نمو 4.5% وشباب بلا عمل: الصين أمام شبح التباطؤ الطويل
كل صباح، تغادر سوزان صن، البالغة 28 عاما، منزلها في مدينة تشونغتشينغ الصينية قبل التاسعة، ولا تعود قبل السادسة مساء.
لا تذهب صن إلى أي عمل. فقد فقدت وظيفتها في شركة إنترنت أواخر العام الماضي، لكنها تخفي ذلك عن والدتها وزوج والدتها اللذين يقيمان معها. وتقول لوكالة رويترز (Reuters): "إنهما ينقلان قلقهما إلي، عبر تعبيرات خفية وملحة ونبرة الصوت".
صن ليست حالة فردية. فقد رصدت رويترز ظاهرة متنامية في الصين لعاطلين يتظاهرون بالذهاب إلى العمل، ويقضون النهار في الحدائق والمكتبات والمقاهي والمراكز التجارية، تجنبا لضغوط الأسرة والمجتمع. وحصدت منشورات عن هذه الظاهرة أكثر من 610 ملايين مشاهدة على منصة دوين (Douyin)، النسخة الصينية من تيك توك.
وتعيد هذه الصورة إلى الأذهان مشهدا مشابها عرفته اليابان في التسعينيات، حين كان موظفون مسرحون يقضون أيامهم في الحدائق بدل المكاتب، في بداية ما عرف لاحقا بـ"العقد الضائع".
تعمق أكثر
نمو على الورق.. وقلق في البيوت
على الورق، لا يبدو الاقتصاد الصيني في أزمة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5% على أساس سنوي في الربع الثالث من 2026، متجاوزا توقعات المحللين البالغة 4.4%، بحسب بيانات رسمية نقلتها رويترز. ويضع ذلك هدف الحكومة للنمو هذا العام، بين 4.5 و5%، في متناول اليد.
لكن ما تحت السطح أقل طمأنينة. فقد هبط الاستثمار العقاري بنسبة 20.6% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 7.2%. أما مبيعات التجزئة، وهي المؤشر الأهم على إنفاق الأسر، فلم ترتفع سوى 1.1% في سبتمبر/ أيلول.
وفي المقابل، جاء الدعم الأكبر للنمو من الخارج. وقال الاقتصادي في بنك يو أو بي (UOB) هو ووي تشن: "الطلب الخارجي لا يزال يبقي الاقتصاد طافيا". وقال رايموند يونغ من بنك إيه إن زد (ANZ): "النمو استقر، لكنه لم يدخل بعد مرحلة تعاف ذاتي".
المنزل الذي كان خطة تقاعد
ظل العقار لعقود المخزن الأول لثروة الأسر الصينية. لم يكن المنزل مجرد مكان للسكن، بل خطة للتقاعد وضمانا لتعليم الأبناء ومصدرا للأمان المالي. لذلك، حين بدأت أزمة القطاع العقاري في 2021، لم تقتصر آثارها على شركات التطوير المتعثرة، بل امتدت إلى عدم شعور ملايين الأسر بالأمان. ويسمي الاقتصاديون هذه الظاهرة "أثر الثروة السلبي": حين تنخفض قيمة المنزل، يشعر صاحبه بأنه أفقر، فيؤجل مشترياته ويزيد مدخراته.
ولا تتوقف الأزمة عند الأسر. فالحكومات المحلية اعتمدت طويلا على بيع الأراضي للمطورين لتمويل البنية التحتية والخدمات. وقد تراجعت إيرادات مبيعات الأراضي الحكومية بنسبة 27.2% في الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بحسب وزارة المالية الصينية. وهكذا تتحول المشكلة من منزل فقد قيمته، إلى أسرة تقلص إنفاقها، إلى بلدية تعجز عن تمويل خدماتها.
جيل يبحث عن عمل
فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب من 16 إلى 24 عاما، باستثناء الطلاب، 18% في سبتمبر/ أيلول، بعدما سجل نحو 18.9% في أغسطس/ آب، بحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء التي نقلتها مجلة كايشين (Caixin). وهو أعلى معدل لشهر سبتمبر منذ بدء نشر هذه السلسلة بصيغتها الحالية في يناير/ كانون الثاني 2024. كما بلغ معدل البطالة في الفئة العمرية بين 25 و29 عاما 7.4%.
ويربط محللون تحدثت إليهم رويترز هذا التراجع بضعف سوق العمل، وأزمة العقار الممتدة، وضيق مالية الحكومات المحلية، إضافة إلى الأتمتة والانتشار السريع للذكاء الاصطناعي. فإحدى العاطلات في تقرير الوكالة، وتدعى تشانغ وتعمل منتجة مؤثرات بصرية، فقدت وظيفتها في أغسطس/ آب ضمن موجة تسريح ارتبطت بالذكاء الاصطناعي.
وتقول الأستاذة المشاركة في جامعة كورنيل (Cornell University) ديانا فو إن التظاهر بالعمل يسمح للعاطلين بحفظ ماء الوجه، وقد يخفف من الاستياء الجماعي، مضيفة أن هؤلاء "يساعدون الحكومة الصينية على تأجيل الخيار الصعب".
الحلقة المفرغة
هنا تتشكل الحلقة التي يخشاها الاقتصاديون: أسرة قلقة تدخر أكثر، فيضعف الاستهلاك، فتبيع الشركات أقل، فتتردد في الاستثمار والتوظيف، فيزداد القلق مرة أخرى. وهذه بالضبط إحدى الآليات التي أطالت ركود اليابان بعد انفجار فقاعة العقارات في أوائل التسعينيات. فحين تصبح الأسر والشركات خائفة، لا يكفي أن تجعل الحكومة الاقتراض أرخص، لأن المشكلة لا تكون في نقص المال، بل في غياب الرغبة في إنفاقه.
ولهذا تتزايد الدعوات الدولية لبكين لتغيير نموذج نموها. فقد قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك هذا الشهر، إن الدول ذات الفائض "تحتاج إلى زيادة الاستهلاك المحلي"، ملخصة الأمر بقولها: "الصين تحتاج إلى أن تنفق أكثر".
الصين ليست اليابان
فالصين ما زالت تنمو بوتيرة تفوق بكثير ما عرفته اليابان في عقدها الضائع. كما أن مستوى دخل الفرد فيها أقل بكثير مما كان عليه في اليابان آنذاك، ما يعني أن أمامها مساحة أوسع للحاق بالدول الغنية. وتملك الصين أيضا أكبر قاعدة صناعية في العالم، وصادرات تحقق أرقاما قياسية، واستثمارات ضخمة في السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق والذكاء الاصطناعي.
لكن هذه القوة نفسها تحمل مخاطرها. فالاعتماد على المصانع والصادرات لتعويض ضعف المستهلك المحلي يعني دفع مزيد من الإنتاج نحو الخارج، وهو ما يثير بالفعل نزاعات تجارية متصاعدة مع أوروبا والولايات المتحدة.
قد لا يكون السؤال الحقيقي إذن: هل ستصبح الصين يابان جديدة؟ بل: هل تستطيع بكين إعادة الثقة إلى الأسر قبل أن يتحول الحذر المؤقت إلى عادة طويلة الأمد؟
فحين يفقد المنزل جزءا من قيمته، ويصعب على الشاب العثور على وظيفته الأولى، ويضطر عاطل إلى التظاهر بالذهاب إلى العمل كل صباح، تبدأ أزمة النمو من المزاج الاقتصادي نفسه، قبل أن تظهر كاملة في أرقام الناتج.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗