انخفاض قيمة الدينار.. المخاطر والتداعيات المستقبلية
قامت الحكومة العراقية، وليس البنك المركزي، بتعديل قيمة عملتها مقابل الدولار ثلاث مرات خلال أقل من عقد من الزمان. والمرة الأخيرة كانت في 7 تشرين الأول 2026، حيث أعادت قيمة الدينار مقابل الدولار إلى مستويات الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام البعث. إن انخفاض قيمة الدينار، فضلاً عن أبعاده المتمثلة في التشكيك في استقلالية البنك المركزي، وتغطية عجز الحكومة في النفقات، وتقليص القوة الشرائية للمواطنين، يترتب عليه تداعيات خطيرة أخرى؛ مثل ركود الحركة التجارية والسوق، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع قيمة احتياطيات النقد الأجنبي، وانسحاب المستثمرين.
في السنوات الأولى بين عامي 2004 و2007، تراوحت قيمة الدولار الأميركي تقريباً بين 1450 و1500 دينار. بعد ذلك طرأت تغييرات، ومنذ آب 2008 حتى عام 2020، استقر السعر بين 1150 و1200 دينار. وفي تموز 2020 رُفِع السعر ليُحدَّد بـ 1450 ديناراً للدولار الواحد، ومن هناك بدأت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق بالظهور. لاحقاً، في شباط 2023، خُفِّض السعر إلى 1310 دنانير، ولكن في السابع من هذا الشهر رُفع السعر الرسمي مجدداً إلى 1510 دنانير. إن هذا التذبذب في قيمة الدينار من قبل الحكومة لم يأتِ في ظل استراتيجية اقتصادية واضحة، بل ارتبط بعائدات النفط؛ فعندما تنخفض عائدات النفط يتم خفض قيمة الدينار، وعندما ترتفع العائدات تُرفع قيمته. ولكن هل ستستمر هذه السياسة إلى ما لا نهاية؟.
بحسب بيانات البنك المركزي العراقي وهيئة الإحصاء، كان الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق ضئيلاً جداً في التغييرين الأول والثاني، ولكن منذ تغيير عام 2023 اتسعت هذه الفجوة بشكل كبير، وحتى الآن لم يتسنَّت السيطرة عليها.
يقيس صندوق النقد الدولي (IMF) مؤشر عملات الدول مقابل خمس عملات رئيسية في الاقتصاد العالمي (الدولار الأميركي، الين الياباني، اليوان الصيني، الجنيه الإسترليني، واليورو)، وهو ما يُعرف بـ "حقوق السحب الخاصة" (SDR) يوضح هذا المؤشر مدى ضعف وقوة عملات الدول، والعراق من بين الدول التي اتجهت عملتها نحو الضعف.
والآن، يكمن السؤال الرئيسي في: هل لهذا الانخفاض أبعاد قصيرة المدى فقط أم أبعاد طويلة المدى؟ وما المخاطر الناجمة عن ربط تغيير سعر العملة بعائدات النفط، وما هي تداعياته قصيرة وطويلة الأمد على الاقتصاد العراقي؟.
الأبعاد قصيرة المدى لانخفاض قيمة الدينار
يبلغ سعر صرف الدولار حالياً في السوق 1665 ديناراً، بينما في البنك المركزي 1510 دنانير. وبالمقارنة مع الفترة السابقة، تقلصت الفجوة بنسبة 10%، إذ كان السعر الرسمي قبل هذا التغيير الجديد 1310 دنانير وسعر السوق 1550 ديناراً. صحيح أن الانخفاض الحالي قد قلّص الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق إلى النصف حتى الآن، ولكن هل تستطيع الحكومة الاستمرار في ذلك والحيلولة دون اتساع الفجوة مجدداً؟.
في الواقع، تُظهر البيانات الإحصائية للأسعار الرسمية والموازية أن عدم الاستقرار هذا جعل الفجوة بين السعرين تتسع عاماً بعد عام، مما يشكل خطراً جسيماً على السيطرة على الأسواق والسياسة النقدية؛ لدرجة يمكن القول معها إن العلاقة بين البنك المركزي والسوق غير صحية، وأن سوقاً موازية قوية قد نشأت في البلاد، وهو أمر لا نجده في أي من البلدان التي تحدد حكوماتها قيمة عملاتها، وأقرب مثال على ذلك دول الخليج المجاورة للعراق.
ومن جهة أخرى، لا ينبغي أن يكون هناك فارق بين سعر البنك المركزي وسعر السوق، لأن الدينار العراقي ليس مثل الليرة التركية أو الريال الإيراني اللذين يحددهما نظام السوق الحر، بل إن البنك المركزي — أو بشكل أدق، الحكومة — هو من يحدد سعره مباشرة منذ سقوط نظام البعث.
البعد الأول: استقلالية البنك المركزي؛ إن تسريب قرار تغيير قيمة الدينار بدايةً من البرلمان، ثم عبر البيان الرسمي للحكومة، ومن ثم البنك المركزي، أثار التساؤل التالي: هل البنك المركزي العراقي مؤسسة مستقلة، أم أنه جزء من هيكلية إدارة السلطة؟.
بحسب القانون، يُعد البنك المركزي العراقي (CBI) مؤسسة مالية وإدارية مستقلة. فدستور العراق لعام 2005 (المادة 103) ينص بوضوح على أن البنك المركزي مستقل ومسؤول أمام مجلس النواب وليس أمام السلطة التنفيذية. كما منحه قانون البنك المركزي رقم (51) لسنة 2004 الاستقلالية لإدارة السياسة النقدية، وضبط التضخم، والحفاظ على استقرار العملة، والإشراف على المصارف التجارية.
إن التغييرات التي حدثت في الفترة الماضية، سواء في عام 2020 عندما رُفع الدولار من 1180 ديناراً إلى 1450 ديناراً، أو ما يحدث الآن برفعه من 1310 دنانير إلى 1510 دنانير، كانت في مجملها لجوءاً من الحكومة لزيادة الإيرادات المحلية (بالدينار) وليست تطبيقاً لسياسة اقتصادية مدروسة. في كلتا المرتين، جاء القرار عقب انخفاض عائدات النفط؛ مرة بسبب جائحة كورونا وهبوط أسعار النفط حيث تراجعت الإيرادات إلى 41 مليار دولار، ومرة أخرى بسبب التوترات الإقليمية والمخاطر المحيطة بمضيق هرمز والتي أدت إلى تقليص صادرات العراق وعائداته. في المقابل، فإن رفع قيمة الدينار في عام 2023 (من 1450 إلى 1310 دنانير) كان سببه النفط أيضاً، ولكن هذه المرة بسبب زيادة عائدات النفط التي بلغت 115.7 مليار دولار، وليس استناداً إلى إصلاح نقدي.
البعد الثاني: تغطية نفقات الحكومة؛ التي تعتمد كلياً على النفط. لقد أثبتت التجربة السابقة أنه عندما تنخفض الإيرادات، وبدلاً من أن تلجأ الحكومة إلى إصلاحات هيكلية لتقليص النفقات وتنويع مصادر الدخل وزيادة الإيرادات وإعادة تنظيم الضرائب، تختار الطريق الأسهل والمتمثل في تغيير قيمة الدينار مقابل دولارات النفط؛ إذ يمكنها في كل مليار دولار زيادة إيراداتها بالدينار بما يتراوح بين 200 إلى 400 مليار دينار.
البعد الثالث: القوة الشرائية للمواطنين؛ يرتبط هذا البعد مباشرة بمستوى معيشة المواطنين. فعندما تنخفض قيمة العملة بأكثر من 14٪، فإن هذا يعني ارتفاع معدلات التضخم تلقائياً. وفي اقتصاد مثل العراق، حيث يعتمد الإنتاج المحلي نفسه على استيراد المواد الخام من الخارج، ينعكس ذلك مباشرة في غلاء السلع وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
الأبعاد طويلة المدى لانخفاض قيمة الدينار
تراجع قيمة احتياطيات النقد الأجنبي للعراق: مع بداية التوترات الإقليمية والغموض المحيط بمضيق هرمز الذي أدى لتراجع صادرات النفط، تحدث المسؤولون العراقيون عن احتياطي يتجاوز 130 تريليون دينار (قرابة 100 مليار دولار). ولكن وفقاً للبنك المركزي، انخفض هذا الاحتياطي بحلول مطلع هذا الشهر إلى 98.8 تريليون دينار. وبالسعر الجديد، ستنخفض القيمة الحقيقية للاحتياطي إلى 65 مليار دولار، وهو ما يعني في حال توقف عائدات النفط أن العراق لن يستطيع الاعتماد عليه حتى لسنة واحدة، ناهيك عن استثماره للأجيال القادمة.
ركود الحركة التجارية: ينفق العراق سنوياً ما بين 50 إلى 75 مليار دولار لاستيراد ما بين 1100 إلى 1200 صنف من السلع. وعندما ترتفع أسعار السلع المستوردة بنسبة 15% بالسعر الرسمي وتصل إلى 25% بدولار السوق، فإن الطلب على السلع يتراجع، وهذا يتحول مباشرة إلى ركود في الحركة التجارية والأسواق.
انسحاب الاستثمارات وخسائر التجار: يؤدي عدم الاستقرار هذا إلى إلحاق ضرر فادح بالشركات؛ فعلى سبيل المثال: إذا احتاجت شركة في 6 تشرين الثاني إلى 130 مليار دينار لتحويل 100 مليون دولار، ولكن معاملتها تأخرت إلى 8 تشرين الثاني، فإنها ستحتاج إلى 151 مليار دينار. وهذا الفارق (21 مليار دينار) يعد خسارة مباشرة في رأس مال الشركات، مما يؤدي إلى إضعاف بيئة الاستثمار وتثبيط المستثمرين.
ارتفاع معدلات الفقر والبطالة (وهو الأخطر): عندما تنخفض القوة الشرائية وترتفع الأسعار بنسبة تتراوح بين 15% إلى 25%، فإن العائلات التي تجاوزت خط الفقر مؤخراً تعود لتسقط تحته مجدداً، لأن الرواتب والمساعدات الحكومية ثابتة بينما تكاليف المعيشة ارتفعت. وبالتوازي مع ذلك، فإن ركود السوق وغلاء المواد الخام والوقود والتكاليف الإدارية يجعل المصانع والشركات المحلية تفقد قدرتها التنافسية أمام السلع الأجنبية، فتضطر لتقليص الإنتاج أو الإغلاق، مما يزيد البطالة بشكل ملحوظ، علماً أن نسبة البطالة في العراق حالياً تتجاوز 15.5%، وهي ضعف معدلات معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
التأثير على القطاع المصرفي والثقة المالية: بالإضافة إلى كل ما سبق، تؤدي هذه القرارات مباشرة إلى زعزعة ثقة المواطنين بالنظام المصرفي المحلي. فعندما يشعر المواطن بأن قيمة مدخراته بالدينار داخل البنوك آخذة في التراجع، يلجأ إلى الاكتناز (Hoarding) بالعملات الأجنبية أو الذهب في المنازل. وهذا يتسبب في خروج السيولة النقدية من سيطرة البنك المركزي والمصارف التجارية، مما يضعف تماماً قدرة المصارف على منح الائتمان والقروض الاستثمارية.
عملات الدول والعراق؛ لماذا يتجه معظمها نحو الانخفاض؟
وفقاً لآخر إحصاءات وبيانات صندوق النقد الدولي (IMF) ومجموعة البنك الدولي، والتي قيّمت وفحصت تغيرات 227 عملة عالمية بين عامي 1950 و2026، تبيّن أن النظام المالي والنقدي العالمي يواجه انهياراً عميقاً في القيمة الحقيقية؛ بحيث إن 186 عملة من إجمالي تلك العملات (أي نحو 69٪ من عملات العالم) فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها وسارت نحو التراجع، في حين لم تتمكن سوى 45 عملة فقط من الحفاظ على استقرارها أو تعزيز قوتها.
كما يعتمد صندوق النقد الدولي على معيار محاسبي خاص يُعرف بـ SDR حقوق السحب الخاصة - Special Drawing Rights). هذه الأداة ليست عملة مستقلة في الواقع، بل هي "سلة" تتكون من خمس عملات رئيسية ومؤثرة عالمياً: الدولار الأميركي، الين الياباني، اليوان الصيني، الجنيه الإسترليني، واليورو. وتُستخرج قيمة حقوق السحب الخاصة بالدولار وفق المعادلة العلمية التالية، وتُستخدم لقياس قوة أو ضعف عملات الدول مقارنة بمتوسط الاقتصاد العالمي:
(قيمة SDR بالدولار = مجموع كمية كل عملة × قيمتها بالدولار).
وبناءً على هذا المعيار، فإن التغيرات التي طرأت على قيمة الدينار العراقي في السنوات الماضية تعد مؤشراً على انخفاض الوزن الحقيقي للعملة مقابل سلة العملات العالمية، مما يمثل خطراً حقيقياً يهدد مستقبل القوة الشرائية والاستقرار النقدي في العراق.
كذلك تكشف البيانات أسباباً متباينة لانخفاض قيمة العملات عالمياً، وتُظهر أن تراجع العملة ليس مجرد ظاهرة محلية، بل هو مسار مستمر ناتج عن التضخم العالمي، والسياسات الخاطئة للبنوك المركزية، وعدم الاستقرار السياسي. فعلى سبيل المثال، سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ بداية هذه الفترة وحتى الآن أكبر انهيار في تاريخ العملات، حيث انخفضت عملتها بأكثر من 12 ألف ضعف، في المقابل قدمت العملة السويسرية (الفرنك) — كأحد أقوى الحصون المالية في العالم — نموذجاً ناجحاً وتمكنت من مضاعفة قيمتها عدة مرات.
وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط، وباستثناء دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) التي حافظت عملاتها على استقرارها ولم تنخفض مقابل الدولار، نجد أن معظم عملات المنطقة تعرضت لانخفاض حاد. وفي ترتيب حدة هذا الانخفاض للفترة بين 1950 و2026، تأتي تركيا في المرتبة الأولى، تليها إيران ثانياً، ثم سوريا في المرتبة الثالثة؛ أما العراق، فرغم أن عملته لم تنخفض بشكل حاد جداً، إلا أنه حجز موقعه في هذه المعادلة بنسبة انخفاض إجمالية بلغت 69٪ عند المقارنة بتاريخ عملته.
ويعود السبب الجوهري لهذا التفاوت الكبير بين دول الشرق الأوسط والدول المتقدمة إلى الاعتماد الكلي لاقتصادات المنطقة على مصدر دخل أحادي، وغياب منظومة إنتاج صناعي متنوعة، واستمرار حالة عدم الاستقرار. فعندما تضطرب إيراداتها الخارجية أو تندلع أزمة جيوسياسية، تقع عملات هذه الدول كأول ضحية لأمواج الانهيار.
خاتمة
رغم أن خفض قيمة الدينار من قِبل الحكومة يُستخدم على المدى القصير كأداة لتغطية عجز الموازنة وتأمين رواتب الموظفين — كما أشار رئيس الوزراء في إيضاحه للبرلمان — إلا أنه على المدى الطويل يصيب الاقتصاد العراقي بالشلل. فهذه السياسة النقدية غير المستقرة تقلص من جهة القوة الشرائية للمواطنين وترفع معدلات الفقر والبطالة، ومن جهة أخرى تضعف بيئة الاستثمار لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
وعلاوة على ذلك، ومن ناحية البنية التحتية الاقتصادية، فإن اعتماد العراق التام على الإيرادات النفطية واستيراد السلع يجعل من خفض الدينار عاملاً لا يخدم نمو الإنتاج المحلي، بل يقتصر دوره على توليد ما يُعرف بـ التضخم المستورد (Imported Inflation) وما لم يُجرِ العراق إصلاحات حقيقية في قطاعات الإنتاج والوقود والإدارة، فإن أي خفض في قيمة الدينار لن يؤدي إلا إلى مضاعفة الأعباء الملقاة على كاهل المواطنين.
وفي الختام، فإن بقاء العراق في هذه الحلقة المفرغة من تقلبات أسعار العملة مرهون بالاستقلالية الحقيقية للبنك المركزي عن القرارات السياسية وصياغة استراتيجية اقتصادية متنوعة. ومن دون ذلك، فإن رهن قيمة الدينار بأسعار النفط والأحداث الداخلية والخارجية سيقود اقتصاد البلاد نحو أزمات أعمق وتداعيات اجتماعية أكثر خطورة.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها رووداو العربية، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: رووداو العربية — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗