نساء غزّة وبناتها... حربٌ داخل الحرب
أصلاً، الحرب على غزّة لا تشبه غيرها من الحروب، حديثة كانت أم قديمة. تجمع ما لم تجمعه هذه الحروب. الحصار المحْكم، المساحة الآخذة بالتقلص، التهجير المكرَّر بداخلها، محو معالم العمران، القتل والتدمير المستمرَّين، رغم وقف إطلاق النار... كلها تطاول الغزّاويات قبل غيرهن.
من ناحية، تحمّلهن هذه الحرب مسؤولية مضاعَفة، تدفعهن نحو اختراع أشكال البقاء على قيد الحياة، في الطعام والرعاية وتنظيم شبكات التعاون، في تسلم مسؤولية العائلة بعد غياب الشريك أو استشهاده أو إصابته بإعاقة دائمة أو اعتقاله. ومن ناحية أخرى، تطاول مكانهن، بيتهن، وظيفتهن الإنجابية، أمومتهن، يومياتهن، مأكلهن وملبسهن ونظافتهن الخاصة. تطاول أولادهن، بعد اختفاء أو مقتل أو طمر تحت الأنقاض... وحياتهن الجنسية العاطفية، حياتهن الحميمة الخاصة.
النساء والبنات في غزّة يكابدن عنفاً من نوع خاص جداً، أبرزته أخيراً تقارير أممية، بعدما نشرت فصولاً عنه منظمات نسائية فلسطينية. ومفاد هذه التقارير: أن ذكور العائلة، من زوج وابن وأخ ووالد الزوج (الحَمو)... يمارسون أشكالاً من العنف الجنسي ضد نساء العائلة وبناتها. ويراوح هذا العنف بين الاستغلال الجنسي، الاغتصاب الزوجي، زواج القاصرات (من 12 إلى 17 سنة)، الزواج القسري (من 18 إلى 59 سنة)، فرض القيود على التنقل، الاستيلاء على المساعدات الإنسانية وتحويلها عن مستحقيها، سوء المعاملة، التهديد باختطاف أطفال فقدوا آباءهم.
زيجات القاصرات خصوصاً تعتبر نوعاً من التخفيف من الأعباء الاقتصادية، نوعاً من الحماية أيضاً. وهي لا تحمي لا من العنف الزوجي، ولا من التسرّب المدرسي أو الحمل المبْكر أو من زيادة التبعية للزوج. ومن نتائج الزيجات القسرية والحمل المبكر أيضاً، زيادات ملحوظة في حالات الإجهاض، 4000 عملية إجهاض (2025)، نصفهن يعانين نقصاً في الحديد، وزيادة أخطار الولادة.
أصلاً، قبل تزويجهن، تُحَمَّل البنات الغزّيات مسؤوليات فوق عمرهن وطاقتهن، للتسرّب المدرسي، لانعدام الأمن، لاختفاء الأمكنة الخاصة، للخشية من الذهاب إلى المراحيض أو الحمامات... وتشير التقارير نفسها إلى أماكن التحرّش العنيف بالنساء والبنات: في الطوابير الطويلة للحصول على المياه والطعام والمساعدات الإنسانية، في المراحيض، وهي مشتركة، في الحمامات أيضاً، التي يتقاسمها أشخاص لا تربط بينهم صلة قرابة.
ثمة فئة أخرى من النساء أكثر استهدافاً لنوع كهذا من العنف: إنهن الأرامل والمطلقات أو المنفصلات عن أزواجهن، أو المحرومات من سند العائلة الموسعة، أو الجيران، أو مؤسّسات خيرية أو أهلية، أو أشكال المساعدات العينية. ربما هن الفئة الأكثر استباحة، بعد بناتهن المراهقات.
النساء والبنات في غزّة يكابدن عنفاً من نوع خاص جداً أبرزته أخيراً تقارير أممية، بعدما نشرت فصولاً عنه منظمات نسائية فلسطينية
الأرقام شبه الرسمية: 38000 شهيدة غزاوية، بين نساء غزّة وبناتها. و11700 منهن صاحبة جروح خطيرة خلفت إعاقات دائمة او طويلة الأمد. غير الثكالى بعشرات الآلاف. التقرير الأحدث للأمم المتحدة، (صندوق الأمم المتحدة للسكان) الصادر الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، يتوقف أمام نقطة تهمّنا بشكل خاص. وهي تساؤل: لماذا تفضّل ضحية العنف الزوجي أو الجنسي أن تصمت، حتى لو كان المعتدي ينتمي إلى مجتمعها نفسه؟ فتحاول إيجاد ما يفسّر هذا الصمت، بما تصفها "عوائق". أولها ما تسميه "العيب الاجتماعي". تخشى المرأة أو البنت التي اغتُصبت أن تتحوّل متّهمة، أو أن تتلطخ سمعتها في محيطها، أو ينبذها زوجها إذا كنت متزوجة، أو أن تتضاءل حظوظ زواجها إذا كانت عزباء. ثاني هذه العوائق: خوفها من أن تُعاقَب لأنها تكلمت. خوفٌ من المعتدي نفسه، من تهديد أولادها، من تطليقها، من خسارة المساعدات. ويتكلم التقرير أن هذا النوع من العوائق يزداد خطورة إذا كان المعتدي يحمل سلاحاً، أو ينتمي إلى مجموعة مسلحة، أو له سطوة على محيط الخيام التي تأوي إليها المرأة أو البنت.
ثالث هذه العوائق: غياب الجهة المخوّلة بتلقي شكاوى الاعتداءات. لا شرطة، ولا محكمة، ولا طبيب، ولا جمعية حماية...
أليس وارداً أن يكون المعتدي مسلحاً إسرائيلياً؟ نعم. ولكن أية امرأة من اللواتي تكلمن لم يطاولها. إنما ينقلن عن شهود عيان، لا أكثر. والصمت في هذه الحالة لا يعني القبول بالعنف أو الخضوع له. قد يكون "استراتيجية للبقاء على قيد الحياة"، أو حماية للنفس من التهديد لأخطار إضافية.
رغم الحديث عن مسلحين، أو معتدٍ ينتمي إلى جماعة مسلحة، لا يوجه التقرير أصابع الاتهام نحو حركة حماس تحديداً، بصفته التنظيم الحاكم في القطاع، أو إلى المجموعات المسلحة المنافسة لها والتابعة لإسرائيل. لكنه يفيد بأن المعتدين قد يكونون من العائلة نفسها، أو من الجماعة القرابية، أو من أشخاص مخولين عن الأمن أو توزيع المساعدات. علماً أن التبليغ عن اعتداء من فرد ينتمي إلى "حماس" قد يجعل صاحبته موضع شبهة خدمة العدو، أو خدمة المجموعات المسلحة المؤيدة لإسرائيل. بينما قد تنتقم الأخيرة من التهمة بإجراءات تحرم من المساعدة أو إلحاق الأذى بها.
ارتفعت نسبة زواج القاصرات، وضوعفت نسبة العواقب التي تحول دون تقديم الشكاوى عن العنف المنزلي
حسناً الآن. كيف كانت الأوضاع قبل الحرب؟ هل كانت النساء والبنات يتمتعن بحقوق خاصة حرمتهن الحرب منها؟ أو أن "حماس" الحاكمة فيها منذ عقدين، كانت لها سياسة شبيهة ضدهن، وإنْ بوتيرة أقل حدّة؟ أو أن المجتمع الفلسطيني نفسه كان مهيئاً، قبل وصول "حماس" إلى السلطة، للتحكّم في نسائه وبناته؟
نعم كان نظاماً بطريركياً سابقاً على نشأة "حماس"... يستند قانون الأحوال الشخصية في غزة المعمول به عشية هذه الحرب إلى قانونين قديمين: الأول معروف بقانون يُعتمد منذ العام 1936، المعمول به في ظل الانتداب البريطاني. والثاني قانون 1954 المصري المعتمد على الشريعة. والاثنان يتضمنان أوجهاً من اللامساواة بين الجنسين: في الزواج وشروط الطلاق، في تعدّد الزوجات، في حقوق الإرث، في حضانة الأولاد.
و"حماس"، المنتمية إلى الإخوان المسلمين، جاءت لتضيف إلى هذا النظام أشكالاً أخرى من اللامساواة. أول إجراءاتها كانت الهندام وقد فرضت الإسلامي منه؛ الحجاب، والجلباب شيئاً فشيئاً. بدأ في المدارس، ومر على المحاميات، واستقر على "شرطة أخلاق" تراقب اللباس واللقاءات بين رجال ونساء من غير الأقارب.
أيضاً: اتخذ مجلس القضاء في القطاع الواقع تحت سيطرة "حماس" اتخذ إجراء يسمح لولي امرأة غير متزوجة أن يطلب منعها من السفر. الحماية من العنف المنزلي: لم تؤسس حماس أية هيئة تقوم بهذه المهمة... وفي هذه الفترة عشية الحرب، ارتفعت نسبة زواج القاصرات، وضوعفت نسبة العواقب التي تحول دون تقديم الشكاوى عن العنف المنزلي.
لم تكتف "حماس" بالإبقاء على أشكال اللامساواة القديمة. إنما زادتها رسوخاً. رفعت من درجة السيطرة على حياة النساء والفتيات
باختصار، لم تكتف "حماس" بالإبقاء على أشكال اللامساواة القديمة. إنما زادتها رسوخاً. رفعت من درجة السيطرة على حياة النساء والفتيات.
في الضفة الغربية وضع النساء أفضل، نسبياً، ويجب التشديد على الـ"نسبياً" هذه، فحكامها ينحدرون من حركة فتح، المنادية بالعلمانية. في قوانين الأحوال الشخصية، أبقت السلطة على تعدّد الزوجات، على الحقوق غير المتساوية بالطلاق. ولكنها حدّدت عمر الزواج في الثمانية عشر (مع الحفاظ على "استثناءات")، أعطت للنساء الحقّ بالسفر من دون إذن الزوج أو الوصي، أعطت حقوقاً إضافية للنساء في حضانة الأولاد، ألغت الإجراء القاضي بتزويج المغتَصَبة لمغتصبها، وفرت قدراً من الحماية للنساء اللواتي يتعرّضن للعنف المنزلي. وقلصت من احتمال خفض العقوبة لمرتكبي جريمة الشرف.
أقلّ ما يمكن قوله الآن إن الغزّاويات لا يحسدن على تلك الحرب المزدوجة التي تُخاض ضد كل خليةٍ من خلاياهن الحية. وأكثر ما يمكن التساؤل حوله عن إمكانية استعادة شعار المراحل السابقة من النضال الفلسطيني أن مسألة النساء يجب أن تؤجل حتى يُنجز التحرير؟ وبعد ذلك نبحث بالموضوع؟
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗