عندما تصبح السياحة عبئاً... إيجارات ترتفع ومدن تضيق بأهلها
تمنح السياحة الاقتصادات عائدات وفرص عمل، لكن آثارها لا تتوزع بالتساوي. ففي المدن التي يقصدها ملايين الزوار، قد يتحول المنزل من مكان للإقامة إلى سلعة أكثر ربحاً عند تأجيرها لفترات قصيرة، فتتراجع الوحدات المتاحة للسكان بعقود طويلة، وتشتد المنافسة على ما تبقى منها. ولا تفسر السياحة وحدها أزمة السكن، إذ تتداخل معها محدودية المعروض، وارتفاع الطلب، والاستثمار العقاري، لكن الإيجار السياحي يضيف ضغطاً واضحاً في أحياء ومناطق بعينها.
وتكشف أرقام 2025 حجم الرهان الاقتصادي على السياحة. فقد استقبلت فرنسا 102 مليون زائر دولي، وفق حصيلة الحكومة في فبراير/شباط 2026، ووصلت إسبانيا حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني الصادرة في فبراير الماضي إلى 96.8 مليون سائح دولي، بينما أشار المعهد البرتغالي للإحصاء في يوليو/تموز الماضي، إلى استقبال البلاد لـ 29.9 مليون سائح غير مقيم.
وحققت السياحة في العام نفسه عائدات دولية بلغت 77.5 مليار يورو في فرنسا، فيما أنفق السياح الدوليون 134.7 مليار يورو في إسبانيا، وسجلت إيرادات السفر والسياحة في البرتغال 29.1 مليار يورو. لكن بقدر ما تبرز الأرقام العائد الاقتصادي الكبير، بقدر ما تطرح سؤالاً اجتماعياً عن نصيب السكان من كلفة هذا النمو، ولا سيّما حين ينافس السكن الدائم الإقامة القصيرة التي قد تحقق عائداً أعلى للمالك.
وفي تقريرها السنوي عن الحقوق الأساسية، في 11 يونيو/حزيران الماضي، أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى أنّ الإيجارات في منطقة اليورو ارتفعت 16.8% بين عامَي 2015 و2024، وأن أزمة غلاء المعيشة تضغط على حياة الأوروبيين وقدرتهم على الوصول إلى سكن مناسب. ويضع هذا الارتفاع الأزمة في إطار أوسع من السياحة، لكنه لا ينفي أثرها في الوجهات التي يزداد فيها تحويل المساكن إلى وحدات للإقامة القصيرة.
اقتصاد دولي التحديثات الحية
إيجارات المدن الألمانية الكبرى ترتفع 51% خلال 10 سنوات
فرنسا... ضغط الإيجار في المدن الكبرى
خلصت دراسة أكاديمية منشورة عام 2020 إلى أنّ كثافة مساكن منصة الإيجار الدولية "إير بي إن بي" (Airbnb) ارتبطت بضغط تصاعدي على الإيجارات في باريس وليون ومونبلييه، فيما لم تجد الدراسة أثراً معنوياً مماثلاً في مدن فرنسية أخرى شملها البحث. وعندما ركز الباحثون على التأجير السياحي المحترف، ظهر أثر أكبر في باريس ومرسيليا، ما يشير إلى أن طبيعة النشاط وموقعه أهم من مجرد وجود السياح.
وأظهرت الأرقام الرسمية في باريس مستوى الكلفة التي يواجهها المستأجرون. ففي تقرير مرصد إيجارات تكتل باريس، الصادر عام 2025 عن الإيجارات خلال 2024، ارتفع إيجار المساكن التي انتقل إليها مستأجر جديد في باريس 2.5%، من 27.5 إلى 28.2 يورو للمتر المربع. وارتفع في الضواحي القريبة من 20.6 إلى 21.2 يورو للمتر المربع.
إحصائيات السياحة والعائدات في فرنسا وإسبانيا والبرتغالأُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي
وتضيف دراسة للمركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية، صدرت في 27 يونيو 2025، بعداً آخر إلى النقاش. ففي باريس ارتبط توسع الإقامة القصيرة بزيادة الخدمات الموجهة للسياح، بينما ظلت الخدمات السكنية مستقرة أو تراجعت قليلاً، خصوصاً في قلب المدينة.
وظهرت تحركات محلية في فرنسا ضد تحويل المساكن إلى إيجارات سياحية، وارتبطت في بعض المدن بأزمة السكن وارتفاع الإيجارات. ونقلت صحيفة "لوموند" (Le Monde)، عن أحد النشطاء في تنسيق محلي معارض للألعاب الأولمبية أنّ الإيجارات الموسمية تمثل 17% من مخزون الإيجار في المدينة، واصفاً الأزمة السكنية بأنها غير مسبوقة. بينما قال الصحافي برونو لو دانتيك للصحيفة إنّ الألعاب الأولمبية تغذي التغيير العمراني عبر "إير بي إن بي"، مع ارتفاع الإيجارات المرتبطة بالتأجير الموسمي.
وحذّر عمدة الدائرة الثامنة عشرة إريك لو جواندر، في تصريح لوكالة رويترز في يوليو 2025، من أن ارتفاع أسعار السكن قد يدفع السكان إلى مغادرة الحي، مضيفاً أن مواجهة ذلك تعني "محاربة إير بي إن بي ومنصات التأجير". ودعمت الأرقام البلدية سياق هذا النقاش، إذ أعلنت مدينة باريس أن عدد إعلانات الشقق السياحية على "إير بي إن بي" تجاوز 68 ألفاً في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم حدّت منذ 1 يناير/كانون الثاني 2025 من تأجير المسكن الرئيسي للسياح إلى 90 يوماً سنوياً، بعدما كان الحد 120 يوماً.
اقتصاد الناس التحديثات الحية
احتجاجات واسعة في إسبانيا بسبب أزمة السكن ودعوات إلى إضراب عام
إسبانيا... من غلاء الإيجار إلى الاحتجاج
وتبدو الأزمة أكثر حضوراً في إسبانيا، إذ تتقاطع السياحة القياسية مع نقص المعروض السكني. وفي 5 إبريل/نيسان 2025، نقلت "رويترز" عن بيانات المنصة الرقمية الأكبر والرائدة في مجال العقارات في جنوب أوروبا "إيدياليستا" (Idealista) أن متوسط الإيجارات الإسبانية تضاعف خلال عقد، فيما ارتفعت أسعار المنازل 44%، ولم يواكب نمو الأجور هذا المسار.
وخرجت احتجاجات في نحو 40 مدينة إسبانية في إبريل 2025 للمطالبة بمساكن ميسورة وإيجارات أقل. وربطت "رويترز" ضغط السكن بالطفرة السياحية وانتشار الإيجارات القصيرة، إلى جانب زيادة السكان ونقص المعروض. واستندت في حديثها عن تضاعف الإيجارات خلال العقد السابق التي نقلتها "إيدياليستا".
ماري كارمن خلال إخلاءها سكنها في مدريد، 23 سبتمبر 2026 (Getty)
وعلى مستوى الأسعار المعروضة، أوردت صحيفة "إل باييس" الإسبانية (El Pais) في سبتمبر/أيلول 2025، أن متوسط الإيجار في إسبانيا بلغ 14.5 يورو للمتر المربع في أغسطس 2025، بزيادة سنوية قدرها 10.5%. وهو ما يتقاطع مع دراسة الباحث ميكيل أنخل غارسيا لوبيث وزملاؤه حول أثر إعلانات "إير بي إن بي" في الإيجارات وأسعار المساكن في برشلونة، وخلصت الدراسة إلى أن نشاط المنصة ارتبط بزيادة الإيجارات 1.9% في الحي ذي المستوى المتوسط من نشاطها، وبزيادة أسعار المعاملات العقارية 4.6%.
وتحولت قضية المسنّة الإسبانية "ماري كارمن" (توفيت في 7 أكتوبر الماضي)، إلى رمز لهذه الأزمة. فقد أُخرجت المرأة، البالغة 87 عاماً، من مسكنها في مدريد في 23 سبتمبر الماضي، بعد أن ارتفع الإيجار الشهري، وفقاً لرابطة المستأجرين، من 570 إلى 1650 يورو عقب انتقال ملكية الشقة. وتجمع مئات المحتجين أمام المبنى وهتفوا "ماري كارمن، لست وحدك"، قبل أن تشعل القضية احتجاجات في أنحاء البلاد ومخيماً احتجاجياً في ساحة بويرتا ديل سول.
اقتصاد الناس التحديثات الحية
عشرات الآلاف في مدريد يحتجون على أزمة السكن وحرمان عجوز من منزلها
ولم تتوقف تداعيات قضية ماري كارمن عند الاحتجاجات. ففي 2 أكتوبر الماضي، رفض مجلس النواب الإسباني مرسومَي الحكومة المتعلقين بالسكن، بعد أن صوّتت ضدهما أحزاب المعارضة. وكان أحدهما يتضمن حماية مؤقتة للمستأجرين المهدّدين بالإخلاء، وتمديد بعض عقود الإيجار عامين، ووضع سقف لزيادات الإيجار، إلى جانب تنظيم الإيجارات الموسمية وتأجير الغرف.
وبعد الفشل البرلماني، أعادت الحكومة اعتماد مرسومَين يتضمنان 21 إجراء في 6 أكتوبر، ودخلا حيز التطبيق بعد نشرهما في الجريدة الرسمية، مع بقاء تصديقهما معلقاً على تصويت الهيئة الدائمة للبرلمان بعد حله. وأعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني القادم، فيما دعت أكبر نقابتين في البلاد إلى إضراب عام في 11 نوفمبر.
البرتغال... شقق الزوار ومساكن السكان
تقدم البرتغال مثالاً واضحاً على تحول بعض المساكن إلى أماكن للإقامة السياحية، خصوصاً في المناطق التي يقصدها الزوار. ودرس الباحثون فرانسيسكو نوبري وديوغو جارديم غونسالفش ورونيز كروز في يناير 2024 أثر الإيجارات القصيرة الأجل في أسعار العقارات في لشبونة وبورتو. وقدّرت دراستهم أنّ زيادة عدد أماكن الإقامة المحلية المسجلة بعشر وحدات ارتبطت بارتفاع أسعار المنازل بين 1.4% و2.7%.
وفي 14 سبتمبر الماضي، أشارت "المجلة الاقتصادية البرتغالية". إلى أنّ إضافة مسكن واحد للإيجار القصير في منطقة بريدية خلال ثلاثة أشهر ارتبطت بارتفاع قيمة المعاملات العقارية بين 2.3% و6%. وظهر هذا الأثر في المراكز التاريخية للمدينتَين، وكان أكبر في فئات العقارات الأعلى سعراً.
اقتصاد دولي التحديثات الحية
الآلاف يحتجون في البرتغال على أزمة الإسكان: حالة طوارئ اجتماعية
أما الإيجارات الجديدة، فبلغت قيمتها الوسيطة في البرتغال 8.22 يوروهات للمتر المربع خلال الربع الأول من 2025، بزيادة 10% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء. وفي لشبونة، وصل الإيجار الوسيط للعقود الجديدة إلى 16 يورو للمتر المربع، وهو الأعلى بين المدن التي يزيد عدد سكانها على 100 ألف نسمة.
وفي 28 سبتمبر 2024، خرج آلاف البرتغاليين إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل. ونقلت "رويترز" عن المحتجين هتافهم "المنازل للسكن لا للمضاربة"، مشيرة إلى أن ازدهار السياحة رافقه توسع في الإيجارات القصيرة الأجل وضغط إضافي على سوق السكن.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗