الأحزاب العربية وإنقاذ إسرائيل من نتنياهو!
تبدو الأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني (1948) على موعد للعب دور مؤثر في السياسة الإسرائيلية. صحيح أننا ما زلنا في مرحلة فضاء استطلاعات رأي بشأن انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تظهر تذبذباً واضحاً بين كتلتي الحكومة والمعارضة؛ فبينما تحصل كتلة التغيير (من دون الأحزاب العربية) على 54 مقعداً، مقابل 49 لكتلة نتنياهو، كما في استطلاع القناة 12 الإخبارية (12 أكتوبر)، يتقدم الائتلاف الحاكم بـ53 مقعداً مقابل 50 فقط لكتلة التغيير، حسب استطلاع كان 11 الإخبارية (11 أكتوبر). يلفت الانتباه في الاستطلاعين وغيرهما أنه بينما تتذبذب الكتلتان، تحصل الأحزاب العربية على 13 مقعداً، وهو رقم يؤهلها، إن أرادت، أن ترجّح كتلة التغيير.
ليست المسألة بهذه البساطة بالطبع؛ فمما يعقد المشهد إدراك نتنياهو أن جهود المعارضة لإزاحته يجب أن تمرّ عبر الأحزاب العربية، فيوظف هذا لكسب أصوات المتردّدين، واستعادة أصوات مؤيديه، مستغلاً حالة التطرّف الطاغية على المجتمع للضغط على المعارضة، من خلال تصريحات متكرّرة تؤكّد دائماً أن "أيزنكوت وليبرمان ويئير غولان يسعون نحو تشكيل حكومة دولة فلسطينية حينما يتحالفون مع أحزاب عربية لا تعتبر حركة حماس أو حزب الله منظمات إرهابية، وتدفع من أجل إقامة دولة فلسطينية"، أو تحذّر من أن "التصويت لأيزنكوت وليبرمان يعني وضع مفاتيح الدولة في أيدي أحمد الطيبي ومنصور عباس".
وقد أدّت هذه الحرب الدعائية، علاوة على المواقف الأيديولوجية لقادة المعارضة، إلى دفعهم نحو تصريحات متكرّرة تناهض فكرة التعاون مع الأحزاب العربية. فخلال الشهور الماضية، تكرّرت تصريحات من أغلب قادة المعارضة ترفض أو تحذّر من أي تعاون مع الأحزاب العربية. فباستثناء حزب الديمقراطيين، بقيادة يئير غولان، الذي يقبل انضمام الأحزاب العربية للحكومة المقبلة بحكم تشكيل العرب نسبة 21% من السكان، وضع ليبرمان خطوطاً حمراء لانضمامه لأي تحالفٍ قادم؛ منها: عدم تشكيل حكومة بدعم من الأحزاب العربية أو تعاون معها، وألا يجري أي توافق مع نتنياهو إذا لم تحسم الانتخابات لصالح المعارضة، حتى لو اقترح نتنياهو التناوب على رئاسة الحكومة. بل كان ليبرمان أحد مؤيدي الدعاوى المقدّمة لاستبعاد القوائم العربية المشاركة في الانتخابات، باعتبارها "قوائم شديدة التطرّف"، وفق تعبيره، قبل أن ترفضها المحكمة العليا لاحقاً. كما شدّد نفتالي بينت ويئير لبيد زعيما حزب "معاً" أكثر من مرّة على رفض التعاون مع الأحزاب العربية، وأنهما لن يعملا إلا مع الأحزاب الصهيونية وحدها. أما غادي أيزنكوت، زعيم حزب ياشار، وأكبر منافسي نتنياهو في هذه الانتخابات، فيصرّ على أن القائمة العربية الموحدة لن تكون جزءاً من الحكومة المقبلة، لأنها لا تقرّ بأن حركة حماس إرهابية.
خلال الشهور الماضية، تكرّرت تصريحات من أغلب قادة المعارضة ترفض أو تحذّر من أي تعاون مع الأحزاب العربية
وبغض النظر عن احتمالات تغيّر هذه النبرة، بحسب معطيات ما بعد ظهور النتائج، فإن تشدّد قادة المعارضة في هذه المسألة يثير حفيظة كتّاب ومتابعين من معارضي نتنياهو، ويعتبرونه نوعاً من الترف. وترى الكاتبة في صحيفة يديعوت أحرونوت، ميكال سيلع، أن من يخشى الشراكة اليهودية العربية لن يستبدل نتنياهو. وتنتقد سيلع تناقضات قادة المعارضة؛ فهم من ناحية يرفضون مشاركة الأحزاب العربية في حكومة مقبلة، لكنهم يريدون، في الوقت نفسه، استغلالها للتخلص من نتنياهو، أي أن يكون العرب لاعباً من الخارج. وهذا الوضع، حسب الكاتبة، يعني مطالبة العرب الذين يمثلون أكثر من 20% من السكان بتحمّل الإهانة، ثم يستمتع قادة المعارضة بأصواتهم عند إزاحة نتنياهو، من دون الاعتراف بهم شركاء، وهي مسألة لا تعد خطأً أخلاقياً فحسب، بل سياسياً كذلك، لأنهم يلعبون وفق قواعد نتنياهو الخاصة بالأحزاب العربية، والتي جعلت قادة المعارضة يخشون حتى من إعلان إمكانية التعاون معها، رغم علمهم بأنهم لن يتمكنوا من فعل شيء من دونها.
ويمكن القول إن هناك تبايناً في موقف قادة الأحزاب اليهودية المعارضة تجاه القائمتين العربيتين المشاركتين في الانتخابات؛ إذ يميل أكثرهم نحو التركيز على عدم قبول مشاركة منصور عباس وقائمته مقارنة بالقائمة العربية المشتركة، وهو ما يعكسه رفض أيزنكوت الصريح مشاركة القائمة العربية الموحدة لعدم اعترافها بحماس حركة إرهابية. وقد يفهم من ذلك، ضمناً، قبوله التعاون مع القائمة المشتركة، أو عدم ممانعته على الأقل. غير أنني لم أقف على أي تصريح من قادة القوائم العربية يتّهم حركة حماس بالإرهاب، وهو ما يدل على التناقض في موقف أيزنكوت. والأكثر من هذا أن سامي أبو شحادة، أحد قادة القائمة المشتركة، كان قد وصف هجوم حماس في 7 أكتوبر، في مقال نشره في اليوم التالي للهجوم بأنه "حدث تاريخي مهم"، وهو ما استُخدم دليلاً على تأييده الكفاح المسلح ضد إسرائيل حينها، واضطره في الأيام الأخيرة إلى الانسحاب بشكل شخصي من الانتخابات تجنّباً لاستبعاد حزبه منها.
والأرجح أن موقف قادة المعارضة من القائمة الموحدة تحديداً يمكن تفسيره في سياق حديث السياسيين والإعلاميين المتكرّر في إسرائيل عن الانتماءات الإسلامية لحركة حماس وأغلب أعضاء القائمة العربية الموحدة، بحكم انتماء الأخيرة للشق الجنوبي للحركة الإسلامية في الداخل المحتل التي أخذت مساراً مناقضاً تماماً لمسارات "حماس" في قضايا مركزية كثيرة.
غادي أيزنكوت، زعيم حزب ياشار، وأكبر منافسي نتنياهو في هذه الانتخابات، يصرّ على أن القائمة العربية الموحدة لن تكون جزءاً من الحكومة المقبلة، لأنها لا تقرّ بأن حركة حماس إرهابية
تظهر هذه التصريحات المتشددة لقادة المعارضة حالة التناقض بين القول والفعل، أو الرغبة والواقع التي يعيشها السياسيون؛ إذ لا يشك أحد في أن تصريحات ما قبل الانتخابات تختلف جذرياً عن الواقع الذي تفرزه بعدها، وأن تنافس المرشحين على الأصوات، ومحاولة استمالة ناخبي اليمين الرافضين نتنياهو بسبب إخفاقات الأعوام الماضية، واستغلال تراجع شعبيته يدفع هؤلاء السياسيين نحو رفع سقف التشدد قبل الانتخابات، ثم تجبرهم النتائج على التراجع بعدها، ولا أدلّ على هذا من تعاون القائمة العربية الموحدة والحكومة السابقة إلى جانب بينت ولبيد وليبرمان، الذين يتحفّظون اليوم على الأحزاب العربية أو يرفضون مشاركتها. ما يعني أن هذه المواقف لا تتعلق بالمبدأ بقدر تعبيرها عن المصلحة المتغيرة، خصوصاً أن الجميع يدرك عدم إمكانية تشكيل حكومة من قوى المعارضة من دون الأحزاب العربية، إلا إذا قبل أحد أحزاب الائتلاف الحاكم التي تمثّل التيار الديني القومي أو الحريدي المشاركة في حكومة كهذه، وهو أمر لا تدلّ عليه أية مؤشرات.
تقرأ الأحزاب العربية هذا جيداً، وتتوقع ألا تبتعد نتائجها كثيراً عن الاستطلاعات، وتراهن على أن بقاء نتنياهو أو رحيله قد يكون مرتبطاً بدورها في مرحلة ما بعد الانتخابات، وترجّح أن يجد قادة المعارضة أنفسهم بين خياري التعاون معها، أو الإبقاء على نتنياهو في السلطة. يعني هذا أن ما ستقرره القائمتان العربيتان المشاركتان (المشتركة والموحدة) منوط بمواقف قادة المعارضة أنفسهم. في هذا السياق؛ كان أحمد الطيبي، أحد قادة القائمة المشتركة لانتخابات الكنيست المقبلة، قد أشار في برنامج "واجه الصحافة"، الذي تبثه القناة 12 الإسرائيلية، إلى الخطوات التي قد تتخذها الأحزاب العربية إذا حصل معارضو الحكومة على أغلبية، وهي إجراءات ممكن أن تحدث حتى لو لم يُتفق على تشكيل الحكومة، لكن المشكلة، وفق الطيبي، ليست لدى الأحزاب العربية التي يستحيل التغيير من دونها، بل لدى الأحزاب اليهودية التي تتجادل، ولا تريد الاتفاق على مرشح لرئاسة الحكومة يقف الجميع خلفه.
تراهن الأحزاب العربية على أن بقاء نتنياهو أو رحيله قد يكون مرتبطاً بدورها في مرحلة ما بعد الانتخابات، وترجّح أن يجد قادة المعارضة أنفسهم بين خياري التعاون معها، أو الإبقاء على نتنياهو في السلطة
تبدو مواقف قادة الأحزاب العربية من حدود التعاون مع الأحزاب اليهودية المعارضة متباينة في المستوى الظاهر على الأقل؛ فرغم ما يجمعها من الاستعداد للتعاون مع المعارضة اليهودية من أجل إزاحة نتنياهو، لا تريد القائمة العربية الموحّدة الاكتفاء بدعم ائتلاف حكومي مقابل مكاسب محدودة، وترغب في الحصول على حقائب وزارية مقابل هذا التعاون. بينما يبدو قادة القائمة المشتركة مستعدّين للتعاون في مسألة نتنياهو، وإن كانوا أكثر تحفّظاً على المشاركة في حكومة تضم بينت وليبرمان وغيرهما، لأن هؤلاء لا يختلفون في نظر قادة القائمة المشتركة عن قادة الحكومة الحالية. ويرى الطيبي ضرورة أن يكون انتخاب رئيس للكنيست أول خطوة بعد الانتخابات، لما يعنيه هذا من سيطرة كاملة على الكنيست، ويعبّر عن استعداده لـ"دعم المرشح المنافس لرئيس الكنيست الحالي، أمير أوحانا، الذي حوّل الكنيست إلى سوق للتيار الكاهاني". ورغم تحفّظ الطيبي، فإن ما ذكره من أن الأحزاب العربية قد تفعل أكثر من توصية رئيس الدولة باسم المرشح لتشكيل الحكومة، قد يُفهم استعداداً للذهاب بعيداً في التعاون من أجل تشكيل حكومة ائتلافية والتخلّص من نتنياهو.
هكذا يبدو الوضع بين أحزاب المعارضة اليهودية والأحزاب العربية، يحتاج كل منهما إلى الآخر لتحقيق هدف مشترك: إزاحة نتنياهو، لكن مراجعة المشهد تكشف عن مفارقتين؛ فبينما تعلن الأحزاب العربية استعداداً للتعاون، تقابلها الأحزاب اليهودية بالتشدّد، وإن كان مؤقتاً. أما الأخطر فهو أن الانتخابات الحالية في نظر قادة المعارضة والكتّاب والمحللين المعارضين تخاض على مبدأ إنقاذ إسرائيل وديمقراطيتها من حكومة نتنياهو. وهنا تحديداً تتقاطع مصالح القوائم العربية مع مصالح هؤلاء؛ فيقود هدف إزاحة نتنياهو المتفق عليه، إلى الهدف الأكبر المتمثل في إنقاذ إسرائيل، وإن كان محل خلاف.. وفي كل الحالات، ينتظر الجميع لحظة الحقيقة لتكشف عن حجم التمثيل العربي في الكنيست المقبل، وعن مدى تأثيره في السياسة الإسرائيلية.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗