أسباب انقسام الجالية العربية في البرازيل بين لولا وبولسونارو
العرب في البرازيل ليسوا على قلب رجل واحد في الانتخابات الرئاسية، إذ تنقسم أصوات الجالية العربية والمسلمة قبيل جولة الإعادة الحاسمة غداً الأحد، والتي يتنافس فيها الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا
الصورة
لولا دا سيلفا رئيس البرازيل
لولا دا سيلفا رئيس البرازيل، شغل المنصب على فترتين، الأولى كانت لولايتين بين عامي 2003 و2011، والثانية بدأت عام 2023 بعد فوزه على الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو في الجولة الثانية في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، بنسبة 51%. ، واليميني المتطرف فلافيو بولسونارو. يرى بعض هؤلاء الناخبين في لولا الأقرب إلى قضايا العرب وفلسطين، فيما يقدم آخرون هاجس الاقتصاد والمصالح التجارية على ما سواها، فضلاً عن اختلاف المواقف بين المهاجرين القدامى منهم والمهاجرين الجدد. في أحاديثهم لـ"العربي الجديد"، تتباين قراءات قادة الجالية وباحثيها ورجال أعمالها لخريطة التصويت ودوافعها.
هاجس اقتصادي في البرازيل
يقول الشيخ علي محمد عبدوني، ممثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي في أميركا اللاتينية، والمتحدث باسم الجالية، إن لولا "هو الأقرب إلى العرب والمسلمين، ليس في البرازيل فحسب، بل في القضية الفلسطينية وقضايا العرب عموماً"، وأنه "منفتح علينا". أما اليمين، فيشير عبدوني إلى أن الجالية تعرف توجهاته، معتبراً أن "معظم أبنائنا يقفون اليوم مع اليساريين". غير أن الصورة، في رأيه، لا تكتمل من دون الاقتصاد، فالبلاد تعاني، وهي بحاجة حقيقية إلى رئيس يملك إلماماً ومشروعاً اقتصادياً. من هنا يُفسر الانقسام، فبعض أبناء الجالية ولا سيما الأثرياء منهم، وفق عبدوني، يعطون الأولوية للملف الاقتصادي ويرون أن اليسار لم يحرز فيه إنجازاً كبيراً رغم قدرات البلاد الواسعة، فيصوتون لليمين من دون أن يشغلهم موقف اليسار من فلسطين وقضايا العرب.
من جهة أخرى يقول عبدوني إن موقف لولا من الحرب في فلسطين مشرف، لكن شريحة من الجالية ترى أنه لم يغيّر شيئاً على الأرض ما دام القتل مستمراً، وتريد مكاسب في الداخل، ولسان حالها: "عندي تجارتي وأموالي، وأعيش في هذه البلاد". ويستحضر في هذا السياق تجربة الرئيس البرازيلي الأسبق فرناندو هنريكي كاردوسو، الذي حكم البلاد ثماني سنوات في التسعينيات من القرن الماضي، بوصفه رجلاً متعلماً وصاحب سياسة منضبطة رفع البرازيل اقتصادياً. ويقول إن معظم من كوّنوا ثرواتهم فعلوا ذلك في عهده، وإن البلاد لا تزال تسير على الخطة نفسها، مضيفاً أن رئيساً بهذه المواصفات لو ترشح اليوم لصوّت له البرازيليون جميعاً. يذكّر عبدوني بأن اليمين سبق أن حكم البرازيل في عهد جايير بولسونارو، والد المرشح فلافيو، بين 2019 و2022، وكانت له مواقف إيجابية وسلبية بالنسبة للبرازيل، كما أعلن نيته نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، لكنه لم ينفّذ ذلك.
محمد عبدوني: الجالية العربية والمسلمة قوية ولها مكانتها ولا يستطيع أي رئيس تجاهلها
يرى عبدوني أن الجالية العربية والمسلمة "قوية ولها مكانتها ولا يستطيع أي رئيس تجاهلها"، مشيراً في هذا السياق إلى أنه استناداً إلى إحصاءات القنصلية اللبنانية، فإن المتحدرين من أصول لبنانية وحدهم يشكلون نحو 12 مليوناً (أكثر من ضعف عدد سكان لبنان)، فيما يقدّر عدد المسلمين بنحو مليون ونصف المليون. وعن خيارات المسلمين إن لحق بهم ضرر في حال فوز اليمين، يقول عبدوني إن البرازيل دولة قانون تحمي مواطنيها على اختلاف أديانهم، مستبعداً أي سياسة معادية لهم.
بين نارين
في مدينة فلوريانوبوليس بولاية سانتا كاتارينا جنوبي البلاد، يقر محمد علي، رئيس الجالية العربية في المدينة وهو برازيلي من أصل فلسطيني، بتفتت أصوات الجالية في الولاية. ويفسر ذلك بأن أبناءها واقعون بين نارين: الانفتاح والتحرر الأخلاقي غير المنضبط لدى اليسار، وتعصب اليمين وكراهيته للعرب وتعامله العنصري معهم، وفق تعبيره، في ولاية يصفها بأنها أحد معاقل اليمين المتطرف في البرازيل. ويشدد علي، على أنه لا يتفق مع السياسة الخارجية لليمين حيال القضية الفلسطينية، ولا مع التلويح بنقل السفارة البرازيلية في إسرائيل إلى القدس، وهو ما ناقشه باستفاضة في الفيدرالية الفلسطينية واتحاد الجمعيات الفلسطينية في البرازيل، مشيداً في الوقت نفسه بموقف اليسار المساند لفلسطين.
عرب قدامى وعرب جدد
الباحث البرازيلي من أصل عربي فكتوريوس شمس، يرى بدوره أن توجهات الجالية واضحة وضوح الشمس، إذ تنقسم إلى قسمين، "الأول الذين وصلوا بعد عام 2013 من المشرق، كسورية ومصر، أو من المغرب العربي، بمختلف تياراتهم، وهؤلاء مع اليسار". ويلاحظ أن لدى السوريين مثلاً، إشكالاً مع لولا بسبب علاقته الطيبة بإيران، لكنهم يعدونه أهون الشرين وأفضل من بولسونارو، الذي يخشون، من وجهة نظرهم، أن يفتح البلاد أمام إسرائيل والولايات المتحدة ومشروع درع الأميركيتين (تحالف أمني أعن عنه الرئيس الأميركي في مارس/ آذار الماضي).
أما القسم الثاني، وفق شمس، فهم "العرب القدامى الموجودون في البرازيل منذ عام 1835، مع أول عربي دخلها بجواز سفر، وأغلبهم مسيحيون من بلاد الشام". ويرى هؤلاء بحسب الباحث، أن مصالحهم أقل ارتباطاً بالعالم العربي، ولذلك يميلون إلى اليمين، موضحاً أن هذه الفئة تمثل ما بين 7 و8% من المجتمع البرازيلي، وهي مؤثرة، وإن أغلبها يقف إلى جانب بولسونارو
الصورة
فلافيو بولسونارو المرشح لرئاسة البرازيل
فلافيو بولسونارو، سياسي برازيلي يميني متطرف، الابن الأكبر للرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، أعلن ترشحه رسميًا للانتخابات الرئاسية 2026، وصعد للجولة الثانية في مواجهة لولا دا سيلفا. .
فكتوريوس شمس: لا توجد هيئة أو مؤسسة تضم الجالية التي وصلت حديثاً للبرازيل باستثناء المؤسسات الدينية كالمساجد والكنائس، ولا يراهَن عليهم حتى لو اتحدوا في جسم سياسي واحد
أما العرب الذين وصلوا حديثاً فلا يزيد عددهم، بحسب شمس، على 30 ألف شخص (يُقدّر عدد الناخبين في البرازيل بـ158.7 مليون ناخب)، وصوتهم غير منظم. ويوضح أنه لا توجد هيئة أو مؤسسة تضمهم باستثناء المؤسسات الدينية كالمساجد والكنائس، ولا يراهَن عليهم في البرازيل حتى لو اتحدوا في جسم سياسي واحد، فالمسألة، في رأيه، دعائية وسياسية.
جار قديم للولا
على الضفة الأخرى من التقدير الشخصي، يقدم رجل الأعمال البرازيلي من أصل لبناني زياد أحمد الصيفي، صورة مختلفة عن لولا، فعائلته على صلة وثيقة بالرئيس اليساري، بحكم جيرة تمتد عشرات السنين، منذ سطع نجمه في مصانع مدينة ساو برناردو دو كامبو بولاية ساو باولو، أكبر تجمعات المسلمين في البرازيل، حين كان عاملاً بسيطاً في السبعينيات. ويرى الصيفي أن لولا هو الرئيس الأقرب إلى الجالية، فقد زار مساجدها وكنائسها وأنديتها، ومنها النادي السوري عدة مرات. ويقول إن إنجازاته لا تخص الجالية وحدها بل الشعب البرازيلي كله، وفي مقدمتها، بحسب قوله، انتشال أكثر من 38 مليون مواطن من الجوع، وتوسيع التعليم ولا سيما الجامعي، فضلاً عن تحقيق مطالب عدة للجالية العربية والمسلمة والدفاع عن صورتها.
ويرفض الصيفي ما يردده بعض اليمين من أن لولا "يمشي مع الإرهابيين ويدعمهم" ويكره اليهود وإسرائيل، مؤكداً أن رئيس الدولة لم يقل شيئاً ضد إسرائيل، بل قال إنه لا بد من إقامة دولة فلسطينية حرة ووقف الإبادة الجماعية في غزة. وعن احتمال فوز بولسونارو، يتوقع الصيفي، رغم ديمقراطية البلاد، أن تتعرض الجالية للتضييق على أنشطتها والتدقيق فيها والإساءة إليها عبر وسائل الإعلام، لكنه لا يتوقع أن يصل الأمر إلى إغلاقات. ويستشهد بما يجري في الولايات المتحدة مع المرشحين من أصول عربية، وبما شهده بيت النائبة الأميركية من أصل صومالي إلهان عمر، وبما حدث في دول لاتينية وصل اليمين إلى الحكم فيها كالأرجنتين. ويقول: "نحن نعيش في بلد ديمقراطي ولدينا حرية، لكننا نرى ما يجري في أميركا".
تقارير دولية التحديثات الحية
انتخابات البرازيل: تقلّص الفارق بين بولسونارو ولولا قبل جولة الحسم
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗