي، ما قرّبها، حسب الخبير، من تحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي وتقليص اعتمادها على الأسواق الخارجية. وأضاف كواشي أن الاستثمارات الحكومية في إنشاء صوامع التخزين عبر مختلف مناطق البلاد عززت قدرات الجزائر على تخزين المحاصيل وتأمين التموين، بما يسمح بالتعامل بصورة أفضل مع تقلبات الأسواق الدولية.
وخلص الخبير إلى أن تضافر الهوامش المالية وتحسن الإنتاج المحلي وتوسيع قدرات التخزين من شأنه تخفيف الضغط على الخزينة العمومية، والحد من تداعيات أي تفاقم محتمل لأزمة الغذاء العالمية على الجزائر.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗