الدنمارك... مواطنة مشروطة
لم يعد السجال الدائر في الدنمارك في الأسابيع الأخيرة حول المثلية الجنسية والمواطنة مجرد خلاف بشأن الحقوق والحريات الفردية، بل بات مواجهة سياسية حول تعريف هذه المواطنة وحدود الانتماء الوطني، ومن يملك سلطة تحديد القيم التي ينبغي أن يستوفيها الراغبون في حمل جنسية البلد.
فمع تصاعد الدعوات إلى التدقيق في مواقف المتقدمين وتصريحاتهم السابقة، لم تعد المسألة مقتصرة على احترام القانون والالتزام بالحقوق والواجبات، بل امتدت إلى القناعات الشخصية والتفتيش في السجل الرقمي، بما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تمنح المملكة الاسكندنافية الصغيرة جنسيتها لمن يستوفي شروطها القانونية، أم لمن يجتاز اختباراً سياسياً وفكرياً لمدى توافقه مع تصورات الأغلبية؟
ويبرز حزب "التحالف الليبرالي"، مع آخرين، في النقاش الدائر بشأن تشديد برلماني لفحص مواقف المجنسين، بحثاً عن تعبيرات تُصنف مناهِضة للديمقراطية أو معادية لحقوق الأقليات. ويتقاطع هذا التوجه مع الجدل حول الاحتلال الإسرائيلي وفلسطين، إذ قد تصبح مواقف سياسية موضع تدقيق تحت عنوان "منع معاداة السامية"، إلى جانب فحص المواقف من المثليين وغيرهم. وهنا تبرز إشكالية لا يمكن تجاوزها: أين ينتهي التصدي للتحريض والتمييز؟ وأين يبدأ الخلط بين "معاداة السامية" وانتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلي أو التضامن مع الفلسطينيين؟ إن التمييز بين هذه المواقف ضرورة لحماية الحقوق، وصون النقاش السياسي من التعميم والاتهامات الانفعالية الشعبوية على ضفتيه.
يبرر المدافعون عن تشديد الإجراءات بحماية الديمقراطية وحقوق الأفراد، لكن الإشكال يكمن في تحويل فحص الجنسية إلى تفتيش في المنشورات والتعليقات القديمة لقياس أهلية المتقدمين للانتماء الوطني. وتبرز مفارقة السجال في موقف البرلماني السابق عن حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد مارتن هينريكسن، الذي رفض، الأربعاء الماضي، اعتبار معارضة زواج المثليين دليلاً على انتفاء هويته الدنماركية، متسائلاً عن تحوّل موقف تبناه سياسيون دنماركيون إلى معيار للمواطنة.
وتتفاقم المشكلة حين يستهدف التدقيق ذوي الأصول المهاجرة، ولا سيما المسلمين، فيجد بعضهم نفسه مضطراً لتبرير مواقفه والدفاع عن جماعته، بينما يندفع آخرون إلى خطاب ديني متشدد يمنح خصومهم ذرائع إضافية. وهكذا يُحاصر المهاجر بين اختبار الولاء وخطاب انفعالي يعزز الشكوك فيه. فالمواطنة ليست امتحاناً للتطابق الثقافي، كما أن حرية الاعتقاد لا تبرر انتهاك حقوق الآخرين. هكذا يتجاوز السجال المثلية الجنسية إلى جوهر الديمقراطية نفسها: هل تكون المواطنة عقداً من الحقوق والواجبات المتساوية، أم تتحول الجنسية إلى امتحان أيديولوجي، يُفتَّش فيه عن القناعات وتُقاس فيه درجة الولاء قبل الاعتراف بالانتماء؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗