29 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
خبر

وجه آخر لسرطان الثدي.. حكايات من ليبيا عن ألم لا يُرى

كانت فاطمة تخفي خوفها من السرطان خلف صمت طويل، لكن أختها كانت تقرأ الألم في عينيها. حكايات من ليبيا تكشف وجها آخر للمرض، حيث لا تخوض المريضة المعركة وحدها.

آخر تحديث:
🔗 /s/34623

طرابلس- لم تكن هناء بودبوس بحاجة إلى سؤال أختها فاطمة عما تشعر به. كانت نظرة واحدة كافية لتدرك حجم الألم والخوف اللذين تحاول إخفاءهما، خصوصا حين امتدت إقامتهما في المستشفى أكثر من 12 يوما، بعد انخفاض مؤشرات المناعة والحديد لدى فاطمة، وتأجيل إحدى جرعات العلاج الكيميائي.

وكانت الأيام تمر ثقيلة بين انتظار العلاج والإنهاك الجسدي والقلق مما تحمله الفحوص المقبلة. وفي كل مرة كانت فاطمة تحاول أن تبدو قوية، كانت عيناها تبوحان لأختها بما تعجز الكلمات عن قوله.

فاطمة، معلمة وأم 3 أطفال، واحدة من ليبيات واجهن سرطان الثدي، لكن معركتها لم تكن مع المرض وحده، بل مع الخوف من المستقبل، والتغيرات التي طرأت على جسدها، ومحاولاتها المستمرة للحفاظ على تماسكها أمام أسرتها.

وبعد 6 شهور من العلاج الكيميائي، تلاها العلاج الإشعاعي، جاءت اللحظة التي انتظرتها العائلة طويلا، حين أظهرت صورة المسح الذري عدم وجود علامات ظاهرة للمرض.

لكن انتهاء العلاج لم يمح آثار الرحلة من ذاكرة فاطمة وأختها، كما أن تجربة الشقيقتين تفتح نافذة على جانب قد يغيب عن قصص التعافي من السرطان، وهو الثمن النفسي الذي يدفعه المرضى ومن يرافقونهم.

وتشير تقديرات الوكالة الدولية لبحوث السرطان، وفق بيانات المرصد العالمي للسرطان لعام 2024 المنشورة في سبتمبر/أيلول 2026، إلى تسجيل 913 إصابة جديدة بسرطان الثدي بين النساء في ليبيا، بما يمثل 23.7% من حالات السرطان المقدرة لدى النساء، إلى جانب 331 وفاة بالمرض.

ثلثا حالات سرطان الثدي في ليبيا تم اكتشافها في مراحل متقدمة (الأنباء الليبية)

حين تتحدث العيون

تستعيد هناء، في حديثها للجزيرة نت، أصعب أيام علاج أختها، حين كان العثور على وريد مناسب لإعطائها العلاج يستغرق وقتا طويلا، فيضيف إلى إنهاكها الجسدي معاناة نفسية جديدة.

ولم يكن الألم وحده ما يثقل تلك الأيام، إذ كانت مشاهدة مريضات أخريات يعانين داخل المستشفى تزيد الخوف من المجهول، بينما تواصل فاطمة محاولاتها لإخفاء قلقها والحفاظ على صورتها القوية أمام من تحب.

وتقول هناء إن أختها لم تكن تميل إلى الحديث عن مخاوفها، لكنها كانت تفهم الكثير من نظراتها وصمتها.

وجدت فاطمة في الصلاة وقراءة القرآن والتسبيح والنوافل ما يعينها على تحمل أيام العلاج. وكانت رغبتها في البقاء إلى جوار أطفالها، ورؤيتهم يتخرجون ويتزوجون، دافعا لمواصلة الرحلة رغم قسوتها.

ومع دعم الزوج والأبناء والأقارب والأصدقاء، واجهت فاطمة واحدة من أصعب التجارب في حياتها، لكن بعض التحولات كانت أشد وطأة على نفسها من غيرها.

فحين بدأ شعرها يتساقط بفعل العلاج، حرصت على تغطية رأسها، ورفضت لفترة طويلة الظهور من دون غطاء.

لم تحاول هناء إجبار أختها على تقبل مظهرها الجديد، ولم تطلب منها أن تتجاوز حزنها سريعا، بل احترمت حاجتها إلى الوقت والصمت.

ومن هذه التجربة، خرجت هناء بقناعة مفادها أن مساندة مريضة السرطان لا تعني إغراقها بالشفقة أو مطالبتها بالشجاعة طوال الوقت، وإنما منحها الحب والطمأنينة وحق التعبير عن ضعفها دون خوف.

جراح لا تظهرها الفحوص

توضح الطبيبة ليا السيد، اختصاصية الطب النفسي -للجزيرة نت- أن تشخيص سرطان الثدي قد يثير مشاعر متداخلة من الخوف والقلق والغضب والإنكار، خصوصا لدى اللاتي يرتبط المرض في أذهانهن بالموت أو فقدان السيطرة على المستقبل.

ولا تقتصر التداعيات النفسية على لحظة التشخيص، بل قد تمتد طوال فترة العلاج، مع التغيرات الجسدية وفقدان الشعر والإرهاق، وما قد يصاحب ذلك من اضطراب في صورة المرأة عن نفسها وإحساسها بأنوثتها وعلاقتها بشريك حياتها.

وتشير الطبيبة إلى أن مشاعر المريضة قد تتأرجح بين الأمل والخوف، وبين التماسك والانهيار، وأن هذه التقلبات لا تعني بالضرورة ضعف قدرتها على مواجهة المرض.

وتؤكد أن الدعم الأسري الفعال يبدأ بالاستماع دون إصدار أحكام، وسؤال المريضة عما تحتاج إليه، بدلا من افتراض ما ينبغي أن تشعر به أو الضغط عليها لتظل متفائلة باستمرار.

ورغم أن فاطمة لم تلجأ إلى اختصاصية نفسية خلال علاجها، بسبب تحفظها على البوح بمشاعرها، فإن الطبيبة ليا تشدد على أهمية طلب المساعدة المتخصصة إذا استمر الحزن أو القلق وأصبح يؤثر في النوم والعلاقات الاجتماعية والقدرة على أداء المهام اليومية.

وتنبه إلى أن انتهاء العلاج لا يعني بالضرورة انتهاء المعاناة النفسية، إذ قد يستمر الخوف من عودة السرطان حتى بعد ظهور نتائج طبية مطمئنة.

خلال فعاليات الحملة التوعوية والتثقيفية حول سرطان الثدي (الأنباء الليبية)

معاناة في الظل

بينما انصب اهتمام المحيطين بفاطمة على حالتها الصحية، كانت هناء تخوض بدورها تجربة نفسية شاقة.

تقول إنها لم تجد من يسألها عن حالتها النفسية بصفتها مرافقة لمريضة سرطان، رغم ما كانت تتحمله من قلق وتوتر ومشاهدة يومية لمعاناة أختها.

داخل المستشفى، وجدت شيئا من الدعم لدى مرافقات أخريات، كن يتبادلن الأحاديث ويتفقدن أحوال بعضهن، في محاولة لتخفيف وطأة الأيام الطويلة.

ومن خلال نساء قدمن من مدن ليبية مختلفة لمرافقة مريضاتهن، أدركت هناء أن رحلة السرطان لا تستنزف المريضة وحدها، بل تمتد آثارها إلى المحيطين بها، وأن الشخص الذي يمنح الآخرين القوة قد يحتاج أيضا إلى من يسنده.

جراح في ذاكرة الأسرة

وفي تجربة أخرى، تحمل ريان تنتوش ذكريات طفولة ارتبطت بمرض والدتها بسرطان الثدي عام 2009.

كانت ريان صغيرة حين اضطرت والدتها إلى السفر للعلاج قرابة عام كامل، تاركة وراءها أسرة تحاول التكيف مع الغياب والخوف.

ولم تكن عودة الأم إلى المنزل نهاية سهلة لتلك المرحلة، فقد تغير مظهرها بفعل المرض والعلاج، وتساقط شعرها، حتى إن ابنتها الصغرى لم تتعرف إليها في البداية.

وكان الموقف مؤلما للأم التي عادت بعد رحلة علاج طويلة، لتجد أن آثار المرض امتدت حتى إلى الطريقة التي استقبلها بها أطفالها.

ومع التعافي، بقي القلق حاضرا في حياة الأسرة، يتجدد مع كل موعد للفحوص الدورية خشية عودة المرض.

وعام 2019، واجهت الأسرة اختبارا جديدا حين أصيب الأب بالسرطان، قبل أن يتعافى هو الآخر، وهذه المرة كانت الأم، التي خبرت قسوة التجربة، في مقدمة من ساندوه.

تقول ريان إن شعورها بالعجز عن مساعدة والدتها في طفولتها كان أحد الدوافع التي قادتها إلى دراسة الطب.

وتعمل اليوم مديرة للمبيعات في شركة للأجهزة الطبية، وتسعى إلى المساهمة في دعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي، عبر مبادرة لتخفيض أسعار الأجهزة وتدريب الكوادر الطبية بمناسبة أكتوبر/تشرين الأول الوردي.

وهكذا تحولت تجربة المرض، التي تركت جرحا في ذاكرة طفلة، إلى دافع مهني وإنساني لمحاولة مساعدة أخريات.

اكتشاف متأخر

وتكتسب الدعوات إلى الكشف المبكر أهمية خاصة في ليبيا، حيث يشير ملخص مشروع تجريبي، عرضه باحثون من المعهد الوطني للأورام بمصراتة والوكالة الدولية لبحوث السرطان في مايو/أيار 2026، إلى أن نحو ثلثي مريضات سرطان الثدي يُكتشف المرض لديهن في مراحل متقدمة.

وفي الأشهر الأربعة الأولى من برنامج تجريبي للكشف المبكر بمدينة مصراتة، خضعت 364 امرأة للفحص السريري، وشُخّصت 6 إصابات، 5 منها في المرحلتين الأولى والثانية.

وتبرز هذه النتائج الأولية أهمية توسيع فرص الكشف المبكر وتسهيل الوصول إلى خدمات التشخيص والعلاج، في بلد تواجه فيه كثيرات أعباء المرض وتكاليفه النفسية والأسرية.

فكل تشخيص مبكر قد يمنح المريضة فرصة أفضل للعلاج، ويخفف بعض الأعباء التي تمتد إلى أسرتها، وإن كان لا يلغي صعوبة التجربة أو الحاجة إلى الدعم المستمر.

بعد السرطان.. تبقى الحكاية

اليوم، وبعد أن تجاوزت فاطمة مراحل العلاج وحصلت على نتائج فحوص مطمئنة، لا تزال هناء تستعيد تلك الأيام التي كانت تقرأ فيها الألم في عيني أختها، من دون أن تسمع منها شكوى.

لقد تغير الكثير منذ ذلك الوقت، لكن التجربة تركت لدى الشقيقتين فهما أعمق لمعنى المساندة، وأن التعافي لا يُقاس بنتائج الفحوص وحدها، بل يشمل أيضا استعادة الطمأنينة والتصالح مع الجسد والحياة.

وتختصر هناء ما تريد قوله لكل امرأة تواجه المرض، ولكل أسرة ترافقها في رحلتها، برسالة تحمل الكثير من تجربتها الشخصية:

"أنتِ قوية، وهذا جرس إنذار لكي تهتمي بجسدك نفسيا وروحيا، كل التوتر في الحياة زائل، ولا يستحق أن تحرقي داخلك من أجله، فأنتِ وردة مزهرة."

المصدر: الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.