احتجاجات في مدن أوروبية على قضايا سياسية ومعيشية
شهدت عواصم ومدن أوروبية، اليوم السبت، احتجاجات حاشدة حملت مطالب اجتماعية وسياسية متباينة. ففي تيرانا عاصمة ألبانيا، احتج آلاف الأشخاص على الفساد وتردي التعليم، وطالبوا باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، فيما خرج آلاف في مدريد الإسبانية دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية، بينما شهدت ميلانو الإيطالية انتشاراً أمنياً كثيفاً مع انطلاق تظاهرات على خلفية الاحتجاج على خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتأتي هذه التحركات في أجواء سياسية متوترة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية في إسبانيا، وتصاعد الاحتجاجات في ألبانيا على مدى أكثر من 130 يوماً، وتشديد الحكومة الإيطالية الإجراءات الأمنية بعد أعمال عنف شهدتها ميلانو الأسبوع الماضي. وبينما اتسعت مطالب المحتجين في ألبانيا من مشروع سياحي إلى قضايا التعليم والفساد ومستقبل الشباب، ركزت التظاهرة الإسبانية على حماية المعاشات والخدمات العامة، في وقت تواجه فيه حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا احتجاجات على سياساتها الاقتصادية والأمنية.
وبدأت التظاهرات في مدن أوروبا من حراك شبابي طلابي انطلق في فرنسا، ثم برزت في ألبانيا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا بمطالب متباينة.
ألبانيا
تظاهر آلاف الأشخاص في العاصمة الألبانية تيرانا السبت تنديداً بتردي ظروف الدراسة والفساد، ومطالبين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. واستخدمت قوات الأمن خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي بعدما رشق متظاهرون وزارة التربية بالحجارة، فيما انتشرت شرطة مكافحة الشغب ووحدة تدخل خاصة في محيط المباني الرسمية. وانضم طلاب الجامعات والمدارس الثانوية إلى الاحتجاجات منذ منتصف أكتوبر/تشرين الأول، مع بدء العام الدراسي، ما أعطى زخماً جديداً لحراك بدأ قبل أكثر من 130 يوماً.
وبعد نحو نصف ساعة على بدء التجمع أمام وزارة التربية عند الساعة الثانية بعد الظهر، رشق عدد من المتظاهرين المبنى بحجارة الأرصفة، وفق ما عاينت صحافية في وكالة فرانس برس. وأغلقت متاجر كثيرة أبوابها، ووضع بعضها أوراقاً كتب عليها "لا تمسونا، نحن معكم"، بعدما أحرقت واجهات متاجر في 13 أكتوبر/تشرين الأول. كما أغلقت السلطات مباني عامة بألواح خشبية، ونصبت حواجز معدنية عند مداخلها، فيما بقيت أسلاك إشارات مرور متدلية بعدما اقتلعت بهدف تعطيل كاميرات المراقبة.
في ألبانيا، تعكس الاحتجاجات قلقاً من مستقبل الشباب في بلد غادره أكثر من 1.5 مليون شخص منذ نهاية الحقبة الشيوعية عام 1990
وتعود جذور التحرك إلى مايو/أيار، حين بدأت احتجاجات على مشروع سياحي مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويخطط لإقامته في منطقة طبيعية محمية. وظهر المشروع للمرة الأولى عام 2024، لكن الاحتجاجات تصاعدت أواخر مايو/أيار بعد ظهور أسلاك شائكة على شواطئ زفيرنيتس، على بعد 150 كيلومتراً جنوب غرب تيرانا. ومن دون قيادة واضحة، طالب المحتجون بإلغاء المشروع وتعديل القوانين الناظمة للمناطق المحمية والاستثمارات الاستراتيجية، قبل أن تتسع مطالبهم لتشمل ظروف التعليم وانعدام الآفاق المستقبلية.
وتقول الناشطة سيدوريلا فاتنيكاي، البالغة 27 عاماً، إن "هناك غضباً عارماً"، ووصفت التحركات بأنها "ثورة"، معتبرة أن القضية تتجاوز ملف الطلاب أو النضال البيئي، وتمس دولة القانون والعدالة. ويقول طالب جامعي يدعى أسيم، ويبلغ 20 عاماً، إنه يشارك لأن "لا شيء يسير كما ينبغي"، مضيفاً أن الوظائف الجيدة لا يحصل عليها الناس على أساس الجدارة، بل عبر العلاقات الحكومية. وتحتل ألبانيا المرتبة الـ91 في أحدث تصنيف لمنظمة الشفافية الدولية الذي يشمل 182 دولة.
تقارير دولية التحديثات الحية
تجدد الاحتجاجات في فرنسا: مواجهات محدودة وتوقيف قرابة ألف شخص
كما تعكس الاحتجاجات قلقاً من مستقبل الشباب في بلد غادره أكثر من 1.5 مليون شخص منذ نهاية الحقبة الشيوعية عام 1990، ولا يزال يقيم فيه نحو 2.3 مليون نسمة. وقالت روزيلا ميرا، وهي طالبة سنة أولى في كلية الطب، إن المحتجين لا يريدون بناء أحلامهم في مكان آخر، فيما لفتت شقيقتها، الطالبة في المرحلة الثانوية، إلى تدهور ظروف التعليم ووجود 40 تلميذاً في الصف الواحد. وتطالب روزيلا بمستقبل في ألبانيا، فيما تقول أرتا ليتا، البالغة 18 عاماً، إن المحتجين ليسوا مجرمين، بل يريدون حياة أفضل ومستقبلاً في بلد يبلغ متوسط الأجور فيه نحو 930 يورو.
الصورة متظاهرون في تيرانا يطالبون باستقالة رئيس الوزراء، 24 أكتوبر 2026 (فرانس برس)
ويطالب المحتجون منذ أشهر باستقالة راما الذي يتولى السلطة منذ عام 2013، وينظمون تظاهرات يومية أمام مكاتب رئيس الوزراء. ودعا راما السبت إلى الهدوء مندداً بالعنف، لكنه اتهم جهات بالوقوف وراء "حرب متعددة الوسائل" وبأنها تغذي العنف من الخارج. كما نشر قائمة تضم نحو 40 شخصاً قال إنهم شاركوا في أعمال العنف، وأعلن عزمه إنشاء قاعدة بيانات للمشاركين، وإدراجهم في "سجل خاص" لمنعهم من السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي. وبقيت الكراسي الحمراء التي وضعها أمام مقر الحكومة للدعوة إلى الحوار خالية.
إسبانيا
تظاهر نحو 25 ألف شخص، وفق إحصاءات حصلت عليها وكالة فرانس برس من سلطات مدريد في وسط مدريد، السبت، دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية، قبل شهر من الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني. وسار المحتجون سلمياً مسافة كيلومترين بين محطة أتوتشا وشارع ألكالا، مروراً بمتحف برادو وساحة سيبيليس، رافعين لافتات كتب عليها "المعاشات التقاعدية حق مضمون" و"احموها".
كان زعيم المعارضة اليمينية في إسبانيا ألبرتو نونيز فيخو قد قال إن حزبه، حزب الشعب، سيعيد تقييم المعاشات التقاعدية بما يتوافق مع القانون إذا فاز في الانتخابات المبكرة
وقالت بيلار، البالغة 64 عاماً، إنها ترفض المساس بالمعاشات التقاعدية، منددة بما وصفته بالنزعة إلى خصخصة كل شيء. وأعربت عن ارتياحها لكون قضية السكن أثارت حراكاً في الأسابيع الأخيرة، خصوصاً بين الشباب، داعية إلى الدفاع عن الخدمات العامة، بما فيها التعليم والرعاية الصحية. وتأتي التظاهرة في وقت تتصدر فيه قضايا الخدمات والسكن والضمان الاجتماعي النقاش السياسي قبل الانتخابات.
وكان زعيم المعارضة اليمينية ألبرتو نونيز فيخو قد قال، الاثنين، إن حزبه، حزب الشعب، سيعيد تقييم المعاشات التقاعدية بما يتوافق مع القانون إذا فاز في الانتخابات المبكرة. ورد فيخو على اتهامات توجهها حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز لحزب الشعب بالسعي إلى إصلاح نظام المعاشات عبر إعادة النظر في الآلية التي تربطها بمعدل التضخم.
الصورة متظاهرون في مدريد دعماً لنظام المعاشات التقاعدية العامة، 24 أكتوبر 2026 (Getty)
وتطبق آلية ربط المعاشات بالتضخم منذ الأول من يناير/كانون الثاني 2022. وكان حزب الشعب قد صوت ضد القانون في نهاية عام 2021، منتقداً تكلفته على خزينة الدولة. وتتهم الحكومة الحزب بالسعي إلى خصخصة جزئية للنظام، بينما يقول فيخو إن إعادة تقييم المعاشات ستتم وفق القانون، في حال وصول حزبه إلى الحكم.
وبلغ متوسط المعاش التقاعدي في إسبانيا 1576 يورو شهرياً في سبتمبر/أيلول، ويستفيد منه نحو 6.8 ملايين شخص، بحسب وزارة الضمان الاجتماعي. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تحولت حماية المعاشات إلى محور سجال بين الحكومة والمعارضة، فيما سعى المتظاهرون إلى تأكيد أن المعاشات والخدمات العامة حقوق ينبغي الحفاظ عليها.
إيطاليا
كثفت قوات الأمن انتشارها في مدينة ميلانو السبت مع انطلاق تظاهرات مساء اليوم، بعدما اتخذت حكومة جورجيا ميلوني اليمينية المتطرفة إجراءات صارمة على خلفية أعمال عنف شهدتها المدينة الأسبوع الماضي. وحلقت مروحيات فوق ساحة بيازا ديل دومو المركزية، وانتشر جنود بزيهم العسكري في مجموعات، فيما شوهدت خمس آليات عسكرية ومدفع مياه في المكان. وقال بعض الزوار إنهم سيغادرون وسط المدينة إذا اندلعت الاحتجاجات.
وشهدت مدن إيطالية كبرى أخرى، السبت، احتجاجات على الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة، تخللتها أعمال عنف في تورينو وروما وبولونيا، حيث اندلعت مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين. ونشرت السلطات أعداداً كبيرة من قوات الأمن، وأغلقت متاجر أبوابها احترازياً، ولم يرصد مراسلو "رويترز" أعمال نهب أو تخريب خلال تظاهرات السبت.
وأثارت أعمال العنف التي شهدتها ميلانو الأسبوع الماضي مخاوف أصحاب المتاجر والسكان. ففي شارع فيا تورينو، حيث تعرضت محال للعنف الأحد الماضي، غطى بعض أصحاب المتاجر واجهاتها بألواح خشبية، فيما أغلقت محال أخرى أبوابها خلال فترة بعد الظهر، وأعدت خططاً لإجلاء الموظفين عند الضرورة. وقالت لايا غونزاليس، وهي نادلة تبلغ 27 عاماً قدمت من ضواحي برشلونة، إنها صدمت من صور العنف، وإنها بحثت عن أماكن أخرى لزيارتها إذا ازدادت الأوضاع سوءاً.
وتأتي التظاهرات وسط تحركات ينظمها طلاب وسائقو شاحنات ومزارعون احتجاجا على خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة
ونشرت الحكومة 500 جندي في ميلانو، وأقرت مرسوماً يخفف قواعد احتجاز القاصرين، ويفرض غرامات على أولياء أمورهم عن الأضرار التي يتسببون فيها خلال التظاهرات. كما نفذت الشرطة عشرات عمليات التفتيش قبيل احتجاجات السبت في إطار التدابير الأمنية التي اتخذتها الحكومة للحد من تكرار أعمال العنف.
وتأتي التظاهرات وسط تحركات ينظمها طلاب وسائقو شاحنات ومزارعون احتجاجاً على خفض الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة، بما فيها أسعار السكن والوقود. وانتقدت مجموعات طلابية تعامل الحكومة مع قضايا النظام العام، ودعتها إلى الاستجابة لمطالب المحتجين. كما أقرت الحكومة إجراءات مالية لمساعدة سائقي الشاحنات والصيادين على مواجهة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود الذي تسببت فيه الحرب في الشرق الأوسط.
الصورة تعزيزات أمنية قبل التظاهرات وسط ميلانو، 23 أكتوبر 2026 (Getty)
وأعلنت الشرطة توقيف رجل يبلغ 30 عاماً يشتبه في وقوفه وراء "حركة 17 أكتوبر/ تشرين الأول"، وهي المجموعة التي دعت إلى تنظيم تظاهرات السبت. وكانت حواجز أقامها سائقو الشاحنات قد شلت الحركة في جنوب إيطاليا، وتسببت على مدى أسبوع بنقص في الوقود والمواد الغذائية، قبل رفعها. وجاء انتشار قوات الأمن في ميلانو في ظل مخاوف من تجدد العنف واتساع أثر الاحتجاجات على حركة المدينة وأعمالها.
بلجيكا
وفي بروكسل، استخدمت الشرطة البلجيكية الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل خلال اشتباكات مع متظاهرين مناهضين للحكومة، اليوم السبت، بحسب شهود من وكالة رويترز ووسائل إعلام بلجيكية. وجاءت المواجهات بعد تجمع مئات المحتجين، معظمهم من الشبان، للمطالبة بتحسين ظروف التعليم وزيادة التمويل المخصص له.
وتأتي التظاهرة استمراراً لتحركات شهدتها بلجيكا خلال الأشهر القليلة الماضية، في وقت اتهم فيه محتجون الشرطة باستخدام العنف المفرط. غير أن الاشتباكات كانت أقل حدة ونطاقا من تلك التي شهدتها بلجيكا الأسبوع الماضي، وكذلك من الاحتجاجات الأوسع التي وقعت في فرنسا المجاورة.
الصورة متظاهرون يتجمعون في بروكسل، 24 أكتوبر 2026 (الأناضول)
وشاهد مراسلو "رويترز" محتجين يركضون في شوارع بروكسل بينما لاحقهم أفراد من الشرطة، كما شاهدوا أحد المتظاهرين يتعرض للضرب والركل. واستهدف محتجون دراجات هوائية ونارية مخصصة للتأجير، محاولين إضرام النار فيها بعد رشقها بلافتات الشوارع وأشياء أخرى.
وقالت شرطة بروكسل، في بيان مساء السبت، إنه لم تقع حوادث جسيمة، مشيرة إلى اتخاذ تدابير "لضمان الحفاظ على النظام العام وسلامة الجميع". وأضافت أنها احتجزت مؤقتاً 5 أشخاص بتهمة الإخلال بالنظام العام، و4 آخرين بتهمتي حيازة أسلحة محظورة والتحريض على أعمال الشغب، فيما أفادت وسائل إعلام بلجيكية بأن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع في واقعة منفصلة لتفريق مجموعة من المحتجين.
(فرانس برس، رويترز، العربي الجديد)
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗