لبنان: تأكيدات بالتوسّع في التحقيق بمتفجرات ضهر البيدر
لا تزال قضية "متفجرات ضهر البيدر" تتصدّر المشهد في لبنان، وتشغل اهتمامات المسؤولين الذين حاولوا، أمس الخميس، تمرير جلسة مجلس الوزراء بمخرج يجنّب اشتعال المواجهة السياسية، بينما تقف البلاد على صفيح داخلي ساخن، وذلك بإرجاء البتّ بإحالة الملف إلى المجلس العدلي لمزيد من البحث، مع التشديد في المقابل على التمسّك باستكمال التحقيقات حتى النهاية. وجاء هذا المخرج، الذي أغضب وزراء حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، نتيجة مشاورات موسّعة خلال الجلسة، خلُصت إلى ضرورة تفادي توتر داخلي كبير في هذه المرحلة، وتأجيل البتّ بالقرار من دون طيّه، خاصة أنّ التحقيقات لا تزال مستمرّة، والقضاء والأجهزة الأمنية تنشط في متابعتها.
وقبيل انعقاد الجلسة، تداولت بعض وسائل الإعلام اللبنانية تصريحات منقولة عن مصادر في حزب الله، تؤكد أن الحزب سيرفض أي استنابات قضائية تصدر بحق مسؤوليه، وسيصعّد تحرّكاته اعتراضاً، مع تكرار التأكيد أن الأسلحة التي ضُبطت يُحصر استخدامها بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأن التدخلات الأميركية في هذا الملف مرفوضة، وكذلك الضغوط التي تمارسها واشنطن على المسؤولين اللبنانيين وتدفعهم إلى تقديم التنازلات والرضوخ للإملاءات.
صفحة المجلس العدلي لم تُطوَ
وفي هذا الإطار، قالت مصادر سياسية لـ"العربي الجديد"، إن "مجلس الوزراء لم يطوِ صفحة إحالة القضية إلى المجلس العدلي، لكنه أرجأ البتّ بالبند لمزيد من البحث"، مشددة على أن "المسؤولين اللبنانيين متمسّكون بمتابعة التحقيقات حتى النهاية، وهناك ثقة كبيرة بأداء الأجهزة الأمنية والقضائية التي تبذل جهوداً جبّارة". من جهتها، قالت مصادر قضائية لـ"العربي الجديد"، إن "التحقيقات مستمرّة وتتوسّع، وفي دائرة المتابعة زوجة أحد الموقوفَيْن، ومالك السيارة التي ضُبطت في منطقة ضهر البيدر، والمسار مستمرّ ولن يتوقف".
وعلم "العربي الجديد" أن وزير العدل عادل نصّار، الذي تقدّم بطلب إحالة قضية المتفجرات المضبوطة في منطقة ضهر البيدر (التي تصل بيروت بالبقاع وصولاً إلى سورية) في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وفي منطقة القصر (محافظة بعلبك الهرمل) في 9 أكتوبر الجاري، إلى المجلس العدلي، متمسّك بمطلبه هذا، وسيعيد طلب طرحه على مجلس الوزراء، باعتبار أن القضية تمسّ بالأمن الوطني وتهدّده، وأن هناك جهة تبنّتها بشكل علني وصريح.
وطبقاً لمصادر تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإنّ "وزارة العدل تتابع مسار التحقيقات، ولن تقبل بأي تدخل سياسي فيها، وستتمسّك باستمرارها وتوسّعها حتى النهاية. لكن هناك، في المقابل، استياء لدى الوزراء المعارضين لحزب الله من طريقة تعاطي المسؤولين السياسيين مع القضية، رغم تعهّداتهم بمواصلة التحقيقات، إذ ما زالوا يراعون حزب الله ويختارون طرق التفاهمات بذريعة تجنيب البلد انفجاراً داخلياً، علماً أن المتفجرات التي ضُبطت تحتوي مادتي سي فور وتي أن تي، ووجودها في مناطق سكنية يهدّد المواطنين، وهناك شكوك جدية بإمكان استخدامها في الداخل، عدا عن أن التهاون والمماطلة في نزع السلاح سيُبقيان لبنان أمام احتمال زجّ البلاد في حرب إسناد ثالثة".
وفي 13 أكتوبر، أعلن وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار أن عناصر حاجز ضهر البيدر اشتبهوا، في 5 أكتوبر، بسيارة من نوع دودج كارافان رمادية اللون بسبب حمولتها الزائدة، ما استدعى تفتيشها، فعُثر بداخلها على كمية من المواد المتفجرة، ليجري توقيف السائق والشخص الذي كان برفقته، وأُحيلا مع المضبوطات إلى الشرطة العسكرية بناءً على إشارة القضاء المختص.
وفي 15 أكتوبر، أعلن عضو كتلة حزب الله البرلمانية "الوفاء للمقاومة"، النائب حسن فضل الله، أن السيارة تعود للمقاومة، وأن الأسلحة التي ضُبطت بداخلها موجّهة حصراً نحو جيش الاحتلال، وأن الحزب طالب باستعادتها. وقال: "منذ لحظة توقيف السيارة سارعت الجهات المعنية في المقاومة إلى التواصل مع الأجهزة الأمنية والقضائية وإبلاغها أن السيارة وحمولتها تعودان إلى المقاومة، وطالبت بالإفراج الفوري عن المعتقلين واستعادة السيارة وما بداخلها، لأنها قدرات تستخدمها المقاومة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا في الجنوب"، مشدداً على أن "شرعية المقاومة لا تؤخذ من هكذا سلطة تخلت عن السيادة ودورها في تنفيذ الحماية لشعبها وتريد سلب هذا الحق من أصحاب الأرض".
وقرّر مجلس الوزراء اللبناني، أمس الخميس، "متابعة البحث" في طلب وزارة العدل إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي، معتبراً أن هذه القضية خطيرة وتهدّد أمن البلاد وسلامة المواطنين، ومشدداً على ضرورة المضي في التحقيق من دون قيد أو سقف إلا سقف القانون.
حزب الله: تأجيل إحالة الملف إلى المجلس العدلي تريّث محمود
في غضون ذلك، قالت كتلة حزب الله البرلمانية "الوفاء للمقاومة"، بعد اجتماعها الدوري اليوم الجمعة، إن تأجيل إحالة ملف سيارة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي تريّث محمود بانتظار استكمال معالجته في الاتجاه الصحيح. وأشارت إلى أن "التنكّر لحق المقاومة المشروع في الدفاع الوطني ضد الاحتلال الصهيوني للبنان، فضلاً عن كونه مخالفاً للشرائع كافة والمواثيق الدولية والدستور والقوانين، يشكّل معبراً خطيراً لاستمرار العدوان ضد لبنان، ومصادرة سيادته وقراره الوطني وفرض التبعية عليه، وإملاء الإجراءات المؤدية إلى ذلك".
وقالت إن وثيقة الوفاق الوطني ونصوص الدستور رعت حق المقاومة، وتولّت الحكومات المتعاقبة اتخاذ القرارات والإجراءات الناظمة له والمكرّسة لمشروعيته، معتبرة أن مبدأ حصرية السلاح لا يستقيم اعتماده في ظل الاحتلال وتهديداته وشروطه، كما أن اتفاق وقف الأعمال العدائية منذ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لطالما التزمه حزب الله، فيما لا يزال العدو غير معترف به.
نواب يعترضون على التردّد في إحالة الملف إلى المجلس العدلي
وأثارت هذه الخطوة ردات فعل غاضبة من قوى سياسية ونواب معارضين لحزب الله، اعتبروا أن عدم الإحالة خطوة ناقصة، وأن الجهود المبذولة لحصر السلاح غير كافية. وقال النائب فؤاد مخزومي، عبر "إكس"، إن "خطورة هذه القضية على الأمن الوطني كانت تستوجب عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء في 6 أكتوبر، أي في اليوم التالي لضبط الشحنة، لاتخاذ قرار فوري بإحالة الملف إلى المجلس العدلي"، معتبراً أن "الإحالة ليست مسألة شكلية، بل رسالة واضحة بأن أمن لبنان وسيادة القانون فوق أي اعتبار سياسي".
من جهته، قال النائب ميشال معوض، عبر "إكس"، إن "التردّد في إحالة ملف المتفجرات إلى المجلس العدلي خطيئة بحقّ الشرعية وهيبة الدولة، ورسالة خطيرة بأنّ التهويل لا يزال قادراً على تعطيل مسار السيادة والعدالة". وأضاف: "وقاحة حزب الله في تبنّي نشاط عسكري وأمني محظور وتهديد الدولة تستوجب الصلابة، لا الرضوخ"، مشدداً على أن "المطلوب فرض سيادة الدولة والقانون، لا العودة إلى الأمن بالتراضي ومراعاة الميليشيا تحت شعارات دمّرت لبنان. فلا دولة إلا بقانون واحد يسري على الجميع".
وفي تاريخ لبنان، أُحيل العديد من الجرائم والاغتيالات السياسية إلى المجلس العدلي، علماً أن الكثير منها لم يصل إلى نهاية، فيما تأخرت الأحكام في قضايا عدّة سنوات طويلة. ومن بين الجرائم والاغتيالات السياسية والتفجيرات، نذكر اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، والرئيس بشير الجميل، ورئيس الوزراء رفيق الحريري، قبل انتقال القضية إلى المحكمة الخاصة بلبنان، ورئيس الحكومة رشيد كرامي، والوزير إلياس حبيقة، وغيرهم من الشخصيات السياسية، إلى جانب تفجيرات، مثل تفجير مرفأ بيروت، وتفجير كنيسة سيدة النجاة في منطقة ذوق مكايل (قضاء كسروان)، وتفجير التليل في عكار شمالي البلاد، وغيرها من القضايا العديدة. وتُحال الدعوى العامة إلى المجلس العدلي بناءً على مرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء، فلا يمكن للمجلس أن يضع يده من تلقاء نفسه على القضية الناشئة عن جريمة واقعة على أمن الدولة، إذ إن تقدير إحالتها إليه يعود إلى مجلس الوزراء. وإذا لم يصدر مثل هذا المرسوم، يبقى القضاء الجزائي العادي صالحاً للتحقيق والمحاكمة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗