29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/32420

نيكوس كازانتزاكيس.. تمرّدٌ يختبر الحرية وإيمان يتّسع للشك

في روايته "زوربا اليوناني" التي صدرت عام 1946، يقترح علينا الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي تصادف اليوم ذكرى رحيله التاسعة والستين، العلاج باللذة الحسية من أجل التخلص من كل المعتقدات الكابحة التي تراكمت عبر العصور. فزوربا يجسد الخروج من العبودية الأولى التي تؤطرها الكتل الصماء لكل ما هو أخلاقي أو ديني (الثقافة السائدة)، حين تحقق الغرائز انتصارها على العقل، عبر الرقص والطعام والحبّ والعمل ومواجهة الموت.

غير أن كازانتزاكيس، مع ذلك، لا يحسم هذا الاختبار القوي لصالح الجسد على حساب الروح أو الدين، وإنما يضعهما معاً في مواجهة تكشف حدود كل منهما. ومن ثم، يطرح السؤال التالي: هل يحتاج الإنسان إلى قوة متعالية تفسّر وجوده وتمنح غاية لحياته، أم أن الحياة في ذاتها، بما تتضمّنه من حبّ وعمل ورقص وألم، قادرة على أن تكون مصدر المعنى؟ هل نؤمن بالله لأننا اكتشفنا وجوده الفعلي، أم لأننا نخاف الإقامة في عالم لا يقدّم لنا ضمانات نهائية، ولا يمنحنا القدرة على الاستمرار في تحمل مسؤولية مصائرنا؟

تعمق أكثر

لا يخفي كازانتزاكيس (1885-1957) تأثّره البالغ بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه. فقد ورث عنه ولعَه الكبير بتحطيم الأصنام التي يستمد منها الإنسان الاجتماعي قوته. ومع ذلك، لم ينشغل، عكس أستاذه، بتقويض الأركان الدينية من موقع إلحادي ينتشي بحطام الأنبياء والقدّيسين، أو بالدفاع عن الإيمان بوصفه حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، وتقع خارج اختبارات البرهنة أو الدحض. ومن ثم يمكن القول إنّ ما يشغل كازانتاكيس هو المعنى الذي يتشكّل خارج الأسوار كيفما كان نوعها، سواء أكانت دينية أم سياسية أم اجتماعية.

القيم لا تُقاس عنده بالشعائر بل بالقدرة على التضامن

لا يهتم الروائي اليوناني باليقين الذي تقترحه المراجع الدينية قدر اهتمامه بالحرية غير القابلة للتدهور أمام دكتاتورية الدين. وهذا ما يبيّنه الباحث الهولندي المتخصّص في الدراسات الليتورجية (الطقوس والشعائر الدينية المسيحية)، بيرت غرون، بقوله إنّ "كازانتاكيس ابتعد عن المؤسسة الكنسية التي نشأ في كنفها، لكن أعماله احتفظت بأثر عميق للتقاليد الروحية والطقوسية للأرثوذكسية الشرقية. ومن ثم، فإنّ وصفه بالملحد وصف اختزالي لا يستوعب طبيعة مشروعه، كما أنّ إدراجه ضمن المدافعين عن العقيدة المسيحية التقليدية يتجاهل اعتراضاته الجوهرية على تصوراتها الموروثة".

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إنّ كازانتزاكيس كان يبحث عن شكل من الإيمان يستطيع أن يتحمل الشكّ بدل أن يقتاد الناس إلى الاستسلام للنظام العام للطاعة، أي ذلك الإيمان الذي يمنح لحياة الإنسان معنى من دون أن يجعله يتنازل عن حريته لينجو. ومن ثمّ، لم يكن تمرّده على الكنيسة موجّهاً إلى الله بالضرورة، بقدر ما كان موجّهاً إلى الصور التي يحبس الإنسان معبوده داخلها. ولعلّ هذا هو السؤال الذي يُخامرنا ونحن نقرأ السيرة الذهنية "تقرير إلى غريكو": "هل يحتاج الإنسان إلى إيذاء جسده كي يثبت إخلاصه لله؟".

تعمق أكثر

تبلغ مساءلة كازانتزاكيس للدين إحدى أكثر لحظاتها حساسية في رواية "الإغواء الأخير للمسيح". فهو في هذا العمل يضع المسيح بكلّ رمزيته الأخلاقية الهائلة في تماسّ مباشر مع التجربة الإنسانية، من خلال إخراج شخصية المسيح من قداستها، فيجعلها تشعر بثقل الجسد، وتختبر الخوف والرغبة والتردّد، وتواجه اختلاجاتها الخاصة أمام قوة الرغبات البشرية، بما تتضمنه من حبّ ورغبة في الزواج، مما دفع رجال الدين إلى شيطنته بأقصى الوضوح الموجه للمارقين، معتبرين أن الرواية مساس متقدم بالعقيدة المسيحية، بل أكثر من ذلك وصل الأمر بالفاتيكان إلى إلحاق الرواية بقائمة الكتب المحظورة.

دافع عن حق الإنسان في اللذة دون أن يجعل منها "ديانة جديدة"

أما إذا انتقلنا إلى رواية "المسيح يُصلب من جديد"، فإن كازانتزاكيس يحوّل القيم الدينية إلى هيكل يفضح الواقع فراغ محتواه. فنحن نقف في هذه الرواية على مفارقة التمثيل حين يتجاوز حدود المسرح. فسكّان القرية يستعدون لتمثيل آلام المسيح في احتفال ديني، فيختارون أشخاصاً لأداء أدوار الشخصيات الإنجيلية (المسيح، يهوذا الإسخريوطي، بطرس الرسول، يوحنا الحبيب، يعقوب... إلخ)، غير أنّ التمثيل سرعان ما يغادر حدود المسرح ليتحول إلى امتحان أخلاقي يكشف التفاوت بين الإيمان المعلن والسلوك اليومي، حين يصل إلى القرية لاجئون جائعون ومشردون. ذلك أن "مسيح القرية" (مانوليوس) يجد نفسه أمام ضرورة تجسيد قيم الرحمة والعدالة والتضامن، بينما تقاوم الجماعة ما تقتضيه هذه القيم حين تُصبح مكلفة وقاهرة، فيتحول أفرادُها تبعاً لذلك إلى رعاة لا يعيرون أي اهتمام للرحمة. ومن ثم، فالمفارقة التي يضعنا الكاتب في مواجهتها تكمن في أن "الحقيقة الدينية" لا تُختبر بمدى قدرة الناس على ترديد رموزها أو تحويلها إلى طقس مسرحي للاحتفال، وإنما بمدى استعدادهم لتحمل نتائجها في علاقتهم بالآخرين.

تعمق أكثر

بهذا تتجلّى راهنية كازانتزاكيس، حين تنتقل القيم الاجتماعية من سياقها الديني المباشر إلى سياق آخر يطبعه الإكراه الاجتماعي الذي يضعُها على المحك. ومن ثم، يمكن القول إنّ الخوف من العقاب الأخروي، في "مجتمع التمثيل"، ليس هو الضامن الوحيد للجم غرائزنا الشريرة، فما الذي يمنع الإنسان من الاستسلام للأنانية أمام هشاشة الوجود؟ وهل الإنسان دائماً يعتنق الطاعة الأخلاقية إذا كان الثمن هو السقوط في الجوع؟

إنّ أهمية الطرح الذي يقترحه علينا صاحب "الأوديسا: تتمّة حديثة" تكمن في أنه مضى بالصراع بين الدين والحياة إلى الأقاصي، إذ وضع الإنسان أمام جسده ورغباته وخوفه من الموت، وكذلك أمام حاجته إلى الإيمان ورغبته في الحرية وتناقضاته عندما يتوهم أنه متحرّر من النزوات العدائية التي تُرغمه اختبارات الحياة على مواجهتها. ومن ثم، فإنّ هذا الصراع هو "البرنامج الفلسفي" الذي بإمكانه أن يعزّز مقاومة الإنسان للندم. ذلك أنه، بموجب هذا البرنامج، يستطيع أن يراجع علاقته بالدين دون أن يتعامل مع "المؤمنين" باعتبارهم خصوماً مشحونين بعذاباتهم، وأن يستعيد حقه في المتع الحسية دون أن يجعل اللذة "ديانة جديدة".

إن كازانتزاكيس، وفق كل ما تقدم، لا يحرر الإنسان الذاهل دينياً، ولا ذاك المهووس حسياً، من قلق الوجود وعبثيته. كما لا يمنحه يقيناً آخر يعوض اليقينيات ذات الحضور الكلي التي تمدّدت في كلّ الاتجاهات، وإنما يدعوه إلى مواصلة البحث عن الحقيقة بالتفكير في وجوهها الكثيرة، ويحرضه على الخروج من الانشداه الملتهب لرجال الدين. ذلك أن الطوفان الأكثر راديكالية الذي يمكن أن يقوده إلى الإفلاس الشامل هو نسيان أن الحرية هي الاختبار الأكثر صعوبة في الوجود.

ومن ثم، فهو لا يقترح على قرائه أي عقيدة مضادة، ولا يدعو إلى استبدال إله بإله، أو سلطة بأُخرى، كما فعل ذلك أستاذه نيتشه الذي طرح مسألة "موت الله" بوصفها تشخيصاً تاريخيا وفلسفياً لانهيار المرجعية الدينية العليا، أو كما فعل سبينوزا الذي انتهى إلى أن الله والطبيعة يمثلان حقيقة واحدة. إنه يقود الإنسان إلى خوض تجربة مواجهة المعتقدات الجاهزة، بعيداً عن رجال الدين الذين خاطبهم قائلاً: "لقد منحتموني لعنتكم، أيها الآباء القديسون، وأنا أمنحكم بركتي. أتمنى أن يكون ضميركم نقياً كضميري، وأن تكونوا أخلاقيين ومتدينين مثلي"، بحسب ما نقله الناقد الأميركي بيتر بين في كتاب "الرسائل المختارة لنيكوس كازانتاكيس" (مطبعة جامعة برينستون، 2012).

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.