الصين مقابل أميركا... فاعليّة الدولة وغياب المجتمع
تُدهشُ التحليلاتُ اليوميةُ المتابعةُ للتنافس بين واشنطن وبكين في أرقام النمو الاقتصادي، وعدد براءات الاختراع، ونسبة الإنفاق العسكري، وسباق الذكاء الاصطناعي المراقبينَ، وتُدهشنا أكثر معهم. رغم هذا، لا تكفي هذه الأرقام لفهم التنافس بين الولايات المتحدة والصين. فخلف سباق التكنولوجيا والأسواق والنفوذ، ثمّة سؤال سياسي أعمق يتعلّق بمصدر القوّة نفسها، هل تنبع قوّة الدولة من قدرتها على إخضاع المجتمع وتنظيم موارده، أم من قدرة المجتمع على مراقبة الدولة ومُساءلتها وتصحيح مسارها؟ ... بهذا المعنى، لا تتنافس واشنطن وبكين على قيادة النظام الدولي فحسب، بل تقدّمان نموذجين مختلفين للعلاقة بين السلطة والمجتمع، لكلّ منهما مزاياه وتناقضاته.
نشأت الولايات المتحدة من تجربة تاريخية ارتبطت بالهجرة، والتعدّدية، والتحرّر من السلطة الملكية، وبناء نظام دستوري يقوم نظرياً على تقييد الحكم وضمان حقوق الأفراد. لم تكن الدولة، وفق هذا التصوّر، غاية في ذاتها، بل مؤسّسة تستمد شرعيتها من المجتمع، وتخضع سلطاتها للرقابة والتوازن. غير أنّ أهمية النموذج الأميركي لا تكمن في نقاء تطبيقه لهذه المبادئ، وهو ما يناقضه تاريخ طويل من العبودية والتمييز العنصري والتدخّلات الخارجية، بل في وجود مساحات قانونية وسياسية مكّنت المجتمع، في محطّات مفصلية، من تحدي السلطة وإجبارها على التغيير.
لم يعمل المجتمع الأميركي خارج مؤسّسات الدولة فحسب، بل تفاعل معها عبر القضاء والانتخابات والكونغرس والإعلام
تُقدّم حركةُ الحقوق المدنية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته مثالاً واضحاً. لم يكن إنهاء الفصل العنصري نتيجة مبادرة طوعية من الدولة وحدها، بل ثمرة عقود من التنظيم والاحتجاج والمواجهة القانونية، من مقاطعة الحافلات في مونتغومري إلى المسيرات الكبرى، وصولاً إلى قانون الحقوق المدنية عام 1964 وقانون حقوق التصويت عام 1965. هنا لم يكن المجتمع مجرّد جمهور ينتظر قرارات السلطة، بل قوّةً دفعتها إلى إعادة تعريف المواطنة نفسها.
وتتكرّر الصورة، وإن بشكلٍ أقلّ حسماً، في تجربة حرب فيتنام، فقد أسهمت الاحتجاجات الطُّلابية، وحركة مناهضة الحرب، والتغطية الإعلامية للخسائر والانتهاكات، في تقويض شرعية الحرب داخل الولايات المتحدة ورفع كلفتها السياسية. لم يكن الشارع العامل الوحيد الذي دفع واشنطن إلى الانسحاب، لكن تجاهل أثره يعني إغفال جانب أساسي من تفسير التحوّل. وفي الحالتين، لم يعمل المجتمع خارج مؤسّسات الدولة فحسب، بل تفاعل معها عبر القضاء والانتخابات والكونغرس والإعلام. لكنّ تحويل هذه التجارب إلى صورة مثالية عن الديمقراطية الأميركية سيكون خطأً مُوازياً لتجاهلها. فقد استطاعت السلطة الأميركية خوض حروب طويلة رغم المعارضة الشعبية. كما كشفت حرب العراق عام 2003 حدود تأثير الرأي العام حين تتضافر الحسابات الاستراتيجية والدعاية السياسية والاعتبارات الأمنية. وأظهرت تداعيات هجمات "11 سبتمبر" أنّ الخوف قد يدفع المجتمع نفسه إلى قبول توسيع صلاحيات الدولة على حساب الحريات، كما حدث مع قانون "باتريوت". كذلك لا تعني حرّية الإعلام امتلاك المواطنين قدرة متساوية على التأثير؛ فالمال ومصالح جماعات الضغط والاستقطاب الحزبي تؤثّر جميعها في صناعة القرار.
أما الصين، فتستند إلى تجربة تاريخية مختلفة، تشكّلت فيها الدولة المركزية بوصفها أداة أساسية لحفظ النظام وإدارة المجال الواسع والمُتنوّع. وقد أسهمت تقاليد الحكم الإمبراطوري، بما فيها التأثير الكونفوشيوسي، في ترسيخ تصوّرات تربط الاستقرار السياسي بالانسجام الاجتماعي وفاعلية السلطة. لكن ردّ النموذج الصيني إلى ثقافة الطاعة وحدها تبسيط لا يفسّر التحوّلات العميقة التي عرفتها البلاد، ولا يميّز بين الموروث التاريخي والاختيارات السياسية الحديثة.
المجتمع في الصين موجود، لكنه لا يمتلك الأدوات السياسية ذاتها التي تُتيحها الأنظمة التعدّدية
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، أعاد الحزب الشيوعي بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس احتكاره القيادة السياسية والتنظيمية. ومع الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت أواخر السبعينيات، برزت قدرة الدولة على تعبئة الموارد، وتوجيه الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتحويل الصين إلى مركز صناعي وتكنولوجي عالمي. فشبكات النقل فائقة السرعة، والتوسّع الصناعي، والاستثمار في الطاقة والتقنيات المُتقدّمة، ليست مجرّد إنجازات اقتصادية، بل تعكس قدرة مؤسّساتية على تنفيذ خطط طويلة الأمد وتنسيق جهود الدولة والقطاع الخاص.
غير أنّ نجاح الدولة في الإنجاز لا يجيب عن سؤال استقلال المجتمع. ففي النظام الصيني، لا تتوافر تعدّدية سياسية تنافسية تسمح بتداول السلطة على المستوى الوطني، وتظلّ وسائل الإعلام والتنظيم المدني والاحتجاج السياسي خاضعة لقيود واسعة. وقد مثّلت احتجاجات ساحة تيان آن من عام 1989 لحظة كاشفة حين واجهت السلطات حركة طلابية وشعبية واسعة بالقوّة. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الحفاظ على الاستقرار السياسي وتماسك الحزب من المُحدّدات الأساسية لعلاقة الدولة بالمجتمع.
ومع ذلك، لا يصح القول إنّ المجتمع الصيني غائب تماماً أو عاجز عن التأثير. فقد شهدت البلاد احتجاجات عمالية ومحلّية، كما كشفت احتجاجات رفض قيود "صفر كوفيد" أواخر عام 2022 أنّ الاستياء الاجتماعي قد يبلغ مستوى يدفع السلطة إلى مراجعة سياساتها. لكنّ الفارق الجوهري أنّ التأثير الشعبي في الصين غالباً ما يجري ضمن حدود يحدّدها الحزب، من دون أن يتحوّل إلى حقّ مؤسسي مستقل في مُساءلة القيادة أو تغييرها. فالمجتمع موجود، لكنه لا يمتلك الأدوات السياسية نفسها التي تُتيحها الأنظمة التعدّدية.
الدولة التي تعجز عن تنفيذ قراراتها لا تستطيع حماية الحقوق أو تحقيق التنمية، والمجتمع الذي لا يستطيع مُساءلة الدولة قد يتحوّل إلى موضوع للسياسات بدلاً من أن يكون شريكاً في صنعها
وتظهر هنا مفارقة النموذج الصيني، فمركزية القرار قد تمنح الدولة سرعة في التنفيذ، لكنها قد تجعل الاعتراف بالخطأ أكثر كلفة حين يرتبط القرار بهيبة القيادة. وقد أظهرت سياسة "صفر كوفيد" أنّ القدرة على التعبئة والانضباط لا تضمن صحة التقدير، وأنّ استمرار سياسة مُكلفة اجتماعياً قد يفرض التراجع عنها بصورة مُفاجئة. وفي المقابل، يمكن أن تتحوّل التعدّدية الأميركية إلى مصدر تعطيل، حين تتصارع المؤسسات أو تتقدّم الحسابات الانتخابية على المصالح العامة.
ويظهر الفرق أيضاً في التعامل مع القضايا الإنسانية الدولية. ففي الولايات المتحدة، أثارت الحرب الإسرائيلية على غزّة احتجاجات واسعة في الجامعات والمدن، وفتحت نقاشاً حاداً حول التناقض بين خطاب حقوق الإنسان والسياسة الخارجية الأميركية. لم تؤدِّ هذه الاحتجاجات وحدها إلى تغيير جذري في سياسة واشنطن، لكنها كشفت اتساع الفجوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسّسات الحكم، وأثبتت أنّ السياسة الخارجية ليست مُحصّنة تماماً من المُساءلة الشعبية. أما في الصين، فتظلّ التعبئة العامة بشأن القضايا الدولية أكثر ارتباطاً بالموقف الرسمي للدولة، ولا تتوافر مساحة مُماثلة لحركة مستقلة واسعة تستطيع محاسبة القيادة على خياراتها الخارجية.
ولا يعني هذا أنّ المجتمع الأميركي أكثر أخلاقية بالضرورة، أو أنّ الدولة الصينية أقلّ قدرة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية. فالدول لا تُقاس بالنيّات المُعلنة، بل بنتائج سياساتها وبقدرة مواطنيها على محاسبتها. كما أنّ الاحتجاج الشعبي قد يحمل مطالب متناقضة أو نزعات قومية وإقصائية، مثلما أنّ الدولة المركزية قد تحقّق منافع عامة لا تستطيع المُجتمعات المُنقسمة إنجازها بالسرعة نفسها.
قد تكون الدولة الأكثر قدرة على قيادة المستقبل ليست تلك التي تملك مجتمعاً مُطيعاً، ولا تلك التي تعجز عن الاتفاق مع مجتمعها، بل تلك التي تجمع بين كفاءة المؤسسات وحرية المواطنين
المسألة، إذاً، ليست اختيار الفوضى على حساب النظام، ولا الحرية على حساب الفاعلية، بل البحث عن صيغة تجمع بينهما. فالدولة التي تعجز عن تنفيذ قراراتها لا تستطيع حماية الحقوق أو تحقيق التنمية، والمجتمع الذي لا يستطيع مُساءلة الدولة قد يتحوّل إلى موضوع للسياسات بدلاً من أن يكون شريكاً في صنعها. ومن هنا تكتسب المقارنة بين واشنطن وبكين أهميتها؛ الأولى تواجه خطر أن تقوّض انقساماتها قدرتها على الفعل، والثانية تواجه خطر أن تقوّض مركزيتها قدرتها على التصحيح.
في عالم تتسارع فيه تحوّلات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصراع الجيوسياسي، لن تتوقّف المُنافسة على عدد المصانع والصواريخ ومراكز البيانات. ستتعلّق أيضاً بقدرة كلّ نموذج على إنتاج الثقة، وإدارة الاختلاف، وتصحيح الأخطاء من دون انهيار مؤسّساته. وقد تكون الدولة الأكثر قدرة على قيادة المستقبل ليست تلك التي تملك مجتمعاً مُطيعاً، ولا تلك التي تعجز عن الاتفاق مع مجتمعها، بل تلك التي تجمع بين كفاءة المؤسسات وحرية المواطنين.
ويبقى السؤال الذي يتجاوز واشنطن وبكين إلى مستقبل السياسة العالمية: هل تستطيع الدولة أن تكون قوية من دون أن تحتكر المجتمع، وهل يستطيع المجتمع أن يكون حراً من دون أن تفقد دولته القدرة على الفعل؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗