ماذا يريد السيسي؟
أحجيتان رماهما الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أخيراً، يأخذان صفتهما هذه من الحيرة التي تشيعانها في الإجابة عن السؤال الملغز أعلاه. عندما يُعلن استعداد بلاده لتنفيذ أي إجراءٍ للدفاع عن السعودية وحدودها إذا طلبت هذا، ودعا مجلس النواب إلى عقد جلسة تمنحه تفويضاً لهذا الأمر الذي يعني إرسال قوات مصرية إلى المملكة. وعندما يُعلن أن الدستور المصري لن يُمسّ، وأن الفترة المقبلة حتى عام 2030 ستكون نهاية مدّة رئاسته، و"هذا أمرٌ محسومٌ تماماً ولن يتم الحديث عنه". وفي حين ضجّت تفسيراتٌ وشروحاتٌ لقصة إرسال قوات مصرية إلى الخارج في التلفزات والصحافات القاهرية، شدّدت على الطابع الدفاعي المحض للمهمّة العسكرية المصرية إذا حدثت، وإذا طلبتها الرياض، لم تعرف مسألة عدم المساس بالدستور انشغالاً كبيراً بها في وسائط الإعلام المحلية، ما عنى أن لا حاجة في خصوصها إلى مفسّرين وشرّاح، فالرجل لم يتكلم في اللوغارتيمات. غير أن مقادير سوء الطويّة غريزةٌ فينا، نحن الرعايا العرب المرتابين في شأنٍ كهذا، عندما يأتي عليه الرؤساء العرب، الحريصون على أن يكونوا منتخبين، ويبقوا منتخبين إلى ما شاء الله.
لا يجعلنا في حيص بيص شحّ ما تواتر بشأن إرسال قوات مصرية إلى السعودية لحمايتها، في غضون الاعتداءات الحوثية المعلومة والحرب الصعبة في اليمن، فالظاهر أمام أبصارنا أن الرياض تتكتّم عمّا إذا طلبت قوة عسكرية مصرية، ولم تعلن ترحيباً بما بادر السيسي إلى إشهاره، وربما كان هذا السبب في تأجيل البرلمان المصري مرّتين جلسته التي سيمنح فيها الرئيس التفويض الذي طلبه. وربما أن الرسالة التي نقلها وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، من السيسي إلى ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تطلب من المملكة بياناً رسمياً من الرياض يعقّب بشيءٍ ما. ويُجتهد هنا، وللمجتهد إذا أخطأ أجرٌ، أن ثمّة بعض الحرج شعرت به القاهرة، مع ممانعة الرأي العام للمصريين إرسال أبنائهم في الجيش إلى الخارج، سيما إلى اليمن. ولكن السيسي لم يقل شيئاً من هذا، لكنه "فزع" سرى بين المصريين من احتمالٍ كهذا.
لا يحتاج واحدُنا إلى البصّارين ليحسم أن شيئاً مما خيض فيه لن يحدُث، فلا قوات مصرية ستغادر إلى السعودية أو اليمن، ليس لأن القاهرة لم تنضم إلى اتفاقية مكّة الدفاعية (الرياض وإسلام أباد وأنقرة)، ولا لأن من الكاريكاتوري أن تُستدعى من الأرشيف معاهدة الدفاع العربي المشترك (والتعاون الاقتصادي) الموقّعة في 1950، ولا لأن الرياض لم يثبت أنها طلبت من القاهرة بالتعيين قواتٍ مصرية راجلة. وإنما لأسبابٍ من المخاطرة الصحافية الصرفة أن يسترسل فيها أيٌّ منا، فيما هي مشوّشة، غائمة، ما قد يستحضر المثل الذائع "لأمرٍ ما جدَع قصيرٌ أنفه"، ولأمرٍ ما، دعائيٍّ استعراضيٍّ مظهريٍّ ربما، فعلها السيسي ورمى قولته تلك عن "توجيهات" الملك سلمان وولي عهده، وعن التفويض البرلماني، فالأنسب أن يقال إن الأمر أحجية، وكفى.
أما الأحجية في حكاية عدم المساس بالدستور المصري، وعدم الذهاب إلى تجديد رئاسة السيسي في 2030، فباعث نعتها هكذا أن التبكير في قول الرئيس ما قاله مثيرٌ، فثلاث سنوات باقية ستجري فيها مياه كثيرة، وقد تستجدّ فيها متغيّرات غير منظورة، فلا مدعاة إلى الاستعجال، إلا إذا كان مقصوداً أن يستجدّ تالياً ما قد يستدعي لحس الكلام كله. وفي البال ما جرى سابقاً، فليست منسية أن وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي، قال في يوليو/ تموز 2013 إنه لن يترشّح للرئاسة، وإنه لا يسعى إلى السلطة، ولا يريد أن يسجّل التاريخ أن الجيش المصري تحرّك من أجل مصالح شخصية. كما أن تعديلاتٍ أجريت على الدستور في 2019، لتمديد فترة الرئاسة ستّ سنوات، ولإتاحة ترشّح السيسي لولاية ثالثة، بدأت مع نجاحه في انتخاباتٍ لا يتذكّرها أحد في 2024 وتنتهي في 2030. ولأن لكل مقامٍ مقالاً، لنا أن نتذكّر أن رئيس اليمن الأسبق (المقتول) علي عبد الله صالح أعلن رسمياً في يوليو/ تموز 2005 وأغسطس/ آب 2026، أنه لن يترشّح للرئاسة مجدّداً، غير أن "ضغوطاً" من حزبه (المؤتمر الشعبي) اضطرّته أن يعدل عن قراره، فترشّح ثم فاز ثم صار الذي صار... وليس "قياس الغائب على الشاهد" ما يأخُذنا إلى تلك النتف من أرشيفٍ مصريٍّ وعربيٍّ في معرض الكلام هنا عن أحجية السيسي تلك، وإنما هو سوءُ الطوية فينا، نحن الرعايا العرب، على ما سبقت الإشارة أعلاه.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗