تونس... تثبيت أحكام السجن بحق معارضي سعيّد لإغلاق القضايا الكبرى
تسعى السلطات التونسية لإغلاق ملفات كبرى تتعلق بقضايا المعتقلين السياسيين في تونس المعارضين للرئيس قيس سعيّد، ولا سيما قضيتا "التآمر على أمن الدولة 1" و"التآمر على أمن الدولة 2". وخلال سبتمبر/ أيلول الماضي وأكتوبر/ تشرين الأول الحالي، أُيِّد معظم الأحكام الصادرة على عدد من الشخصيات السياسية وقادة الأحزاب، وبعضهم مسجون منذ ما يزيد على أربع سنوات. وتعود قضيتا "التآمر 1" والتآمر 2" في تونس إلى بلاغ أرسلته الشرطة إلى وزارة العدل في 10 فبراير/ شباط 2023، ورد فيه أن مجموعة من الأشخاص تخطط للتآمر على "أمن الدولة الداخلي والخارجي"، ليسارع القضاء التونسي إلى إصدار مذكرات توقيف بحق عدد كبير من القادة السياسيين، والمسؤولين السابقين في الدولة.
تعمق أكثر
تهم المعتقلين السياسيين في تونس
وفي 21 أكتوبر الحالي، قضت المحكمة العسكرية في تونس بالسجن لمدة أربع سنوات بحق رئيسة حزب الجمهورية الثالثة ألفة الحامدي، وذلك بتهم تتعلق بـ"التآمر على أمن الدولة" و"تحريض العسكر على العصيان" بسبب منشورات لها على موقع فيسبوك انتقدت فيها الرئيس التونسي قيس سعيّد والمؤسسة العسكرية. وقبل ذلك في 11 أكتوبر الحالي، قضت محكمة الاستئناف العسكرية في تونس بسجن القيادية السياسية المعارضة شيماء عيسى، لمدة ستة أشهر مع تأجيل التنفيذ، وذلك على خلفية تصريحات إذاعية، إذ وجهت لها تهم ترويج ونشر أخبار وإشاعات كاذبة عبر شبكات وأنظمة معلومات بهدف الإضرار بالأمن العام والدفاع الوطني (استناداً إلى الفصل الـ81 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية).
والأربعاء الماضي أيضاً، رفضت محكمة التعقيب في تونس جميع الطعون المقدمة في الأحكام الاستئنافية الصادرة في ما يعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة 2" (مسار موازٍ وموسّع لقضية التآمر 1). يعني ذلك تأييد الأحكام السجنية بشكل نهائي لتراوح الأحكام النهائية بالسجن بين 3 و35 عاماً، مع إخضاع بعض المدانين للمراقبة الإدارية لمدة 5 سنوات. ويحاكم في هذه القضية رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بالسجن 20 عاماً، و(العسكري المتقاعد) كمال البدوي بالسجن 20 عاماً، والقياديَّين الأمنيَّين السابقَين محرز الزواري وعبد الكريم العبيدي، بالسجن 12 عاماً لكل منهما. أما الأحكام الغيابية التي وصلت إلى 35 عاماً، فتشمل المتهمين مثل مديرة الديوان الرئاسي لقيس سعيّد سابقاً نادية عكاشة، ونجل الغنوشي معاذ، والقياديين بحركة النهضة لطفي زيتون ورفيق عبد السلام.
علماً أنه في الثالث من سبتمبر/ أيلول الماضي، رفضت محكمة التعقيب في تونس جميع الطعون المقدمة في الأحكام الصادرة بقضية "التآمر على أمن الدولة 1"، التي بلغت 46 طعناً، ما يجعل أحكام السجن التي راوحت بين 4 و66 عاماً باتّة ونهائية. وتشمل هذه القضية رجل الأعمال كمال اللطيف الذي حكم عليه بالسجن 66 عاماً، والناشط السياسي خيام التركي بـ48 عاماً، والقيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري بـ43 عاماً. كذلك شملت رئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج، إلى جانب الأمين العام لـ"الحزب الجمهوري" عصام الشابي، ورئيس جبهة "الخلاص" الوطني المعارضة أحمد نجيب الشابي والوزير الأسبق غازي الشواشي، المحكوم عليهم بالسجن 18 عاماً لكل منهم.
وفي 29 أيلول الماضي، حسمت محكمة التعقيب تأييد إدانة رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، وتأييد الأحكام الاستئنافية الصادرة ضدها. وسجنت موسي في ما يعرف بقضية "مكتب الضبط برئاسة الجمهورية" حيث أُيِّد الحكم بالسجن لمدة 10 سنوات، بالإضافة إلى 6 أشهر سجناً بتهمة "تعطيل حرية العمل". وعلّق الوزير السابق رفيق عبد السلام في منشور على "فيسبوك" على قرار محكمة التعقيب في تونس الأربعاء الماضي، بالقول: "أما هذا الحكم الصادر عن قضاء التعليمات، فلا يستحق مجرد التوقف عنده ولا يرتقي إلى مستوى الحبر الذي كتب به". واعتبر أن هذا القرار "سياسي وسيُلغى بقرارات سياسية لاحقة لا غير، ودليل ذلك وجودي في مؤامرة مع أشخاص بعضهم لم ألقَهم ولو مرة واحدة في حياتي".
تسريع البت بالأحكام
من جهته، أكد عضو هيئة الدفاع عن راشد الغنوشي المحامي مختار الجماعي لـ"العربي الجديد"، أن تأييد محكمة التعقيب بتونس لقرار رفض الطعون المقدمة ضد الأحكام الاستئنافية في ما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة 2"، يعني أن الأحكام السجنية الصادرة في حق المتهمين أصبحت باتّة. وأضاف أن "هذا القرار كان منتظراً لأن محكمة التعقيب نادراً، وفي حالات تكاد تكون استثناءً، ما تنقض الأحكام القضائية".
سعيدة العكرمي: الإسراع في البت وتأييد الأحكام، إذ تنظر فيها المحاكم بسرعة كبير، يؤكد أن القرار بيد السلطة التنفيذية
أما المحامية سعيدة العكرمي (زوجة المعتقل السياسي نور الدين البحيري)، فقالت لـ"العربي الجديد"، إن طبيعة جلّ هذه القضايا سياسية، وبالتالي الإسراع في البت فيها وتأييد الأحكام، إذ تنظر فيها المحاكم بسرعة كبيرة، يؤكد أن القرار بيد السلطة التنفيذية، معتبرة أن حتى التأخير قد لا يتعدى في العديد من الأحيان الأسبوع، و"هذا يعد سابقة". ولفتت العكرمي إلى أن تحديد أجل معقول للقضية يمكن الدفاع من الترافع والإعداد الجيد للملف، ولكن هذا لم يحصل في مثل هذه القضايا. والمفارقة في رأيها، أن "محاكم التعقيب اشتغلت في دوائر (مناوبات) صيفية وهذا غريب".
وتابعت بأن هناك العديد من التجاوزات الإجرائية، فمثلاً رئيس الدائرة في قضية زوجها القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري والمسجون في ما يعرف بـ(قضية التدوينة) جرى التجريح فيه، وتقدم فريق الدفاع بمطلب تجريح (إبعاد) في حق رئيس الدائرة الجنائية، مستندين في ذلك إلى وجود شبهة عدم حياد، لأن هذا القاضي سبق أن عُزل من قبل البحيري الذي كان على رأس وزارة العدل، ولكن رغم ذلك قضت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس بتأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق البحيري، والقاضي بسجنه لمدة 10 سنوات. وقالت إن الهدف من التسريع في صدور الأحكام، "إسكات الأفواه، وهذا لا يتم إلا بغلق الملفات"، مشيرة إلى أن أغلب الملفات الكبرى حوكم فيها المعتقلون عن بعد، ولم يحضروا الجلسات، ولم يتمكن محامو الدفاع من الدفاع عن مندوبيهم، وبالتالي "لا يمكن الحديث عن عدالة، بل عن ملفات سياسية".
منية بوعلي: التسريع بغلق الملفات عدفه غلق باب زيارات المحامين للمعتقلين وفي ذلك مزيد التنكيل بهم
وبحسب المحامية منية بوعلي، فإن التسريع بغلق الملفات يهدف إلى "غلق باب زيارات المحامين للمعتقلين، وفي ذلك مزيد التنكيل بهم، وعزلهم عن المحيط الخارجي". وأوضحت لـ"لعربي الجديد"، أن ذلك يأتي في ظل أن "المؤسسة السجنية تعتمد على سياسة التضييق والعزل ومنع دخول الكتب التي يرغب فيها المعتقلون، مع مزيد التحكم في الإعلام وتحديد قنوات بعينها يشاهدها السجين السياسي، وهي التي عادة تفرضها المؤسسة السجنية". يضاف إلى ذلك، وفق بوعلي، التشدد في الزيارات المباشرة لعائلات المعتقلين السياسيين.
أما المحامية هيفاء الشابي، عضو هيئة الدفاع عن رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، فأكدت أن البت السريع في الملفات يعني حرمان المحامين زيارة المعتقلين السياسيين، موضحة لـ"العربي الجديد"، أنه "لم يعد بإمكانهم كمحامين زيارة منوبيهم، كما لا يسمح لها حالياً إلا بالزيارة العائلية مرة في الأسبوع وتحديداً يوم الأربعاء". وقالت إنه "طالما لم تعد هناك قضايا منشورة في المحاكم، فالملف حسم قضائياً". والجمعة الماضي، كتبت هيفاء الشابي على "فيسبوك"، أن "حسن ظروف الاحتجاز لا يغيّر شيئاً من جوهر المسألة، فوالدي لا يقبع في السجن بسبب جرم ارتكبه، بل بسبب مواقفه ونشاطه السياسي العلني. وما يصحّ على والدي يصحّ على سائر المعتقلين بسبب آرائهم، ولا يتمتّع جميعهم بالضرورة بالظروف ذاتها".
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗