المشروع الوطني الفلسطيني: نقاش البرامج والحلول
يستكمل هذا النص مقالاً سابقاً للكاتب في "العربي الجديد" بعنوان "المشروع الوطني الفلسطيني بين البرامج السياسية والأدوات النضالية" (5/10/2016)، تطرّق إلى المسار المتعرج بين الكفاح المسلح والتنازلات المتدرّجة للالتحاق بركب التسوية السياسية، وتتبّع تحوّل الوسائل النضالية، وتحديداً الكفاح المسلح (حقق مكتسباتٍ كبرى) إلى برنامج، حتى ارتدى ثوباً من القداسة جعله يوازي المشروع الوطني نفسه، لينتقل هذا النص إلى نقاش الحلول والبرامج، ومدى اتساقها مع المشروع الوطني الفلسطيني، محاولاً تحديد البرنامج الرئيس لهذه المرحلة.
جرت في عام 1968 حوارات بين حركة فتح وأحزاب اليسار الأوروبي التي طالبت المقاومة بتقديم حلٍّ عادلٍ للقضية الفلسطينية، ومثّل حركة فتح في هذا الحوار محمد أبو ميزر (أبو حاتم) الذي نقل الصيغة المتفق عليها إلى صلاح خلف (أبو إياد) وفاروق القدومي (أبو اللطف) اللذين أطلقا في مؤتمر صحافي في بيروت (أكتوبر/ تشرين الأول 1968) شعار إقامة الدولة الديمقراطية التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في فلسطين كلها. ولاحقاً، وبعد مسار متعرج رُسمت خيوطه الأولى منذ برنامج النقاط العشر عام 1974 الذي تضمّن إقامة سلطة وطنية مقاتلة على أي بقعة أرض تتحرّر، عدلت الحركة، في 1988، عن هذه الفكرة، وتبنّت إقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، والمشاركة (لم تتم) في مؤتمر دولي للسلام، يُعقد وفق قرارَي مجلس الأمن 242 و338. وقد تحوّل هذا لاحقاً إلى برنامج حل الدولتين؛ دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية. وبعد اتفاق أوسلو، تجاوز هذا البرنامج كونه برنامجاً قد يصيب أو يخطئ، أو تُجرى عليه تعديلات، أو يُستبدل، شأن أي برنامج سياسي، ليتحول إلى المشروع الوطني الفلسطيني الذي لا تجوز مخالفته أو الاعتراض عليه، فهو مبرّر وجود السلطة الفلسطينية وبقائها، وأساس شرعيتها.
ثمة اعتقاد لدى قطاعات واسعة في صفوف الشعب الفلسطيني بأنّ حل الدولتين دُفن بفعل الضمّ الفعلي لغالبية أجزاء الضفة الغربية، وحرب الإبادة في غزّة، وتغوّل الاستيطان، واستمرار الاحتلال، وأنه لا يمثل المشروع الوطني الفلسطيني لتجاهله الجزء الأكبر من الأرض الفلسطينية والفلسطينيين الذين بقوا فيها، وكذلك اللاجئين وحقهم في العودة؛ كما أنه يتجاهل أبعاد المشروع الصهيوني في فلسطين.
هناك من يلوّح بفكرة الدولة الواحدة فزّاعةً لإخافة عتاة الصهاينة المعارضين حل الدولتين، بحجة أن معارضتهم هذه تمهّد الطريق لدولة واحدة تتكاثر فيها أغلبية عربية تُنهي نقاء الدولة اليهودية
في الوقت نفسه، يحظى حل الدولتين بتأييد معظم الدول العربية، ويلقى قبولاً عامّاً من المجتمع الدولي، لكنه يفتقر إلى أي خطوات عملية، حتى أصبح يُستخدم لإدارة الصراع لا لحله؛ فحل الدولتين بالصيغة المطروحة يهدف إلى انتزاع اعتراف فلسطيني بالدولة اليهودية، لا إلى إقامة دولة فلسطينية، وهو الأمر المفقود في المعادلة الدولية وفي المبادرة العربية التي تنادي بهذا الحل. ولعل البديل في المطالبة بإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، ما يوجب، أولاً وقبل كل شيء، العمل على تفكيك الاستيطان ودحر الاحتلال، وممارسة ضغط دولي وعربي في هذا الاتجاه، بدلاً من المراوحة في دوامة المفاوضات وإدارة الصراع عشرات الأعوام. وأي تقدّم في هذا الطريق، مهما كان محدوداً، سيشكل خطوة على طريق تحقيق المشروع الوطني، ولا يتناقض معه.
... انطلقت فكرة الدولة الواحدة من مجموعة عوامل؛ أولها محاولة الفلسطينيين تقديم حل عادل للقضية الفلسطينية، يلحظ وجود اليهود في فلسطين ومستقبلهم، كما في الصيغة الأولى لشعار الدولة الديمقراطية عام 1968. ولاحقاً، استجدّت عوامل أخرى أعادت النقاش بقوة حول فكرة الدولة الواحدة، حين تبخّر الوهم بإمكان تحوّل السلطة الفلسطينية إلى دولة عبر المفاوضات، وباتت الأرض الفلسطينية كلها تحت قبضة الاحتلال الصهيوني بأشكاله المختلفة.
للإنصاف، ينبغي القول إنّ الدوافع وراء هذه الأفكار متباينة؛ فهناك من يلوّح بفكرة الدولة الواحدة فزّاعةً لإخافة عتاة الصهاينة المعارضين حل الدولتين، بحجة أن معارضتهم هذه تمهّد الطريق لدولة واحدة تتكاثر فيها أغلبية عربية تُنهي نقاء الدولة اليهودية. وهناك من يزعم أنّ السيطرة الصهيونية على الأرض الفلسطينية كلها تحقق الدولة الواحدة بحكم الأمر الواقع، ويستنتج من هذا ألّا لزوم لإضاعة الوقت في مناقشة قضايا مثل الضم والاستيطان، متجاهلاً الطبيعة الصهيونية لهذه السيطرة، واستمرار الاحتلال والطرد والتهجير. وثمة فئة ثالثة مناضلة تتمسّك بفكرتها المستندة إلى أن شرط الدولة الواحدة تفكيك الدولة اليهودية، وتبذل جهداً في بناء تحالف بين مناضلين فلسطينيين ويهود معادين للصهيونية، في وقت نشهد فيه انزياح المجتمع اليهودي نحو اليمين، وغياب أي قوة يهودية فاعلة تسير في هذا الاتجاه.
نظام الأبارتهايد الصهيوني هو الخصم الرئيس للشعب الفلسطيني، ومقاومته هي الحلقة المركزية في نضاله ومشروعه الوطني؛ فهذا النظام يشمل أجزاء الوطن كله
لا تقلّ صعوبات حل الدولة الواحدة عن صعوبات حلّ الدولتين؛ فإذا كان الصهيونيون يرفضون حل الدولتين، ويعملون لضمان نقاء الدولة اليهودية، مستخدمين في هذا جميع أسلحتهم، من قانون القومية إلى الاحتلال والاستيطان والطرد والتهجير والإبادة الجماعية، فهل سيوافقون على حل الدولة الواحدة؟ بل هل هذه المرحلة مرحلة بحثٍ عن حلول، أم هي مرحلة مراكمة للنضال كي نتمكّن من تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، التي لا يمكن أن تتحقق بمعزلٍ عن تفكيك الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في فلسطين كلها؟
... ثمة حلقة مركزية في كل مرحلة ترسم المسار النضالي؛ فمن السعي إلى تغيير الواقع العربي، إلى ترقّب الوحدة، وحرب الجيوش العربية لتحرير فلسطين، وصولاً إلى الكفاح المسلح، وشعارات حرب الشعب طويلة الأمد، والانتفاضة الشعبية، ثم الانكفاء نحو الحل المرحلي لإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، وإعلاء قيمة المفاوضات في الوصول إلى الأهداف الوطنية، ووصف هذا بأنه المشروع الوطني الفلسطيني. أما اليوم، فإنّ نظام الأبارتهايد الصهيوني هو الخصم الرئيس للشعب الفلسطيني، ومقاومته هي الحلقة المركزية في نضاله ومشروعه الوطني؛ فهذا النظام يشمل أجزاء الوطن كله، وقطاعات الشعب كلها: الاحتلال والحصار والاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزّة، والطرد والتهجير وحرمان فلسطينيي الشتات من حق العودة، والتهجير الداخلي وقانون القومية والتمييز والتنكيل العنصري في الأراضي المحتلة عام 1948. وهو ما يمكّن الشعب الفلسطيني في مناطقه المختلفة من صوغ برامج خاصة بكل مجموعة، تتكامل فيما بينها في مشروع مركزي واحد؛ ففلسطينيو الشتات يناضلون من أجل حق العودة ودعم صمود أشقائهم، وفي الضفة وغزّة يتشكل البرنامج من الصمود ومقاومة الاحتلال والطرد والإبادة، وفي فلسطين المحتلة عام 1948 يتشكل البرنامج من الصمود ومكافحة نظام الفصل العنصري والمحافظة على الهوية القومية. ويلتقي هؤلاء جميعاً في إطار حركة وطنية فلسطينية جامعة.
الحلقة المركزية هي النضال ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني في فلسطين كلها، بوصفه البرنامج القادر على توحيد الفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة
أصبح "الأبارتهايد الإسرائيلي" توصيفاً معتمداً لدى هيئات حقوقية دولية وإسرائيلية وفلسطينية، منذ تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) عام 2017، وتقارير المنظمات الحقوقية الكبرى بعده. وهو توصيف يوفّر إطاراً يوحّد نضال الفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة، ويخاطب الرأي العام العالمي بلغة يفهمها، ويستحضر تجربة النضال ضد نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، مع أهمية الوعي بالفوارق الجوهرية بين التجربتَين؛ فالأبارتهايد في فلسطين قائم على الاستعمار الكولونيالي الاستيطاني الإحلالي، لا على استغلال السكان الأصليين واستبقائهم قوةً عاملة. وعلى هذا الأساس، ينبغي تمييزه والعمل في إطاره؛ فالنضال ضده برنامج يستمد معناه من المشروع الوطني الثابت الذي يسعى إلى تحقيقه.
ما ينتهي إليه هذا المقال أنّ المرحلة الراهنة، بما فيها حرب إبادة، والوصاية الدولية على غزّة، والضم الزاحف في الضفة، وإعادة هندسة النظام السياسي، ليست مرحلة تقديم الحلول أو التفاوض عليها، بل مرحلة مراكمة للنضال وإعادة بناء للحوامل، وإنّ الحلقة المركزية فيها هي النضال ضد نظام الأبارتهايد الصهيوني في فلسطين كلها، بوصفه البرنامج القادر على توحيد الفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة، من دون أن يتحول هو الآخر إلى مشروع وطني بديل. وهذا يتطلب مسارَين متوازيَين: استرداد منظمة التحرير الفلسطينية عبر إطار تمثيلي منتخب ومؤتمر تأسيسي، وتجديد الحركة الوطنية الفلسطينية أو إعادة بنائها في تيار ديمقراطي تعدّدي يعيد ارتباطها بمرحلة التحرّر الوطني.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗