لولا يهزم بولسونارو وترامب... ويبدأ معركة على جبهات عدة
اختتمت المعركة الرئاسية في البرازيل بدورتها الثانية هذا العام أمس الإثنين بفوز الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رابعة (غير متتالية)، بعدما حقّق انتصاراً صعباً على منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، والذي كان تقدم على لولا في الدورة الأولى بفارق نقطتين مئويتين. ويترك فوز لولا من دون شكّ انعكاسات على الداخل البرازيلي، حيث يواجه الرئيس بولايته المقبلة يميناً متطرفاً يتنامى في البلاد ويكبر نفوذه في الكونغرس، وحيث سيكون على لولا تدوير الزوايا وبناء تحالفات مع اليمين الوسطي لتمرير مشاريعه لولايته المقبلة الممتدة على أربع سنوات، وإعادة تنظيم اليسار البرازيلي وحزب العمّال، وقراءة المتغيرات في الداخل البرازيلي، وتوجهات الناخبين.
لكن فوز لولا يجد صداه أيضاً خارجياً، خصوصاً أن هذا الانتصار يعدّ مزدوجاً، في وجه البولسونارية أولاً، والترامبية ثانياً، بعدما تبنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض أوائل عام 2021 سياسة تقوم على محاولة إخضاع أميركا اللاتينية للهيمنة الأميركية، ودعم التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة في أكثر من بلد فيها، خصوصاً تلك التي شهدت أخيراً انتخابات خسر فيها اليسار. ويريد لولا إثبات أن البرازيل ظلّت عصية على هذا التوجه، وهو ما أكده أول من أمس الأحد عقب فوزه، حيث قال إن بلاده "ليست فناء خلفياً لأحد، ولن تكون".
ويبقى أن معركة اليسار في البرازيل لم تنته باقتناص لولا فوزاً غالياً على بولسونارو، بل بدأت المعركة الحقيقية على جبهات عدة، داخلياً بإعادة ترتيب البيت البرازيلي كلّه، في إدارة الحكومة وحزب العمال، ومع البرلمان بغرفتيه الشيوخ والنواب ذواتي الحضور اليميني القوي، فضلاً إصلاح القضاء، وإعادة تأهيل الاقتصاد، وصياغة العلاقة مع الولايات المتحدة. ولعل أهم الجبهات أيضاً هي البحث عن خليفة للولا نفسه، داخل الحزب وعلى الصعيد الوطني، إذ إن الرئيس الفائز يبلغ اليوم الثلاثاء 81 عاماً، وسيكون في عمر الـ85 عندما ينهي ولايته الرابعة، علماً أنه ظلّ بالنسبة لأكثر من جيل وجهاً اختصر نضالاً لصالح العمّال والفقراء والفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، رغم ملفات الفساد التي لاحقته والحزب، وسجن بسببها.
وأكد لولا أول من أمس أنه لن يترشح مجدداً للرئاسة بعد انتهاء ولايته المقبلة، شاكراً أنصاره على دعمهم له. وقال متوجهاً لمؤيديه: "أنقذتم الديمقراطية البرازيلية، وفاز في الانتخابات الصدق والوطنية والديمقراطية. البرازيل ليست ولن تكون الفناء الخلفي لأحد". وأعرب عن شعوره بالفخر لكونه "الرئيس الوحيد في هذا البلد الذي انتخب ديمقراطياً أربع مرات دون أن يحمل شهادة جامعية".
وحصل لولا، وفق آخر النتائج أمس، على 51.77% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.23% لفلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو الذي يقضي عقوبة الحبس المنزلي بعد إدانته بمحاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2022. وكان فلافيو أعلن رفضه الاعتراف بنتائج الجولة الثانية الأحد، وعزمه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإلغاء الانتخابات.
قال لولا إنه لم يتصور أن يواجه منافساً "يمثل نهج المليشيات حقاً والكذب بوقاحة"
ووضع لولا فوزه في إطار انتصار الديمقراطية، خصوصاً أن الكتلة التي لم تصوّت في الدورة الأولى، وقدّرت بـ30 مليون ناخب، تحركت في الدورة الثانية، وهو ما عوّل عليه الرئيس اليساري لسدّ تقدم فلافيو وتخطيه. وكان أيضاً قد شاب الحملة الانتخابية هذا العام في البرازيل الكثير من ضخّ المعلومات الكاذبة عبر الإنترنت، والمعمولة أيضاً بالذكاء الاصطناعي، لصالح بولسونارو وعائلته، فيما استخدمت إدارة ترامب كل الوسائل الخشنة والناعمة، بفرض رسوم جمركية عالية على صادرات البرازيل إلى الولايات المتحدة، وعقوبات على القاضي في المحكمة الفيدرالية العليا ألكسندر دي موراييس بعدما حكم بإدانة بولسونارو الأب، بل هدّد ترامب كل قضاة المحكمة بفرض عقوبات عليهم في حال فوز لولا. كما برزت الحرب في فضاء الإعلام الاجتماعي بعدما تصاعدت الضغوط على شركة "ميتا" المالكة منصات فيسبوك وإنستغرام وواتساب في البرازيل، على خلفية اتهامات بالتدخل في الانتخابات الرئاسية وعدم المساواة في التعامل مع المرشحين، لصالح فلافيو، أثبتتها المحكمة الانتخابية العليا، إلى الأخبار المتداولة بشأن تخصيص فريق رفيع المستوى داخل الإدارة الأميركية، يتألف من المسؤولين في الخارجية دارين بيتي وريكاردو بيتا، للعمل من أجل إعادة عائلة بولسونارو إلى الحكم.
لولا يشعر بالتحديات
وأكد لولا أول من أمس، عقب فوزه، أن ما بعد الانتخابات لن يكون كما قبلها، وأنه شخصياً تعلم الكثير منها، مشدداً على فتح صفحة جديدة في تاريخ البرازيل، رغم أنه، وعلى حدّ قوله، لم يتصور أن يواجه منافساً "يمثل نهج المليشيات حقاً والكذب بوقاحة". وأكد أنه سيتخذ إجراءات تجاه التدخل الخارجي لشركات منصات التواصل الاجتماعي التي "تكسب المليارات ولا تدفع ضرائب وتحاول التأثير على الناخبين البرازيليين وتنظيم عملها داخل البلاد، واعتبار الجرائم عبرها "بمثابة جرائم حقيقة على الأرض".
من جهته، أعلن المرشح اليميني الخاسر رفضه الاعتراف بالنتائج وعزمه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بإلغائها. وبحسب وسائل إعلام محلية، استند بولسونارو في اعتراضه إلى قرار قاضي المحكمة الانتخابية العليا كريستيانو زانين تمديد التصويت ساعتين أول من أمس. وقال بولسونارو في تصريحات صحافية إن ما جرى "غير مقبول"، وإن تمديد التصويت أدى إلى تغيير قواعد الانتخابات والإخلال بمبدأ المساواة بين الناخبين. علماً أن حملة بولسونارو نفسها كانت قد طلبت من المحكمة تمديد التصويت في بعض البلديات بولايات ميناس جيرايس وريو غراندي دو سول وبارانا وساو باولو وسانتا كاتارينا، بسبب كثافة الأمطار.
ورأى المحلل السياسي علي فرحات المتخصص في الشأن اللاتيني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن قلب موازين الانتخابات لصالح لولا يعود إلى نشاط الحركة الطلّابية والقاعدة الشعبية للرئيس اليساري التي حركت جانباً مهماً من المترددين في الجولة الأولى للانتخابات. ويعد هذا الفوز، وفق اعتباره، فرصة ذهبية لحزب العمّال للالتفات إلى التحديات التي تواجه البرازيل والحزب نفسه.
على الصعيد الإقليمي، اعتبر فرحات أن نجاح لولا سيمثل فرملة لتوجه أميركا اللاتينية نحو اليمين، وسيجبر كل الأنظمة التي يحكمها اليمين على التعامل مع البرازيل يوصفها أكبر اقتصاد وأكبر دولة في أميركا اللاتينية، مُذكّراً بأن اليمين في دول أميركا اللاتينية يواجه تحديات كثيرة، مثل انخفاض شعبية الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وظهور بوادر تململ في دول أخرى وتظاهرات في كولومبيا وتشيلي.
بدوره، اعتبر الصحافي المتخصص في الشأن اللاتيني فكتوريوس شمس، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن نتائج الانتخابات أثبتت للولا "شعبية مخيفة في البرازيل"، وأن العقوبات والضغوط الخارجية التي مورست بكثافة لصالح المرشح المنافس فشلت في التأثير على هذه الشعبية في النهاية، مقلّلاً من أهمية تشكيك بولسونارو في النتائج وعدم اعترافه بها. وأكد أن الأمر حسم تماماً.
ظروف صعبة
لكن لولا سيواجه ظروفاً صعبة في تنفيذ مشاريعه. فعلى الصعيد الاقتصادي، تتعرض الحكومة لضغوط من أجل خفض الإنفاق وكبح ارتفاع الدين العام، ما يصعب إطلاق برامج جديدة. أما سياسياً، فسيواجه الرئيس مجلس شيوخ تعزز فيه التيار المؤيد لبولسونارو الأب، ومن المرجح أن يفرض ذلك على لولا صعوبات أكبر في تمرير مقترحاته مقارنة بما واجهه خلال ولايته المنتهية.
وفي هذا السياق، أوضح شمس أن لولا سيلجأ بالتأكيد لمنح تنازلات للوسط وعقد تحالفات معهم "وهو أمر ماهر فيه، إذ إن له خبرة طويلة في إدارة التحالفات، ومنح مناصب في الوزارات والمواقع الفيدرالية، من أجل إنجاز التعديلات الدستورية والإصلاحات التي تحدث عنها في برنامجه الانتخابي".
من جهتها، رأت الصحافية البرازيلية ماريا ليندا في حديث لـ"العربي الجديد" أن لولا أثبت أنه "الممثل الشرعي للبرازيل، لأنه يعطي الأولوية في برنامجه للفئات الأقل حظاً، رغم الحملة الضخمة التي شنّت ضده عبر الأنترنت". وقالت إن "التحدي الأكبر الذي يواجهه لولا انتخاب برلمان يضم عدداً كبيراً من السياسيين اليمينيين المتطرفين، ما يعني أن إقرار أي برنامج له سيكون أكثر تعقيداً"، لافتة إلى أن ملفي الأمن والاقتصاد هما الأهم حالياً.
البيت العمّالي
ويعتبر مراقبون أن لولا سيعيد النظر في مجموعة العمل حوله وخصوصاً في بعض الولايات وداخل إدارته، مثل تعيين وزير التعليم السابق كاميلو سانتانا في منصب رئيس ديوان الرئاسة. وتكتسب اختيارات لولا أعضاء دائرته المقربة أهمية إضافية، لأنها قد تكشف عن الشخص الذي سيقود اليسار بعد اعتزاله وسيخوض انتخابات 2030. وظهرت الحاجة إلى التجديد في قيادة الحزب منذ ما قبل انطلاق الحملة الانتخابية، بعدما ظل لولا مرشحاً في استحقاقات انتخابية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما كاد أن ينتهي بهزيمته أمام فلافيو بولسونارو.
على الصعيد الاقتصادي، يدرس لولا اختيار شخصية اقتصادية ذات ثقل وتحظى باعتراف الأسواق المالية لتنشيط الاقتصاد. ويتوقع أن يقع الاختيار على لويز كارلوس ترابوكو كابي، رئيس مجلس إدارة مصرف "براديسكو"، لتولي وزارة المالية.
كما يتوقع مراقبون إعادة تشكيل وزارة العدل، وفتح المجال أمام نقاش واسع حول إصلاح السلطة القضائية، وهو ملف يعتبرونه ملحاً ولا يحتمل التأجيل، وخصوصاً مع تحديد مدد زمنية لعضوية القضاة في المحاكم، وإنشاء مجلس يتولى اختيار أعضاء السلطة القضائية، خصوصاً بعد الضرر الذي ألحقته فضيحة "بانكو ماستر" بصورة المحكمة الفيدرالية العليا في البرازيل. كذلك من بين التعديلات المطروحة فصل وزارة الأمن العام عن وزارة العدل، لكن الخطوة تحتاج إلى تعديل دستوري يتيح إنشاء الوزارة الجديدة. كذلك هناك اتجاه لأن يصدر الرئيس إصلاحاً سياسياً لإلغاء صندوقي تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، بعدما كان يدافع عن التمويل العام للحملات الانتخابية.
أما أصعب المهام أمام لولا فهي استعادة ما يصفه باختطاف الموازنة من جانب الكونغرس، إلا أن وضعه سيكون صعباً بسبب افتقاره إلى الأغلبية، ما سيضطره إلى اللجوء لدعم تيار الوسط كي يتمكن من الحكم، وهذا التكتل هو المدافع الرئيسي عن الاعتمادات المالية التي يسيطر عليها أعضاء البرلمان.
صمت أميركي وتهنئة صينية
وحتى عصر أمس الاثنين، لاذت إدارة ترامب بالصمت حيال نتائج الانتخابات البرزايلية. من جهتها، هنّأت روسيا لولا، حيث قال المتحدث باسم الكرلمين دميتري بيسكوف إن موسكو ترحب بهذا الفوز، مضيفاً أن لولا دا سيلفا "يبذل جهودا كبيرة، ليس فقط لتطوير العلاقات الثنائية، بل لتعزيز التعاون مع روسيا على الساحة الدولية عموماً". وفي منشور على "إكس"، كتبت رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم: "تحيا الديمقراطية، لقد انتصر الشعب البرازيلي".
أما رئيس كوبا ميغيل دياز كانيل فهنأ لولا في منشور "بهذا الانتصار التاريخي الذي يضمن استمرار المسار نحو السلام والسيادة والعدالة الاجتماعية". وقالت الخارجية الفنزويلية، في بيان، إن "الشعب البرازيلي قدم مثالاً دامغاً على الانخراط في الحياة المدنية والديمقراطية"، مؤكدة التزام كاراكاس بـ"استمرار التعاون والعلاقة التاريخية التي تجمعها بجارتها البرازيل".
وأعلن خوسيه أنتونيو كاست، الرئيس التشيلي اليميني المتطرف وحليف بولسونارو، أنه تقدم بالتهنئة للولا، كما أكدت رئيسة بيرو اليمينية كيكو فوجيموري عبر إكس: "تمسكنا بتعزيز تحالفنا الاستراتيجي والتكامل والتعاون والتنمية المستدامة في منطقة الأمازون التي نتشاركها، بما يعود بالنفع على شعبينا". واعتبر دانيال نوبوا، الرئيس التشيلي المنتمي إلى اليمين المتطرف، أن "لدول منطقتنا أعداء مشتركين وتحديات مشتركة ولدينا الكثير لنكسبه عندما نعمل معاً". وفي الأرجنتين، لم تصدر أي ردة فعل من ميلي، فيما هنأت الرئيسة الأرجنتينية السابقة كريستينا كيرشنر (2007-2015) "رفيقها الرئيس" عبر "إكس"، علماً أن لولا كان قد زارها في بوينس آيرس عام 2025.
وأكد رئيس وزراء كندا مارك كارني أن العلاقات الثنائية بين برازيليا وأوتاوا شهدت "ازدهاراً" في عهد لولا، فيما أشاد السيناتور الأميركي التقدمي بيرني ساندرز بـ"الانتصار الاستثنائي"، مؤكداً عبر "إكس" أن "لولا دافع عن العمال البرازيليين والديمقراطية، وسيدافع عنهم أربع سنوات مقبلة". وفي القارة الأوروبية، هنأت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين "صديقها" لولا، كما قدمت الصين تهانيها للرئيس البرازيلي المنتخب، وقال المتحدث باسم خارجيتها غو جياكون إن بكين "جاهزة للعمل مع البرازيل من أجل بناء مستقبل مشترك".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗