هجوم أبيي يعيد التوتر بين الخرطوم وجوبا إلى الواجهة
فجّر هجوم نفذته طائرة مسيّرة، يوم الاثنين الماضي، قيل إنها تابعة للجيش السوداني على سوق "أميت ـ النعام" الحدودي بين السودان وجنوب السودان، التوترات بين البلدين مجدداً، إذ تؤكد كل من الخرطوم وجوبا أحقيتها في منطقة أبيي التي ظلّت قضية عالقة بينهما منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011. ورغم وجود قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، إلا أن التوترات الأمنية ظلّت تهدد استقرار المنطقة التي يُفترض أن تكون منزوعة السلاح بحسب قرارات الأمم المتحدة. وقد صعدت جوبا احتجاجها على القصف الأخير الذي راح ضحيته عدد من المواطنين باستدعاء السفير السوداني لديها عصام محمد حسن كرار، وإبلاغه إدانتها، مطالبة الخرطوم بوقف أي تصعيد في المنطقة.
وتعرض سوق أميت الذي يسمى أيضاً سوق النعام في ولاية غرب كردفان السودانية، على بعد حوالي 15 كيلومتراً شمال مدينة أبيي الحدودية المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، إلى هجوم مفاجئ نفذته طائرة مسيّرة في الحادية عشرة من صباح يوم الاثنين الماضي، ما أدى إلى مقتل واصابة العشرات وتدمير عدد من المحال التجارية في السوق الذي يضم مواطنين من السودان وجنوب السودان، إضافة إلى جنسيات أخرى إثيوبية وصومالية.
وبحسب آخر حصيلة نشرتها وكالة فرانس برس عصر أمس، فقد وصل عدد القتلى جرّاء الهجوم إلى 153 قتيلاً. وقال وزير الإعلام بالإنابة في منطقة أبيي الإدارية الخاصة يوهانا أكول، للوكالة، إن "عدد الضحايا بلغ 153 وقد يرتفع في أي وقت، لأن بعض الضحايا احترقوا حتى تفحموا، ويبذل رجال الإنقاذ جهوداً حثيثة لجمع كل الجثث في سوق أميت". ولفت الوزير إلى أن من بين الضحايا سودانيين وجنوب سودانيين وإثيوبيين وصوماليين، مضيفاً أن 19 شخصاً آخرين نُقلوا إلى المستشفى، مع توقع وصول مزيد من المصابين.
أبيي الغنية بالنفط
ومنطقة أبيي هي منطقة حدودية غنية بالنفط تقع على الحدود بين السودان وجنوب السودان، وتُعدّ تاريخياً وجغرافياً نقطة وصل بين البلدين، وقد ظلّت منطقة متنازع عليها بينهما منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية بزعامة جون قرنق عام 2005 بالإضافة إلى بروتوكول منطقة أبيي، وظلّت بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 تخضع لترتيبات أمنية وسياسية خاصة بوجود قوات حفظ السلام (يونيسفا) التابعة للأمم المتحدة.
وسارعت حكومة جمهورية جنوب السودان إلى إدانة الهجوم الأخير الذي اتهمت الجيش السوداني بتنفيذه على سوق "أميت ـ النعام"، مطالبة الحكومة السودانية بمنع تكرار مثل هذه الهجمات وتجنب أي تصعيد للتوتر في منطقة أبيي.
وقالت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بجنوب السودان في بيان صحافي، الاثنين، إن حكومة جنوب السودان علمت بهجوم نفذته طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني على سوق أميت الواقع شمال بلدة أبيي، وأشارت إلى أن الهجوم استهدف مواقع متعددة داخل السوق، ما أسفر عن سقوط ضحايا ومصابين بين المدنيين، فضلاً عن دمار مادي كبير في الممتلكات. وأضافت أن وكيلة وزارة الخارجية السفيرة أغنيس أدلينو استدعت السفير السوداني لدى جوبا عصام محمد حسن كرار لنقل احتجاج حكومة جمهورية جنوب السودان الشديد على الهجوم الذي شنّته طائرة مسيّرة على السوق، وأكدت أن الحكومة تدين هذا الهجوم، الذي أسفر عن وقوع إصابات وضحايا في صفوف المدنيين، ودعت إلى اتخاذ تدابير لمنع تكرار مثل هذه الهجمات وتجنب أي تصعيد للتوتر في منطقة أبيي.
وأشارت الوزارة إلى أنها نقلت للسفير السوداني احتجاج الحكومة القوي وقلقها العميق إزاء الهجوم وتداعياته على أمن المدنيين واستقرار منطقة أبيي، داعية السودان إلى الامتناع عن أي أفعال تعرض حياة المدنيين وممتلكاتهم للخطر، ومعالجة أي قضايا تتعلق بمنطقة أبيي من خلال القنوات الدبلوماسية القائمة وآليات الحوار والتواصل الحالية. ولفتت إلى أن حكومة جنوب السودان تؤكد التزامها بحماية المدنيين والحفاظ على السلام والأمن والاستقرار في منطقة أبيي، مطالبة الحكومة السودانية باتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
من جهتها، قالت السفارة السودانية في جوبا، في بيان مقتضب، أول من أمس الثلاثاء، إن السفير عصام كرار التقى وكيل وزارة الخارجية الجنوب سودانية أغنست أدلينو في مقر الوزارة بالعاصمة جوبا، وناقشا مستوى التنسيق والتواصل بين البعثة والوزارة في القضايا والمواضيع ذات الاهتمام المشترك. وأكد المسؤولان، بحسب البيان، ضرورة تفعيل الآليات المشتركة بين البلدين لمعالجة القضايا العالقة والمضي قدماً لتعزيز العلاقة بين البلدين وفقاً للاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بينهما.
وشهدت منطقة أبيي، أول من أمس، تظاهرة احتجاجية دعت إليها منظمات مجتمع مدني تنديداً بالغارة التي استهدفت السوق، وشارك فيها مواطنون من السودان وجنوب السودان. ورفع المتظاهرون لافتات وشعارات تطالب بوقف الهجمات على المدنيين وحماية الأسواق، كما سلّموا مذكرة إلى بعثة الأمم المتحدة (يونيسفا)، طالبوا فيها البعثة بالقيام بواجبها في حماية المدنيين.
وقالت بعثة "يونيسفا" في بيان على موقع إكس، أمس الأربعاء، إنها حشدت في أعقاب الهجمات فرقاً طبية، ووحدات لمكافحة الحرائق، وقوات استجابة سريعة لمساعدة المدنيين المتضررين، وإجلاء الضحايا، وإخماد الحرائق. وأضافت أن قواتها من الكتيبة الباكستانية لعبت دوراً رئيسياً في الاستجابة للطوارئ، لافتة إلى أنها ستواصل التحقق من أعداد الضحايا، وستعمل مع السلطات والقادة المجتمعيين للمساعدة في استعادة الهدوء، داعية جميع الأطراف المعنية إلى ممارسة ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وضمان المساءلة.
ودان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الهجمات بمسيرات على منطقة أبيي، في بيان صحافي أصدره في وقت متأخر من أول أمس الثلاثاء، وقال إن عدد الضحايا من المتوقع أن يزداد فيما تواصل قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي التحقق من الضحايا، وأشار إلى أن الكثيرين ما زالوا في عداد المفقودين.
وشدّد الأمين العام للأمم المتحدة في بيانه على أن الهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية محظورة بموجب القانون الدولي. وذكّر غوتيريس كل أطراف الصراع المسلح بضرورة الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احترام وحماية المدنيين في جميع الأوقات. وشدّد غوتيريس على ضرورة ضمان المساءلة، داعياً حكومتي جنوب السودان والسودان إلى اتخاذ كل الخطوات الممكنة للمساعدة في منع وقوع مزيد من الهجمات، والحفاظ على وضع نزع السلاح في أبيي.
وقد ظلّت قضية منطقة أبيي من أبرز القضايا العالقة بين الخرطوم وجوبا، وقد شهدت اشتباكات مسلحة بين الطرفين أكثر من مرة، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار سلسلة من القرارات بشأن المنطقة، أبرزها القرار رقم 1990 الصادر في 27 يونيو/ حزيران 2011 الذي أنشأ قوة "يونيسفا" لحماية المدنيين ومراقبة نزع السلاح، وتمّ تمديد ولايتها بانتظام منذ ذلك الوقت.
السودان يتجنب التصعيد
وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي عبد الماجد علي، لـ"العربي الجديد"، إن العلاقات بين الخرطوم وجوبا تشهد في الأصل نوعاً من الحذر وتجنب المواجهات بسبب حرب السودان والمشاركة الواسعة لمقاتلين من جنوب السودان في صفوف قوات الدعم السريع، في تمرد داخلي تكافحه الحكومة السودانية، إلى جانب ما وصفه بفشل جوبا في الحدّ من تدفقات المرتزقة والسلاح واللوجستيات عبر أراضيها، وغضّها الطرف عن تهريب الذهب السوداني من قِبل المتمردين عبر أراضيها، واتخاذ مطاراتها معابر لقيادات التمرد.
عبد الماجد علي: فشلت جوبا في الحدّ من تدفقات المرتزقة والسلاح واللوجستيات عبر أراضيها، وغضّت الطرف عن تهريب الذهب السوداني
ورأى علي أن الخرطوم تتعاطى بتروٍ مع كل ما يصدر من جوبا ويمكن أن يوتر العلاقات ويفتح جبهة مواجهة دبلوماسية، مشيراً في هذا الإطار إلى محاولة اعتماد منطقة أبيي المتنازع عليها دائرة جغرافية في انتخابات جنوب السودان المزمعة، بدفع من عناصر جنوبية ترغب في جرّ البلدين إلى مواجهة في ظل هذه الظروف المعقدة التي يمر بها السودان.
وأعرب عبد الماجد علي عن اعتقاده بأن علاقات الخرطوم وجوبا لن تنزلق إلى مستوى المواجهات الدبلوماسية بسبب استهداف الجيش خطوط تموين المتمردين وعناصرهم في أبيي، وذلك لعلم جوبا بحجم التجاوزات على الأرض والأضرار التي تلحق بالسودان جراء تدفق الوقود والسلاح والمرتزقة، إلى جانب رغبة البلدين في تجنب التوترات وتأجيل الحوار حول حسم الملفات العالقة بينهما، وعلى رأسها ملف أبيي، إلى حين توقف الحرب في السودان. وأضاف أن هناك أطرافاً في السودان وجنوب السودان تسعى عبر حسابات سياسية محلية وإقليمية إلى الاستثمار في القضايا الخلافية بين البلدين، مثل وضعية أبيي والنفط والنقاط الحدودية وحركة المقاتلين على الجانبين، وذلك بغرض تخريب هذه العلاقة.
من جهته، رأى السياسي السوداني عبد العزيز عقيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن ما حدث في سوق أميت لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد حادثة أمنية عابرة، بل في سياق التعقيدات التي تحكم العلاقة بين السودان وجنوب السودان، وما يحيط بمنطقة أبيي من نزاع تاريخي وحساسية سياسية وأمنية. وأضاف أن الهجوم وما ترتب عليه من سقوط ضحايا واستدعاء جوبا السفير السوداني، يضع العلاقة بين البلدين أمام اختبار جديد في وقت لا يحتمل فيه أي منهما فتح جبهة إضافية للتوتر.
عبد العزيز عقيد: لا يمكن فصل استقرار العلاقة بين البلدين عن ضرورة تحييد المجتمعات الحدودية عن الصراعات السياسية والعسكرية
وأشار عقيد إلى أن ما يزيد خطورة الحادثة أنها وقعت في منطقة تتداخل فيها المصالح والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات المحلية، وهي مجتمعات ظلت تدفع أثماناً باهظة جراء النزاعات السياسية والأمنية. كما أن استمرار الحرب في السودان، برأيه، يجعل أي حادثة من هذا النوع قابلةً لأن تتجاوز حدودها المحلية، وأن تتحول إلى مصدر للتوتر الإقليمي، خصوصاً في ظل هشاشة الثقة بين البلدين وتعقيدات ملف أبيي الذي لم يجد تسوية نهائية حتى الآن.
ورأى السياسي السوداني أن استدعاء السفير، في حد ذاته، لا يعني أن العلاقات بين الخرطوم وجوبا تتجه بالضرورة نحو مواجهة مباشرة، لأن الاستدعاء موقف احتجاجي يعكس خطورة ما حدث من وجهة نظر جوبا، غير أن المسار الذي ستأخذه الأزمة سيتوقف على كيفية تعامل الحكومتين معها، مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية ليست في الاحتجاج الدبلوماسي، وإنما في أن تتحول الحادثة إلى مادة لتبادل الاتهامات والتصعيد السياسي، بدلاً من أن تكون مدخلاً للتحقيق وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار ما حدث.
ولفت إلى أنه من هنا تأتي أهمية انخراط البلدين في محادثات جادة لا تقتصر على احتواء الأزمة الراهنة، بل تتناول القضايا العالقة التي تجعل منطقة أبيي بؤرة دائمة للتوتر. وتابع: "نحن في حاجة إلى آليات واضحة للتحقيق في الحوادث الأمنية، وتبادل المعلومات، وضبط الحدود، وحماية المدنيين، مع معالجة الخلافات السياسية بعيداً عن منطق التصعيد وردات الفعل".
وأكد عبد العزيز عقيد أنه لا يمكن فصل استقرار العلاقة بين البلدين عن ضرورة تحييد المجتمعات الحدودية عن الصراعات السياسية والعسكرية، لأن هذه المجتمعات ليست طرفاً ينبغي أن يدفع ثمن الخلافات بين الحكومتين، كما أن الأسواق ومناطق التبادل التجاري يجب أن تظل بعيدة عن الاستهداف العسكري. وشدّد عقيد على أن المطلوب اليوم ليس مجرد احتواء تداعيات حادثة سوق أميت، وإنما منع تحولها إلى حلقة جديدة في سلسلة الأزمات بين البلدين، وهذا لن يتحقق، حسب رؤيته، بالبيانات الدبلوماسية وحدها، بل بإرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور الخلاف، والتحقيق المهني المستقل في الحادثة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها الأدلة، مشيراً إلى أن العلاقة بين السودان وجنوب السودان أكبر من أن تظل رهينة لحوادث متكررة وأزمات مؤجلة، واستقرارها مصلحة مشتركة لشعبي البلدين.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗