28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
🔗 /si/31756

إضرابات فرنسا بعيون اللاجئين

أظهر اللاجئون، ولا سيما في فرنسا، مواقف متباينة ومتناقضة حيال الإضرابات الجارية. فقد التزمت الغالبية الصمت، وكأن هذه الأحداث لا تعنيها، باعتبارها شأناً فرنسياً صرفاً، وكأنهم ما زالوا ضيوفاً على فرنسا. وربما يعود ذلك إلى قلقهم الشديد من مخاطر تتراءى لهم متضخمة في أذهانهم، مثل الترحيل والحرمان من الإعانات والسكن، وغيرها من القضايا التي يرون أنها تحظى بالأولوية القصوى في حياتهم.

لكن هذه الفئة اكتفت بالتعبير عن امتعاضها من توقف وسائل النقل أو تأخرها طويلاً، في أحسن الأحوال، ومن مشاهد العنف في الشوارع. ورأت أن ما يحق لها التعبير عنه هو ما تعانيه شخصياً وبشكل مباشر، ولا سيما إذا فاتتها مواعيد مهمة، أو اضطرت إلى السير مسافات طويلة، أو تأثرت بالغاز المسيّل للدموع. ووصلت بعض المواقف إلى حد تخوين كل من يشارك في الإضرابات أو في المظاهرات الداعمة لها، بذريعة أن التخريب مرفوض، وأنه خسارة يتحملها الجميع، كما عبّر بعضهم. ورأى أصحاب هذه المواقف أن على اللاجئين الالتزام والانضباط، وتقديم صورة حسنة وإيجابية عن وجودهم في فرنسا.

تبرز هنا مسألة تفرض نفسها: إن السوريين والسوريات، عموماً، لم يعرفوا، أو لم يختبروا فعلياً وعلى أرض الواقع، معنى الدولة وبنيتها، وطبيعة أدوارها، وكيفية ممارسة هذه الأدوار من جانب المواطنين والمؤسسات على السواء. كما أنهم لم يمارسوا المواطنة في أبسط صورها، بوصفها حقوقاً وواجبات. فعلى امتداد سنوات طويلة من أعمارهم، فُرض عليهم تصور واحد مشوّه ومختلّ للعلاقة بين المواطن والدولة.

ولا يقتنع كثيرون منهم بأن الإضرابات أشكال احتجاجية مدنية طبيعية تكفلها الدولة، وأن من واجبها حماية المتظاهرين أنفسهم من أي اعتداء أو عنف قد يتعرضون له من أي طرف أثناء التظاهر. بل إن الغالبية تنظر إلى هذه الاحتجاجات بوصفها خروجاً على الدولة، واعتراضاً على القانون، ومخالفة للانضباط العام الذي يُفترض أن يلتزم به الأفراد وحدهم.

السوريون والسوريات، عموماً، لم يعرفوا، أو لم يختبروا فعلياً وعلى أرض الواقع، معنى الدولة وبنيتها، وطبيعة أدوارها، وكيفية ممارسة هذه الأدوار من جانب المواطنين والمؤسسات على السواء

ولا بد من الإشارة إلى أن أذهانهم ومشاعرهم ما زالت تربط احتكار القوة بما عرفوه من نموذج للدولة، أي بالأجهزة الأمنية. وهذا ما تؤكده تصريحات كثيرين منهم، مثل قولهم: "كلما رأيت شرطياً أشعر بالخوف". فما زالت ذاكرة الرعب حية وطازجة، وما زال فهم الأدوار المختلفة للدولة والمواطن عصياً على الموازنة بين الاعتبارات العاطفية والمصلحية، وربما الوجودية أيضاً.

وثمة زاوية أخرى يمكن أن تفسّر موقف بعض السوريين من الإضرابات والتظاهرات، وهي أن السلمية تعني لهم الاكتفاء بلافتات ومطالب واضحة وعامة، من دون ذكر أسماء أو قرارات أو إدارات محددة. فمفهوم السلمية يرتبط لديهم بالتزام مفرط، ينطوي على قدر من السلبية؛ إذ يريدون إعلان وجودهم في الشارع، معتبرين ذلك إنجازاً عظيماً، لكن ضمن الحدود المسموح بها، مهما ضاقت هذه الحدود وتقلّصت المساحة المتاحة للتحرك.

وهكذا، تختلط صورة التظاهر ومعناه وجدواه في أذهانهم بما هو مسموح، وهو ضيق ومحدّد، وما هو ممنوع، وهو أوسع نطاقاً وأكثر نفاذاً وبطشاً.

التشابك بين واقع وجود اللاجئين وآليات تفاعلهم مع القضايا العامة ما زال محدوداً. فقواميس الحقوق لديهم ترتبط بما يُمنح لهم، لا بما يمكنهم المشاركة فيه على أساس المواطنة الكاملة

وحين تسأل بعضهم عن رأيه في الممتلكات العامة، يأتي الرد سريعاً بأنها، حكماً، ملك للدولة، بدليل أنها هي التي تنشئها وتشرف عليها وتصلحها. ويغيب عن هذا التصور الشعور بأن هذه الممتلكات ملك للمواطنين أيضاً. فما تقوم به الدولة تجاه الممتلكات العامة هو جزء من واجبها في إدارة المال العام وإنفاقه، باعتباره مالاً يعود نفعه إلى المؤسسات والأفراد معاً.

لكن سنوات اللجوء الطويلة ما زالت، في نظر كثيرين، تجعل هذه الحقوق حكراً على المواطنين الأصليين، لا حقوقاً يمكن للاجئين أيضاً إدراك أبعادها والمشاركة في النقاش بشأنها، رغم استفادتهم من المال العام، وإن ضمن أطر محددة وضيقة وشديدة التقييد.

إن التشابك بين واقع وجود اللاجئين وآليات تفاعلهم مع القضايا العامة ما زال محدوداً. فقواميس الحقوق لديهم ترتبط بما يُمنح لهم، لا بما يمكنهم المشاركة فيه على أساس المواطنة الكاملة. وقد يساعد ذلك على تفسير محدودية الاندماج واستمرار العزلة النفسية والاجتماعية، حتى عندما يلتحق اللاجئون بالعمل والدراسة، ويلتزمون انضباطاً صارماً في الحياة العامة.

النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.

المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.