"لا لدولةٍ فلسطينية".. هذا ما تنادي به الأحزاب الإسرائيلية المتشددة
مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي لدورته الـ 26 تحتدم المعركة الانتخابية بين الأحزاب المتنافسة كسباً لأصوات المقترعين. وفي واقع الأمر، تُعتبر هذه الانتخابات الأكثر شراسةً في تاريخ المعارك الانتخابية في إسرائيل، إذ تسعى المعارضة القائمة في الكنيست، مع قوى سياسيةٍ من خارجه إلى إسقاط حكومة اليمين المتطرّفة جداً برئاسة بنيامين نتنياهو. ومن جهةٍ أخرى، تزدهر في الأسابيع القليلة السابقة لموعد الانتخابات ظاهرة استطلاعات الرأي، الّتي تجريها الصحف الإسرائيلية المعروفة، ومعاهد استفتاءاتٍ واستطلاعاتٍ خاصّةٍ تتبع شركاتٍ ممولة من جهاتٍ مختلفة. وتبيّن الاستطلاعات حتّى الآن انقسام الشارع الإسرائيلي انقساماً شبه متساوٍ، ما يعني أنّ تشكيل حكومةٍ قادمة من المؤكّد أنّه أمرٌ صعبٌ ومعقّد. آخذين بالحسبان أنّ وجهات نظر نسبةٍ لا بأس بها من الإسرائيليين ما زالت متخبطةً في حسم قرارها الانتخابي. ومما لا شكّ فيه أنّ هذه الحالة قد تتغير في كلّ دقيقةٍ، ما يعني أنّ الاستطلاعات الجارية ما هي إلّا للاستهلاك الآني والسريع، وتفعيل المحرّكات النفسية المؤثرة على جمهور المقترعين.
أمّا مصوتو الأحزاب المتدينة المتشددة، والّتي تُعرف في القاموس السياسي الإسرائيلي باسم "الأحزاب الحريدية" فهي عبارةٌ عن كتلةٍ صلبةٍ ثابتةٍ بنسبةٍ قد تبلغ أكثر من 95%، ويمكنها المحافظة على مقاعدها في الكنيست في كلّ دورةٍ انتخابية بثبات، والتغييرات الّتي يمكن أن تمسّها طفيفةٌ للغاية. من جهةٍ أخرى، فإنّ الأحزاب المتدينة المتشددة تخوض المعركة الانتخابية من دون صراعاتٍ على المصوّتين. وبالتالي تعرف قيادة هذه الأحزاب أن "نظرية القطيع" قائمةٌ وثابتة، وتعني انصياعاً شبه تامٍّ ومن دون نقاشاتٍ أو حواراتٍ داخلية بالمرّة.
من جهةٍ أخرى، لا تملك قيادة هذه الأحزاب بياناتٍ فيها طروحاتٌ سياسية تمهّد للعملية الانتخابية، إذ إنّها -أي القيادة والمصوتون- تخضع بالكامل للرئاسة الدينية الّتي تقف وراء كلّ قرارٍ متعلّقٍ بالعملية الانتخابية خصوصاً، والمسائل السياسية عامةً.
ويخوض الانتخابات القريبة قائمتان/حزبان متدينان حريديان وهما "حزب شاس" (الرابطة السفاردية لليهود الملتزمين بالتوراة)، وهو ممثّل اليهود المتدينين الشرقيين. وحزب "علم التوراة" وهو عبارةٌ عن اندماجٍ تاريخي بين حزبين حريديين وهما "حزب يهدوت التوراة" وحزب "أغودات يسرائيل". وتتنافس 38 قائمةً وحزباً في الانتخابات الحالية وفقاً لسجلّ الأحزاب الرسمي الصادر عن اللجنة المركزية للانتخابات.
أمّا اليوم، فيعمل ممثلو حزب "علم التوراة" جزءاً من الكتلة اليمينية المتصلبة، ويعارضون في الواقع إقامة دولةٍ فلسطينية أو تقديم تنازلاتٍ إقليمية
أمّا الحزبان المتشددان أعلاه فيختلفان عن معظم الأحزاب في إسرائيل في أنهما لا ينشران عادةً برنامجاً انتخابياً مدنياً سياسياً تقليدياً أو كتيباً مفصّلاً للمواقف والطروحات والمشاريع والخطط المستقبلية. إنما يستمدان مبادئهما التوجيهية مباشرةً من قرارات وتوجيهات مجالس حكماء التوراة، أو ما يعرف بـ "كبار علماء التوراة" الذين يقودونهما.
وبالرغم من التوجّهات المفروضة من كبار علماء وحكماء التوراة، ومنع القيام بأي خطوةٍ تتسم بالديموقراطية، يبدو الغريب في الأمر أن تشترك هذه الأحزاب في الكنيست الإسرائيلي باستخدام أداةٍ ديموقراطية صرفة. بالإضافة إلى أنّ أعضاء الكنيست الذين يمثلون هذه الأحزاب والقوائم الانتخابية في أثناء إشغالهم مقاعدهم في الكنيست لا يصوّتون على أي مقترح قانونٍ أو تعديلٍ قانوني إلّا بتوجيهاتٍ من مجلس كبار حكماء وعلماء التوراة. وسيبين الكاتب الخطوط العريضة لطروحات الحزبين المتشددين الكبيرين في إسرائيل، والّتي تقيد منتخبيها للبرلمان-الكنيست.
لا تطرح هذه الأحزاب بياناتها وبرامجها الانتخابية عشية الاستعداد ليوم الاقتراع، ومع ذلك، من الممكن استشفاف رؤيتهم وأهدافهم لانتخابات الكنيست من خلال الحملات الانتخابية، واتّفاقيات الائتلاف الحكومي، ومشاريع القوانين الّتي يطرحونها خلال الدورات الانتخابية السابقة.
سنحاول تبيان طروحات كلّ واحدٍ من الحزبين في القضايا الأمنية والاجتماعية والقضية الفلسطينية.
يطرح حزب "علم التوراة" مسألة طلاب المعاهد الدينية اليهودية، ومشروع قانون التجنيد الذي تحاول الأحزاب الأخرى فرضه على الشباب اليهودي الحريدي، من منطلق تأجيلٍ مستمر لخدمة طلاب المعاهد الدينية اليهودية، وذلك منعاً من اتخاذ المحكمة العليا قراراً ملزِماً بتجنيدهم. بمعنى آخر، لا يستطيع حزب "علم التوراة" مخالفة قانون التجنيد إنما يؤجل تنفيذه، وهذه العملية – أي التأجيل – قائمةٌ منذ حكومة إسرائيل الأولى برئاسة دافيد بن غوريون.
وبالتالي يحافظ هذا الحزب على حصوله على ميزانياتٍ لتشغيل المعاهد الدينية اليهودية، إلى جانب ضمان رواتب المعلمين ومعلمات رياض الأطفال في التعليم الحريدي برواتب نظرائهم في التعليم الحكومي الرسمي.
ويعارض هذا الحزب معارضةً شديدةً تغيير كلّ ما له علاقةٌ بنظام الحياة يوم السبت والأعياد الدينية اليهودية، ومن أبرزها منع وسائل النقل العامّ والتجارة يوم السبت في المواقع الّتي يتركز فيها المتدينون الحريديون. ويعارض أيضاً أي تغييرٍ على الوضع الراهن في مسائل الدين والدولة (مثل الكوشر أي "الحلال"، والتحوّل إلى اليهودية، وحائط المبكى). ويسعى هذا الحزب إلى تجميع العائلات الحريدية في مجمّعاتٍ سكنيةٍ تخصّهم في المدن القائمة، أو إقامة مدنٍ جديدة لهم.
ويستند الموقف الرسمي لحزب "علم التوراة" تجاه القضية الفلسطينية إلى نهجٍ عملي-شرعي (وفقا لتفاسير الشريعة اليهودية) يضع قيمة "الحياة البشرية وإنقاذ النفس" فوق سلامة الأرض، ولكن في الواقع، فقد تصلّب موقفه وتحوّل إلى اليمين كثيراً على مرّ السنين. ففي التسعينيات كان الحزب على استعدادٍ للموافقة على مبدأ الأرض مقابل السلام. ولكنّ تغييراتٍ كثيرةً حدثت في مجمل المجتمع الإسرائيلي بما فيه هذا الحزب وغيره جنحت به إلى أقصى اليمين لضمان بقائه في الائتلاف الحكومي.
فعشية انتخابات الكنيست الثاني والعشرين، أعلن الحاخام كانيفسكي زعيم الحزب أنّ على الأحزاب الحريدية معارضة نقل الأراضي إلى العرب. وقد نبع هذا التغيير من خيبة أملٍ من اتّفاقيات السلام السابقة، ومن إدراكٍ أمني مفاده أنّ الانسحابات الإقليمية لا تجلب السلام، بل تُعرّض الأرواح للخطر، وبالتالي لم تعد تندرج ضمن تعريف "إنقاذ النفس".
أمّا اليوم، فيعمل ممثلو حزب "علم التوراة" جزءاً من الكتلة اليمينية المتصلبة، ويعارضون في الواقع إقامة دولةٍ فلسطينية أو تقديم تنازلاتٍ إقليمية، إذ إنّ الاعتبار الرئيسي الذي يوجّههم هو الأمن والشريعة اليهودية بدلاً من أيديولوجيةٍ قومية مسيحانية.
يعارض حزب شاس بشدةٍ قيام دولةٍ فلسطينية أو تقديم تنازلاتٍ إقليمية في الضفّة الغربية. ويرى الحزب أنّ السلطة الفلسطينية وحماس ليستا شريكتين في عملية السلام
أمّا حزب "شاس" – السفاردي، فيمكننا الاطّلاع على توجّهاته السياسية والاجتماعية على النحو التالي:
في مسألة الهوية اليهودية وتعزيز التقاليد اليهودية فإنّه يتمسّك بالحفاظ على الوضع الراهن في مسائل الدين والدولة، وتعزيز مؤسسات الحاخامية الكبرى، ونظام الكوشر والطهارة، وتعميق تراث اليهودية الشرقية.
وللحزب تركيزٌ كبيرٌ على العدالة الاجتماعية، من حيث تقديم المساعدة للأسر ذات الدخل المحدود، وزيادة استحقاقات التأمين الوطني (أي الضمان الجماعي) للعائلات كثيرة الأولاد، وإعفاءاتٍ ضريبية واسعة لمحدودي الدخل من المكاسب الّتي يحققها الحزب من خلال انضمامه إلى الائتلاف الحكومي.
ويشترك حزب شاس مع توجّهات حزب علم التوراة في تأجيل الخدمة لطلاب المعاهد الدينية اليهودية، من منطلق أنّ إيمان الطالب ومعتقداته هي بحدّ ذاتها أهمّ من الخدمة العسكرية. ويتمّ ربط ذلك من خلال تخصيص ميزانيةٍ للمؤسسات التعليمية الحريدية السفاردية وتفعيل شبكة "بني يوسف" التعليمية). والأهمّ من ذلك استقلالية تعليمية تامة تمنع على الدوام وباستمرار أي تدخلٍ من وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية الّتي تريد فرض مناهجها التعليمية وكتبها التدريسية. لهذا تشمل الاتّفاقيات الائتلافية الّتي توقّع عليها الأحزاب ضمانةً لهذا الأمر. وبالتالي تتمتّع الأحزاب الحريدية باستقلاليةٍ في التعليم وتنال ميزانياتٍ من وزارة التعليم من دون أن تخضع لها.
ولأنّ معظم المنتمين إلى حزب شاس هم من اليهود الشرقيين يرصد الحزب من خلال اتّفاقيات الائتلاف الحكومي ميزانياتٍ لمناطق الأطراف الّتي تعاني من ظروفٍ اجتماعية-اقتصادية صعبةٍ جرّاء سياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة في التمييز بين اليهود الأشكناز واليهود السفارد.
أمّا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فاعتمد الحزب في السابق على الفتوى الّتي أصدرها في الثمانينيات زعيم الحزب، الحاخام عوبديا يوسف، بأنّه إذا كان في نقل الأراضي ما ينقذ الإنسان وحياته فيمكن فعل ذلك، ولكن بعد الأخذ برأي خبراء الأمن. وأجاز هذا الحاخام لأعضاء الكنيست من حزب شاس الامتناع عن التصويت لصالح اتّفاقيات أوسلو، من منطلق أنّ الامتناع سيؤدّي إلى تحقيق الأمن والسلام، وبادّعاء أنّ إنقاذ النفس البشرية لم يتحقق بعد أوسلو جرّاء أعمال المقاومة الفلسطينية، فإنّ الحزب مال إلى رفض إعادة أراضٍ إلى الفلسطينيين.
أمّا اليوم فيعارض حزب شاس بشدةٍ قيام دولةٍ فلسطينية أو تقديم تنازلاتٍ إقليمية في الضفّة الغربية. ويرى الحزب أنّ السلطة الفلسطينية وحماس ليستا شريكتين في عملية السلام. وهذا ما ينسجم مع مسارات أحزابٍ إسرائيلية أخرى، وأبرزها الليكود والصهيونية الدينية والقوة اليهودية وأزرق أبيض وغيرها.
كما ينادي حزب شاس بالحفاظ على وحدة القدس، إذ تُعدّ قضية القدس والأماكن المقدسة على رأس أولويات الحزب. ويعارض شاس أي تسويةٍ أو تقسيم أو نقل للسلطات في القدس. ويعتبر هذا الحزب أنّ القدس مدينةٌ يهودية، وقد عادت إلى أحضان اليهودية ويجب الامتناع عن أي مساومةٍ بشأنها.
أمّا بالنسبة لموقفه من الاستيطان في الضفة الغربية، فإنّ الحزب يدعم تعزيز الاستيطان الإسرائيلي في الضفّة الغربية، مع التركيز على التجمّعات الكبيرة والمستوطنات الحريدية في المنطقة (مثل موديعين عيليت وبيتار عيليت).
في الخلاصة، حزبا "علم التوراة" (الحريدي الاشكنازي) و"شاس"(الحريدية السفاردي) متّفقان في معظم القضايا المفصلية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والاستيطان. وبالتالي لا يختلفان عن توجّهات الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية الأخرى. وهذا ما يشير إلى اتّفاقٍ بين كل الأحزاب الإسرائيلية برفض فكرة "حلّ الدولتين"، أو بطرح مشروع إقامة دولةٍ فلسطينية على أراضي الـ 1967، لكونها -أي هذه الأراضي – جزءاً من أرض إسرائيل الموعودة.
إذن، لا اختلاف بين الحزبين إلا في الإطار الخارجي، أعني الانتماء إلى طوائف الأعضاء، فقد انقسم اليهود تاريخياً إلى مجموعتين من الطوائف، الأولى: أشكنازية (أي اليهودية القادمة من أوروبا)، والسفاردية (أي اليهودية القادمة من البلاد العربية والإسلامية).
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗