حوار في زمان بلا نوعيّة
التقيتُ بصديقي الذي يحب الحوار على الرغم من قناعته بعبثية الحوار في زمان الطلقات! قد يبدو الأمر متناقضًا، إلّا أنَّ هذا التناقض يزول إذا علمتم أنَّ صديقي يحب تلكم الحوارات لأنّه يُزجّي بها وقت فراغه!
بعد السلام وعبارات المجاملة التي نقولها من باب التعوّد ليس إلّا، بادرني بالسؤال: هل لا تزال تتابع نشرات الأخبار؟ قلتُ في نفسي: سؤال طريف! ثم رفعتُ صوتي رادًّا: بالطبع؛ لأنَّ على المرء أن يعرف ما يدور من حوله. قال: حسنًا، وإذا عرف ما الفائدة؟ ألا ترى أنَّها معرفة لا تفيد وجهل لا يضر؟! ثم تابع: نحن، الشعوب العربية، في الآونة الأخيرة صرنا لا حول لنا ولا قوة، وصارت معرفتنا من عدمها سيّان؛ ولذا لم يعد لأي خبرٍ، مهما كان، وقْعٌ على النَّفس! فلِمَ نتابع نشرات الأخبار، ماذا أفادتنا متابعتها؟! قلتُ: قد يكون منطقك صحيحًا، لكن هل مقاطعة النشرات ستقدم حلاً لمعضلتنا العربية؟ قهقه صاحبي ثم قال باستنكار: معضلتنا العربية؟ ليتنا نعرف ما هي معضلتنا العربية على وجه التحديد؟! ثم استطرد: أعرف أنَّ مقاطعة نشرات الأخبار ليست حلاً، بيد أنَّ هذه النشرات لا تقوم إلّا بنشر غسيلنا العربي الذي تعرفه؛ فتزيدنا نحن الأفراد توترًا وانتكاسًا زيادةً على ما هو مخزونٌ لدينا منهما.
ودعني أسألك: ألم تصبح نفوسنا غائمة في متاهة الزمن الأخير؟ قلتُ: أظن ذلك! غائمة نعم، ليس بسبب نشرات الأخبار، بل لأنَّنا صرنا "روبوتات" بشرية تمارس حياتها في روتينية جامدة؛ حيث اليوم لديها مثل الأمس، مثل الغد، وهكذا دواليك، تمامًا مثل نشرات الأخبار التي تنتقدها. قال: وما سبب هذه الروتينية الجامدة؟ لوّحت بيدي: الأسباب كثيرة ومُشتَجِرَة بعضها ببعض، غير أنَّها تقود إلى سبب مشترك وهو سوء إدارة بلداننا التي يمارسها ساستنا منذ زمن بعيد. قال: لن نخوض في حديث السياسة لأنَّه حديثٌ لا طائل منه؛ فلن تجد حوارًا عربيًا سياسيًا يُفضي إلى شيء، ولنا في حوارات قنواتنا الفضائية المثال الأعظم. أومأتُ برأسي موافقًا من دون أن أنبس ببنت شفة.
ران علينا الصمت لحظةً قبل أن يكسره قول صديقي: هل تعرف أنّي لم أعد أحيا إلا كمال عدد! قلتُ: كيف؟ قال: معي رصيد من العمر، عدة سنوات أعيشها فقط؛ لا ترقّب لجديد ولا تحسّر على ماضٍ! وكأنَّ الشاعرَ عبد الله البردوني كان يصف نفسيتي عندما قال: في الزمانِ الخلو من معناهُ، لا / يبغضُ البغضُ، ولا الحبُّ يُحِبْ لا تُسلّي عادةُ التلفاز، لا / يُسكرُ السُّكرُ، ولا الطبُّ يُطِبْ يلبسُ الخريجُ أميَّتهُ / كالعجوزِ الهِمِّ في الطفلِ يَشِبْ كيف يا عرّافُ أجتازُ إلى / حُلْمِ قصدي، صخرةَ الوضعِ الكَلِبْ؟
نحن الشعوب العربية صرنا لا حول لنا ولا قوة، وصارت معرفتنا للأخبار من عدمها سيّان؛ إذ لم يعد لأي حدث، مهما بلغت قسوته، أي وقْعٍ يُذكر على النفوس المنهكة
لم يعد لأي شيء معنى، لذا فأنا أعيش في حدود يومي على قاعدة "ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها". قلتُ: أعرف أنَّ الوضع سيئ للغاية، ولكن لا بدَّ من خير، وإنَّ مع العسر يسرا. قال: سمعتُ هذا الكلام كثيرًا، لكن الواقع شيء آخر كما ترى؛ وقل لي: ماذا يلوح في الأفق القريب؟ لا شيء! لذا لا تحدثني عن البعيد البعيد. يا صديقي: كل الأبواب مؤصدة أمام الناس، فمن أين يأتي النور؟ قلتُ: ينبع النور من نفوسنا أولاً. قال: ما أسهل الكلام! ألم نقل من قبل إنّ نفوسنا غائمة؟ فكيف للنور أن ينبثق منها؟ يا صديقي، نور هذا الفجر الذي تتحدث عنه لا يزال بعيدًا. قلتُ: يكفي أن تؤمن أنَّ هناك فجرًا سيأتي.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗