هل ينجح مشروع نفايات بغداد في إنهاء أزمة الحرق العشوائي؟
شفقنا العراق-تراهن الجهات المعنية على مشروع متكامل لمعالجة النفايات للحد من الانبعاثات السامة وتراكم المخلفات، لكن نجاحه يتطلب أكثر من إنشاء منظومة ميكانيكية؛ إذ تبرز تحديات النفايات المختلطة، وارتفاع الرطوبة والشوائب…
آخر تحديث: 21 تشرين الأول 2026 · 21 تشرين الأول 2026
شفقنا العراق-تراهن الجهات المعنية على مشروع متكامل لمعالجة النفايات للحد من الانبعاثات السامة وتراكم المخلفات، لكن نجاحه يتطلب أكثر من إنشاء منظومة ميكانيكية؛ إذ تبرز تحديات النفايات المختلطة، وارتفاع الرطوبة والشوائب، والحاجة إلى مدافن صحية وأسواق قادرة على استيعاب المنتجات النهائية.
وأعلنت وزارة البيئة في 24 أيلول 2026 حالة الطوارئ البيئية، وأطلقت منصة للرصد والاستجابة، مطالبة الجهات البلدية بوقف الحرق المفتوح ومعالجة تراكم النفايات، لما يسببه من انبعاثات سامة وغاز الميثان.
وفي إطار معالجة الأزمة، وقعت الشركة العامة لاقتصاديات الكربون عقداً أساسياً مع شركة «سوتكو» الألمانية لتنفيذ مشروع متكامل لإدارة المخلفات، يستهدف معالجة 6 آلاف طن يومياً، أي أكثر من 60% من نفايات العاصمة، وتحويلها إلى مواد قابلة للتدوير وأسمدة ووقود بديل.
وتبلغ الكلفة الاستثمارية المقدرة للمشروع نحو 1.2 مليار يورو، وتشمل منظومته جمع النفايات ونقلها وفرزها ومعالجة مكوناتها العضوية. لكن موعد التشغيل النهائي والهيكل التمويلي والتعاقدي لم يُحسما بعد، لارتباطهما باستكمال التصاميم والإجراءات الاستثمارية ومصادقة مجلس الوزراء.
قيود الفرز الميكانيكي ومأزق النفايات المختلطة
يعتمد المشروع على استقبال النفايات المختلطة دون اشتراط فرزها منزلياً، ثم فصل المواد القابلة للتدوير وعزل المكونات العضوية آلياً. غير أن ارتفاع نسبة المواد العضوية والرطوبة واختلاط بقايا الطعام بالأتربة والأنقاض والزيوت يضعف كفاءة الفرز، ويصعّب تحقيق معايير المصانع التي تتطلب نسباً منخفضة من الشوائب والرطوبة.
ومن المتوقع أن تبقى نسبة من النفايات غير قابلة للمعالجة، ما يستدعي استمرار استخدام مدافن صحية هندسية، بدلاً من افتراض إمكانية معالجة النفايات بالكامل.
مصانع جاهزة وسلاسل توريد مفقودة
يمثل مصنع «جوهرة سما بابل» لتدوير الورق والكرتون نموذجاً لقدرة الصناعة المحلية على استيعاب المواد المسترجعة؛ إذ تبلغ طاقته الإنتاجية 150 إلى 180 طناً يومياً، ويسهم مع المصانع الوطنية الأخرى في تغطية 40 إلى 50% من حاجة السوق إلى الورق الخام المستخدم في صناعة الصناديق وألواح الجبس.
لكن المصنع يعتمد على شراء المواد من الوسطاء وتجار الخردة، ولا تربطه تعاملات رسمية مع أمانة بغداد. ورغم أن قرار منع تصدير مخلفات الكرتون الصادر في نيسان 2025 ساعد على استقرار أسعار المواد الأولية نسبياً، فإن الاستفادة من المشروع الجديد تتطلب توفير كرتون مطابق للمواصفات الفنية، ولا سيما ألا تتجاوز الشوائب والرطوبة مجتمعتين 5 إلى 7%.
سلاسل التوريد الموازية: ارتدادات التنظيم على خط الفرز غير الرسمي
أدى تشديد القيود على نقل مخلفات الورق والكرتون، بما فيها منع نقلها من المحافظات الاتحادية إلى إقليم كردستان، إلى اضطراب سلاسل الجمع والتوريد.
ووثقت تقارير احتجاجات أصحاب المكابس وعمال جمع الكرتون في كركوك، حيث تأثر نحو 1200 إلى 1500 شخص بتوقف النشاط، في ظل محدودية قدرة المصانع في الوسط والجنوب على استيعاب المعروض وارتفاع تكاليف النقل.
وامتدت التداعيات إلى بغداد، حيث تعتمد المصانع منذ سنوات على شبكة غير رسمية من جامعي النفايات والفرّازين وأصحاب المكابس لفصل الكرتون والمعادن واللدائن قبل اختلاطها بالنفايات العضوية.
وأدى إغلاق بعض مسارات النقل ومواقع التجميع إلى تكدس المواد وتسريح عمال وانقطاع مصادر دخل يومية تراوح لدى بعض الجامعين بين 10 و15 ألف دينار.
ويحذر العاملون من أن الآليات الحديثة لا تستطيع بالضرورة استبدال الفرز اليدوي في عزل المواد النظيفة بدقة، مطالبين بتنظيم عملهم ومنحهم تصاريح رسمية وإدماجهم في المنظومة الجديدة. ويشير المقال إلى أن استبعاد هذا القطاع قد يضر بمعيشة آلاف العاملين، ويضعف في الوقت نفسه قدرة المصانع على الحصول على مواد أولية نقية.
محاذير المخرجات بين السماد الزراعي والوقود البديل
يستهدف المشروع إنتاج نحو 500 ألف طن سنوياً من السماد العضوي «الكومبوست»، و100 ألف طن من وقود الطائرات المستدام. غير أن استخدام السماد يواجه مخاطر تلوث محتملة بسبب اللدائن الدقيقة والمعادن الثقيلة الناتجة عن اختلاط النفايات البلاستيكية والبطاريات والدهانات.
ولهذا، يعتزم القائمون على المشروع إجراء فحوص مخبرية بالتنسيق مع وزارة الزراعة، مع توجيه المنتجات إلى استخدامات بيئية وهندسية، مثل أحزمة التشجير وتثبيت التربة، بدلاً من استخدامها مباشرة في زراعة الأغذية. أما وقود الطائرات، فلا تزال اتفاقيات شرائه الملزمة غائبة، فيما يتطلب تسويقه اعتماد المواصفات وإجراء الاختبارات الدولية.
التمويل المناخي: رهن الرصد والتحقق الدولي
يستهدف المشروع خفض الانبعاثات بما يعادل مليوني طن من أرصدة الكربون سنوياً، لكن هذا الرقم تقديري وليس عائداً مضموناً. ويتوقف تحقيقه على قياس الانبعاثات والتحقق المستقل وفق منهجيات دولية، مثل معايير «فيرا»، مع احتساب الانبعاثات الناتجة عن تشغيل المنشأة نفسها.
كما يتطلب تداول الأرصدة دولياً، وفق آليات المادة السادسة من اتفاق باريس للمناخ، إجراء تعديلات محاسبية تمنع احتساب خفض الانبعاثات مرتين.
وبالتوازي، تعمل لجنة وزارية على إعداد مشروع قانون جديد لإدارة النفايات يعالج ثغرات قانون البيئة، ويتضمن فرض الفرز الإلزامي من المصدر وتنظيم توريد المواد إلى المشاريع الكبرى والقطاع الخاص.
المصدر: وكالة شفقنا
