المفاوضات الليبية في أنقرة تنتهي من دون حسم الخلافات
عاد طرفا المفاوضات الليبية التي استضافتها أنقرة يومي الجمعة والسبت إلى ليبيا، من دون التوصل إلى اتفاق نهائي بين طرابلس وبنغازي، وسط خلافات حول هيكل القيادة العسكرية وعلاقتها بالسلطة السياسية، بينما اتُّفق على استكمال المشاورات لاحقاً، من دون تحديد موعد جديد لاستئناف المفاوضات.
تعمق أكثر
وكان صدام حفتر، "نائب قائد القيادة العامة" في بنغازي، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، قد وصلا إلى أنقرة مساء الجمعة، لبدء مفاوضات برعاية تركية بشأن مسودة اتفاق ليبي يشمل توحيد المؤسسات، في ظل تباين بين حصر الاتفاق في الترتيبات العسكرية والفنية، أو توسيعه ليشمل مناصب سيادية، على رأسها المجلس الرئاسي. وأكدت مصادر ليبية مطلعة لـ"العربي الجديد" أن المفاوضات لم تسفر عن نتائج حاسمة، باستثناء التفاهم على خطوط عريضة تتعلق بهيكل المؤسسة العسكرية، والاتفاق على العودة إلى القيادات في طرابلس وبنغازي لإجراء مزيد من المشاورات.
وأوضحت المصادر أن الخلافات استمرت بشأن طبيعة الترتيبات العسكرية وعلاقتها بالسلطة السياسية، إذ طالب صدام حفتر برئاسة المجلس الرئاسي مقابل إلغاء منصب "القائد العام"، الذي استحدثه مجلس النواب في الهيكل العسكري عام 2015 وأسنده إلى والده خليفة حفتر. في المقابل، تحفظ الزوبي على هذا الطرح، متمسكاً بحصر التفاوض في المسائل العسكرية والفنية، وإرجاء بحث المناصب والترتيبات السياسية إلى مسار تنفيذ اتفاق 4+4 المعني بتوحيد مؤسسات الدولة، بما فيها السلطة التنفيذية التي يندرج المجلس الرئاسي ضمنها.
واستند صدام حفتر في مطالبته بإدراج المجلس الرئاسي ضمن المفاوضات إلى صفة المجلس باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة وفق الإطار الدستوري والقانوني القائم، في مقابل رأي الزوبي الذي يعتبر أن رئاسة المجلس الرئاسي وتركيبته من المسائل السياسية. وامتد الخلاف إلى الجهة التي ستتبعها المؤسسة العسكرية بعد توحيدها، إذ يطالب الزوبي بإخضاعها لوزارة الدفاع، بينما يتمسك صدام حفتر بتبعيتها للمجلس الرئاسي.
وشملت المباحثات أيضاً توزيع الصلاحيات داخل القيادة العسكرية الموحدة، وآليات اتخاذ القرارات وإصدار الأوامر وإدارة العمليات وتحريك القوات وتعيين القيادات، إلى جانب تنظيم الميزانيات العسكرية والإشراف عليها. واتفق الطرفان على أن تكون مدينة سرت مقراً للقيادة العسكرية المشتركة، إلى جانب بحث تصورات تحدد صلاحيات ومسؤوليات وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي، وما يتصل بها من مسائل، بما يحقق التوازن في الصلاحيات ويحول دون انفراد أي طرف بالقرار العسكري.
وبينما لم يعلن الجانبان الليبيان رسمياً عن المفاوضات، كتب صدام حفتر، على حساباته في مواقع التواصل قبيل بدء المفاوضات، تدوينة بمناسبة عيد التحرير الليبي، شدد فيها على أهمية تجاوز الخلافات وجمع "ما فرقته سنوات الانقسام، وأن نعيد للدولة وحدتها". وفي حين هنأ الليبيين بذكرى التحرير التي تصادف اليوم، قال: "ولعل أكتوبر يحمل لوطننا من جديد بداية مرحلة تطوي صفحات الانقسام، وتفتح أبواب التوافق، وتعيد الأمل في الانتقال إلى مستقبل تتوحد فيه الإرادة الوطنية، وتلتقي فيه الجهود من أجل ليبيا واحدة، آمنة ومستقرة".
وبينما لم تعلن تركيا رسمياً استضافة هذه المفاوضات، قال وزير خارجيتها هاكان فيدان، في مؤتمر صحافي أول من أمس الجمعة، عقب استضافة اجتماع وزراء خارجية مجموعة R4 ومجموعة R4+E3، إن بلاده وصلت "إلى مرحلة نضجت فيها الظروف لضمان" توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا "بصورة دائمة، فلدى الجانبين هياكل عسكرية، وينبغي جمع هذه الهياكل تحت مظلة جيش وطني واحد"، مضيفاً: "بإذن الله، ستسمعون قريباً جداً أخباراً جيدة جداً من تركيا بشأن هذا الأمر".
ويأتي الحراك التركي في الملف الليبي بالتزامن مع مسارات سياسية واقتصادية ترعاها أطراف دولية وإقليمية، فمنذ يوليو/تموز من العام الماضي، شهدت ليبيا انخراطاً أميركياً قاده مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، دفع طرابلس وبنغازي نحو التقارب، الذي تجسد في التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية الموحدة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في إبريل/نيسان الماضي.
كما أطلقت البعثة الأممية مسار طاولة 4+4 بمشاركة ممثلين عن طرابلس وبنغازي، ضمن خريطة الطريق السياسية، وانتهت اجتماعاتها إلى توقيع اتفاق في 30 أغسطس/آب الماضي لرسم مسار المرحلة المقبلة، وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. ومع ذلك، لم يصدر عن الجانبين الأميركي والأممي موقف واضح ومعلن من التحركات التركية المتسارعة أخيراً في الملف الليبي.
وبرز الانخراط التركي في تطورات الملف الليبي مع التغيير في رئاسة مجلس النواب، وإقرار الرئاسة الجديدة، في أول قرار لها، الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، في خطوة عكست انفتاحاً متزايداً من معسكر حفتر على أنقرة، قبل أن تستضيف الأخيرة المفاوضات العسكرية الحالية. ويُنظر إلى توحيد المؤسسة العسكرية بين طرفي السلطتين الفاعلتين في ليبيا باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتهيئة الظروف لتنفيذ اتفاق 4+4، بما يشمل بناء سلطة تنفيذية مشتركة وتوحيد المؤسسات الأخرى، تمهيداً لإطلاق مسار انتخابي خلال 24 شهراً.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗