28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
خبر

من خيمة في دير البلح.. كيف يحاول "بنك صغير" إنقاذ الزراعة في غزة؟

في خيمة بلاستيكية مؤقتة بمدينة دير البلح، يحاول بنك صغير إعادة بناء مخزونه من البذور المحلية المتوارثة، في خطوة قد تشكل نواة لاستعادة الزراعة المحلية والحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل.

آخر تحديث:
🔗 /s/26522

في وسط قطاع غزة، وتحديدا في مدينة دير البلح، لم تعد الخيام تقتصر على إيواء النازحين، بل تحولت إحداها إلى مساحة صغيرة لحفظ البذور المحلية وإكثارها. تصطف على جدرانها رفوف تحمل أكياس خيش كبيرة وعبوات بلاستيكية بسيطة، في محاولة لإبقاء جزء من الزراعة المحلية حيا وسط الدمار الواسع الذي أصاب القطاع.

لا يتعلق الأمر هنا بمجرد مكان لتخزين البذور وتوثيقها بعناية، بل بمحاولة لحفظ التنوع الزراعي وما تبقى من الأصناف المتوارثة أو ما تعرف بالبذور البلدية، في وقت دمّر فيه الاحتلال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية اللازمة للإنتاج أو حالت دون الوصول إليها.

ومن هذه الحاجة، وُلد بنك بذور محلي صغير من جديد على يد المزارع الغزي سلامة مهنا المعروف بـ"أبو هاني" وعائلته، في محاولة لإنقاذ ما أمكن من الأصناف الزراعية المحلية، وإعادة حفظ ما تبقى من التراث الزراعي الفلسطيني، تمهيدا لإعادة الأرض إلى الإنتاج واستعادة القطاع الزراعي المنكوب في غزة.

بدأ سلامة مهنا وابنته هنادي مشروع بنك البذور عام 2017 (منتدى غزة للزراعة الحضرية وشبه الحضرية)

من فكرة إلى بنك بذور

جاءت فكرة إنشاء بنك للبذور عام 2013، انطلاقا من الحاجة إلى البذور البلدية المحلية، بعد مشكلات واجهها المزارعون خلال حملات إسرائيل على قطاع غزة في أعوام 2008 و2012 و2014، ولا سيما مع البذور الهجينة التي قد تتراجع بعض صفاتها الإنتاجية عند إعادة زراعتها في المواسم اللاحقة، ما دفع إلى البحث عن بديل محلي يمكن الاحتفاظ ببذوره وإعادة استخدامها.

وكان بنك البذور أحد هذه البدائل، إذ دخل حيز التنفيذ عام 2017 بوصفه جهدا أسريا قاده المزارع السبعيني سلامة مهنا وابنته هنادي، البالغة 38 عاما، في بلدة القرارة قرب محافظة خان يونس جنوب القطاع، وهي منطقة سَوّتها قوات الاحتلال بالأرض بالكامل الآن وأصبح الوصول إليها متعذرا- بهدف جمع البذور المحلية وتوفير إمدادات موثوقة منها للمزارعين.

ويوضح محمد زيمو، منسق المتابعة والتقييم والمساءلة والتعلم والتعاون في منتدى غزة للزراعة الحضرية وشبه الحضرية (GUPAP)، أن سلامة وفريقه بدأوا بجمع وحفظ 15 صنفا محليا، قبل أن تتطور المبادرة عام 2019، مع تلقي الدعم، إلى غرفة تخزين أكثر ملاءمة، مزودة بوسائل للتبريد التقليدي باستخدام الفخار، ومعدات للغربلة والتجفيف.

ويشير محمد، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "البنك كان يتولى جمع البذور المحلية وتجفيفها وتنظيفها وتخزينها وإكثارها، كما شكل نقطة محورية لتبادل البذور والمعارف، وهو ما ساعد في الإبقاء على بعض الأصناف، ومنها الذرة والشعير والجرجير، متداولة بين المزارعين. ومع مرور الوقت، أدرك مزيد من المزارعين قيمة البذور البلدية، ليصل عدد المتعاملين مع البنك إلى نحو 200 أو 250 مزارعا".

تتولى هنادي مهمة تفقد البذور وأرشفتها بصورة يومية (منتدى غزة للزراعة الحضرية وشبه الحضرية)

بذور محلية في مواجهة الحرب

وتقول جورجينا ماكاليستر، الأستاذة المساعدة في زراعة التثبيت والاستقرار بمركز الإيكولوجيا الزراعية والمياه والمرونة التابع لجامعة كوفنتري في المملكة المتحدة، إن "احتفاظ الأسر بالبذور كان ممارسة شائعة في الماضي، وظلت أسر كثيرة تفعل ذلك حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023".

وتروي الباحثة البريطانية المتخصصة في الزراعة المستدامة والزراعة البيئية وتطوير المجتمعات الريفية، في حديثها للجزيرة نت، أن هناك قصصا عن أشخاص حملوا بذورهم معهم أثناء نزوحهم، كما فعلوا في عام 1948، ومرة أخرى في عام 1967، وكما فعل المستعبدون الذين جُلبوا من أفريقيا، إذ كانوا يضفرون البذور في شعرهم، من دون أن يعرفوا إلى أين ستقودهم رحلتهم.

وتضيف أن "الاتجاه نحو إنشاء بنوك مركزية للبذور أدى إلى تركيز مصادر هذه البذور في منشآت أصبحت عرضة للاستهداف"، وهو ما حدث مطلع عام 2024، عندما دمرت القوات الإسرائيلية المشروع بالكامل مع تقدمها داخل غزة، فأفقدته المنشأة والمعدات وأصناف عديدة من البذور المخزنة، إضافة إلى مركز مجتمعي مخصص للحفاظ على الأصناف المحلية.

ولم تقتصر تداعيات ذلك على بنك البذور نفسه، إذ أخرجت مزيدا من الأراضي الزراعية القابلة للاستغلال من نطاق وصول المزارعين، وحوّلتها إلى شبه صحراء، وقضت على كثير من مظاهر الحياة الزراعية في القطاع المحاصر. كما فقد المزارعون الأسريون في المناطق الحضرية مخزونات البذور المنزلية بسبب النزوح وتدمير الأراضي ومواقع التخزين، ولا سيما في شرق خان يونس ورفح.

إعادة البناء من الصفر

دفع هذا الواقع المأساوي الأب وابنته إلى محاولة استعادة ما أمكن من مخزون البذور وإعادة تشغيل المبادرة. فبعد موجات متكررة من النزوح على مدى أكثر من عامين، أعاد الفريق مؤخرا بناء بنك البذور باستخدام مواد بسيطة، ليعود المشروع إلى الحياة مجددا من داخل خيمة مؤقتة صغيرة مخصصة لحفظ البذور البلدية.

ويعمل سلامة على فحص البذور لتقييم جودتها، وري المحاصيل ومتابعة الشتلات، فيما تتولى هنادي، مديرة بنك البذور، التعامل مع المزارعين المحليين والإشراف على مجموعة البذور المتنامية، وأرشفتها بصورة يومية، خشية تعرضها للتلف في ظل صعوبة توفير الظروف المناسبة لحفظها. ويتزامن ذلك دراستها للزراعة والسيادة الغذائية عبر الإنترنت، ضمن برنامج يرتبط جزئيا بجامعة كوفنتري البريطانية ومنتدى الزراعة الحضرية في غزة.

ويشير محمد إلى أن مبادرة بنك بذور القرارة، التي أُعيد بناؤها، هي المبادرة المحلية الوحيدة لبنك بذور موثقة حاليا في غزة، موضحا أن "أبو هاني وابنته، إلى جانب مزارعين آخرين، يعملون على إعادة بنائه في المنطقة الوسطى، وجمع الأصناف النادرة أو التي فُقدت، وإكثارها بالشراكة مع المزارعين، بعدما أصبحت أصنافا مثل الشعير والجزر والفقوس والبامية وغيرها أكثر ندرة، وبات خطر فقدان كثير من أصناف البذور قائما".

لكن تراجع البذور المحلية في غزة لم يبدأ مع الحرب الأخيرة. وتوضح جورجينا أن هذه البذور كانت مهددة منذ فترة طويلة، مشيرة إلى دراسة شاركت فيها مؤخرا، وتناولت الغذاء والزراعة والبذور في غزة، مع اعتمادها على مقابلات مع منتجين ومنتجات من غزة، أظهرت أن "هذه التحديات تعود إلى سنوات سابقة، فحتى عندما سعت غزة إلى التحول نحو الاكتفاء الذاتي بعد الانتفاضة الأولى، فإن النموذج الزراعي المكثف الذي اختارته كان يعتمد بدرجة شديدة على إسرائيل".

وتضيف أنه وفقا لبيانات وزارة الزراعة لعام 2022، التي شاركها أحد معارفها في وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطيني، "كانت 89% من البذور الهجينة مستوردة من إسرائيل، بينما جاءت النسبة المتبقية من دول مجلس التعاون الخليجي".

بنك بذور من خيمة نازحين

يأتي هذا المشروع، المقام على قطعة أرض تبلغ مساحتها نحو 200 متر مربع، ويعيش فيها أفراد عائلة سلامة داخل مخيم للنازحين، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إذ تصل البذور التي يجري إكثارها وحفظها لاحقا إلى المستفيدين منها لتُزرع فيما تبقى لديهم من أراضٍ قابلة للزراعة، لتتحول عملية الحفاظ على البذور المحلية اليوم إلى جزء من محاولة الحفاظ على مستقبل الزراعة في غزة.

وبدأت المبادرة بعدد محدود من المزارعين، ثم توسعت خلال العامين الماضيين لتشمل 153 مزارعا، في حين ارتفع عدد أصناف البذور المتاحة من نحو 5 أصناف عند استئناف العمل خلال الحرب إلى مخزون متواضع يضم نحو 32 صنفا محليا، تمثل كل ما نجح محمد وفريقه في تجميعه خلال الأشهر الأخيرة، بفضل تبرعات من مزارعين كانوا يتعاملون مع البنك قبل الحرب.

وبحسب محمد، فإن "هذا التوسع يمنح جهود إعادة البناء أهمية تتجاوز مجرد إعادة إنشاء منشأة واحدة، إذ يمكن للبنك أن يصبح نقطة محورية لإعادة ربط الأصناف المحلية بالمزارعين والمشاتل والحدائق المنزلية ومبادرات البذور المجتمعية".

ومع تركز الإنتاج حاليا على المساحات الحضرية الصغيرة والحدائق المنزلية، يوضح أن المزارعين في المناطق الحضرية يحتاجون إلى كميات صغيرة من البذور الموثوقة والقابلة لإعادة الاستخدام، وهو ما يمكن لبنك بذور عامل أن يسهم من خلاله في استعادة جزء من الإنتاج المحلي وتقليل بعض الاعتماد على البذور الخارجية مرتفعة التكلفة.

ورغم أن قدرة البنك الإنتاجية والتخزينية لا تزال بعيدة عما كانت عليه قبل الحرب على غزة، ولا يمثل ما أُنجز من خلاله سوى قطرة في محيط احتياجات القطاع الزراعي في غزة إلا أنه يعطي أملا لإنقاذ ما تبقى من الإنتاج الغذائي والحفاظ على استمرارية الزراعة المحلية، ومحاولة إنتاج المحاصيل الزراعية من البذور المتوارثة محليا، التي أصبحت شريان الحياة للمزارعين وسكان القطاع، في وقت لا تزال فيه الإمدادات شحيحة وتتصاعد تكاليف الزراعة.

لكن هذا الدور المنشود يأتي في ظل قدرة محدودة للغاية مقارنة بما كان عليه البنك قبل الحرب، ففي مفارقة صادمة تعكس جانبا من فداحة الخسارة التي حلت بالقطاع الزراعي، كان بنك بذور القرارة يضم نحو 80 ألف بذرة قبل قصف مبناه، إلى جانب ثلاجات ونظام للطاقة الشمسية ومجفف وآلة لتنظيف البذور وفرزها. أما اليوم فلا تُخزن سوى بضعة آلاف من البذور، وبصعوبة.

بذور الأسر تحت التهديد

قبل دخول الاحتلال إلى غزة، كان مزارعو غزة يمتلكون 70 طنا متريا من البذور التي تغطي 42 محصولا أصيلا مختلفا، من بينها اللوبيا ذات العين السوداء والبطيخ والمريمية، وهي جميعا من المحاصيل الأساسية في التراث الزراعي الفلسطيني، أما اليوم، ومع دخول فصل الشتاء، أصبح الحصول على بذور للزراعة أمرا يرهق كل مزارع فلسطيني في القطاع.

وبحسب محمد، أظهرت عملية "الرسم الخرائطي التشاركي" التي أجراها منتدى غزة للزراعة الحضرية وشبه الحضرية عام 2025 أن ما يقرب من 60% من الأسر الزراعية المشمولة بالمسح تعتمد بشكل أساسي على البذور التي تحفظها بنفسها، في حين يقوم 93% منها بتخزين البذور في المنازل بعد الحصاد.

ويشير إلى أن مخزونات البذور المنزلية هذه تتسم بالهشاشة، إذ قد يؤدي النزوح أو تدمير المنزل إلى فقدان الأسرة كامل مخزونها من البذور. وهنا يبرز دور بنك البذور المجتمعي في توفير مخزون احتياطي والمساعدة في الحيلولة دون تحول الفقدان المحلي للبذور إلى خسارة دائمة.

ولا تنفصل هذه الهشاشة عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالنشاط الزراعي خلال الحرب. وعلى غرار سائر جوانب الحياة في القطاع الفلسطيني الساحلي، تكبد النشاط الزراعي خسائر واسعة جراء الحرب على غزة، إذ تقدر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن 87% من الأراضي الزراعية و81% من مساحة البيوت الزراعية تعرضا للأضرار، وسط عمليات تجريف واسعة النطاق حرمت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الخصبة.

أما الغالبية العظمى من الأراضي الزراعية في غزة، فأصبحت تقع الآن خلف "الخط الأصفر"، ضمن مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال مباشرة، وتمتد على أكثر من 60% من مساحة القطاع، مما حرم السكان من سلتهم الغذائية التي كانت تحقق لهم يوما اكتفاء ذاتيا كاملا.

وتقول جورجينا، التي شاركت في مشروع "مسارات الطعام في غزة" الذي ركز على النظم الغذائية والزراعة التي تقودها النساء في غزة، إن "الخط الأصفر" أدى إلى تقليص الوصول إلى غالبية الأراضي الزراعية في غزة. وتشير إلى أن السكان، في المقابل، يتجمعون معا لإنتاج البذور وتوزيعها، واصفة أنشطة المساعدة المتبادلة هذه بأنها "لافتة للنظر".

لكنها تحذر من أن استمرار تراجع الوصول إلى الأراضي سيزيد حدة المنافسة على المساحات الزراعية المتبقية، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة مجموعات أكثر قوة على ما تبقى منها. وترى أن هذا يمثل مصدر قلق بالغ، مضيفة أن "ما يحدث لا يمكن فصله عن الإستراتيجية الإسرائيلية".

يركز بنك البذور على الأصناف البلدية المتوارثة التي يمكن إعادة زراعتها موسما بعد آخر (رويترز)

بذور أكثر قدرة على الصمود

تمثل البذور البلدية جزءا من التراث الزراعي الفلسطيني، كما تتميز بعض أصنافها بقدرة أكبر على التكيف مع بيئتها التي نشأت فيها، بما في ذلك تحمل شح المياه وظروف التربة ومقاومة بعض الفطريات، مقارنة بأصناف مستوردة.

وتوضح جورجينا أن البذور البلدية المحلية، كما هو الحال في مناطق أخرى من العالم، تكيفت على مدى أجيال عديدة مع الظروف الفريدة في غزة، ما جعلها أكثر قدرة على مواجهة المستويات المرتفعة من الملوحة ودرجات الحرارة العالية وظروف الجفاف، إلى جانب الآفات والأمراض المحلية. وتقول إن "هذه السمات هي تحديدا ما تحتاج إليه غزة في الوقت الراهن".

وتضيف الباحثة في النظم الغذائية والزراعة في غزة أن الأهم من ذلك أن هذه الأصناف تتميز بملاءمتها للأذواق المحلية، وبقيمتها الغذائية مقارنة بنظيراتها الهجينة المستوردة التي تُنتج خارج البيئة المحلية، ويتعين شراؤها عاما بعد عام، بينما تُنتقى الأصناف البلدية كل عام وفق سمات رئيسية مرتبطة بالقدرة على التحمل، بما يعزز بقاء المحاصيل والأشخاص الذين يعتمدون عليها.

ومن هذه الزاوية، يشير محمد إلى أن البذور البلدية تحمل معها ثقافة الغذاء والمعرفة الزراعية المتوارثة، بما في ذلك المعارف المرتبطة بمحاصيل مثل الملوخية والفقوس والخيار البلدي وغيرها. ومن ثم، فإن الحفاظ عليها يمثل استجابة عملية لاضطراب الإمدادات ووسيلة لحماية التراث الزراعي الفلسطيني وصون خيارات الزراعة المحلية.

مخزون قابل لإعادة الإنتاج

وعلى عكس الأصناف الهجينة التي تُباع عادة في الأسواق التجارية، يمكن الاحتفاظ ببذور الأصناف البلدية وإعادة زراعتها موسما بعد آخر، وهو ما يمنحها أهمية إضافية في بيئة زراعية تعاني نقصا في المدخلات وصعوبة في الحصول على إمدادات جديدة.

ووفقا للقائمين على البنك، فإن البذور التجارية الهجينة لا تعطي عند إعادة زراعتها سوى 30 إلى 40% من إنتاجها الأصلي، بينما تستطيع البذور البلدية، في المقابل، توفير نحو 80% إلى 90% من الإنتاج نفسه بصورة متكررة.

معظم الأراضي الزراعية القابلة للزراعة في غزة أصبحت خارج متناول الفلسطينيين (رويترز)

وتجعل هذه الخاصية البذور البلدية ذات قيمة خاصة في وقت لا يستطيع فيه المزارعون الحصول بصورة منتظمة على الإمدادات الزراعية الجديدة، في ظل استمرار اعتداءات الاحتلال وتشديد القيود على الاستيراد وتدفقات المساعدات الإنسانية ومنع إدخال البذور والأسمدة والآلات إلى غزة.

وفي هذا السياق، توضح جورجينا أن إسرائيل لم تسمح، منذ عام 2023، بدخول أي مدخلات زراعية إلى غزة، مشيرة إلى أن بيانات عامي 2021 و2022 تظهر أنها كانت مصدرا رئيسيا لهذه المدخلات، إلى جانب ما كانت تبيعه شركات الأعمال الزراعية الإسرائيلية إلى غزة تحت مسمى "المساعدات".

وترى أن هذا الوضع يعني أن الهدف الواضح هو قطع وسائل البقاء الزراعية التي كانت إسرائيل تسيطر عليها بالفعل، معتبرة أن البذور البلدية أصبحت، في ظل هذه الظروف، وسيلة أساسية لبقاء الزراعة في غزة.

البذور في خدمة الغذاء

وتكمن أهمية إعادة إحياء بنك البذور بالنسبة إلى المزارعين في حماية الأصناف الزراعية، والحفاظ على استمرارية الزراعة المحلية، وتقليل الاعتماد على مستلزمات الإنتاج المستوردة التي قد تتعطل كليا أثناء الأزمات، ومواصلة إنتاج الغذاء في ما تبقى من الأراضي الزراعية في غزة؛ في وقت انكمشت فيه المساحات الزراعية السليمة في القطاع إلى 3% فقط.

ويوضح محمد أن توافر البذور المحلية القابلة لإعادة الاستخدام يلغي أحد بنود الشراء من قائمة طويلة من مستلزمات الزراعة التي يصعب الحصول عليها جميعا. ويشير إلى أن المزارعين الأسريين في المناطق الحضرية يستطيعون حفظ البذور للمواسم المقبلة وتبادلها مع الجيران والأقارب، بحيث يمكن لعملية إكثار ناجحة واحدة أن تعود بالنفع على أكثر من أسرة.

ويضيف أن "بنك البذور العامل يمكن أن يؤدي دورا مكملا في هذه العملية، من خلال توثيق الأصناف، واختبار قدرتها على الإنبات، وإكثار البذور النادرة، وإتاحتها للمزارعين والمشاتل والحدائق المنزلية ومساحات التبادل المجتمعي". وتزداد أهمية هذا الدور، بحسب قوله، عندما يرتبط البنك بشبكة واسعة من مخزونات البذور المنزلية ومبادرات الزراعة الأسرية الحضرية.

وتتجاوز أهمية هذه الجهود المزارعين أنفسهم لتصل أيضا إلى المستهلكين، الذين يتمثل هدفهم الأبسط والأهم في توفير مزيد من الغذاء المزروع محليا، وزيادة فرص استمرار توافر المنتجات الطازجة في منطقة تعرّض فيها القطاع الزراعي لأضرار واسعة.

وقبل الحرب، كانت غزة تنتج ما يكفي من الخضروات الطازجة لتلبية احتياجاتها المحلية، كما كانت تصدر نحو ثلث إنتاجها من الخضروات إلى الخارج. وكانت الزراعة، بما في ذلك إنتاج المحاصيل وتربية المواشي وصيد الأسماك، تسهم بنحو 10% من اقتصاد القطاع، فيما كان نحو 560 ألف شخص يعتمدون كليا أو جزئيا على هذه الأنشطة في تأمين سبل عيشهم، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو).

أما اليوم، فتشير التقديرات إلى أن القطاع الزراعي لا يستطيع -في أفضل الأحوال- تلبية أكثر من 10% من احتياجات غزة من الخضروات، وفقا لمسؤول الأمن الاقتصادي في اللجنة الدولية للصليب الأحمر أسامة المخلالاتي. وهذا يعني اعتمادا أكبر على الواردات، في وقت يواجه فيه المزارعون نقصا في البذور وغيرها من مستلزمات الإنتاج الزراعي.

وهكذا، يمثل بنك البذور المحلي بنية تحتية مجتمعية مشتركة لدعم الغذاء، وليس مجرد مخزن لحفظ البذور، بينما تُعامل هذه البذور بوصفها مخزونا صغيرا، لكنه بالغ الأهمية، للمستقبل. فالبذرة، على صغر حجمها، تختزن في داخلها موسما كاملا من الإنتاج، ومن ثم فإن فقدانها يعني تراجع جزء من التنوع الزراعي، وتقلص القدرة على إعادة زراعة الأرض في المواسم التالية، وليس مجرد خسارة محصول واحد أو مخزون غذائي آني.

دورة حياة تتحدى الموت

يعمل بنك البذور وفق نظام إعارة تكافلي فريد، يحصل بموجبه مزارعون موثوقون على البذور بعد اختبارها، فيما يفحص فريق البنك نسبة إنباتها بدقة، ثم يعيد المزارعون جزءا منها بعد الحصاد، لتبدأ دورة جديدة في الموسم التالي، في محاولة للحفاظ على استمرارية الإنتاج الزراعي في غزة.

وأمام هول الاحتياجات الإنسانية والزراعية الملحة في القطاع، تبقى هذه الجهود -رغم رمزيتها وقيمتها الكبيرة- محدودة التأثير.

ويقول محمد إن التحديات التي تواجه إعادة بناء البنك والحفاظ عليه في غزة تبدأ من مرحلة الجمع نفسها، إذ لا تزال بعض المناطق التي كانت تتركز فيها مخزونات البذور، ومنها شرق خان يونس ورفح، صعبة الوصول أو يتعذر الوصول إليها، كما أن كثيرا من الأشخاص الذين كانوا يحفظون البذور نزحوا من أماكنهم.

ويؤكد أن بنك البذور لا يستطيع وحده استعادة الزراعة في غزة، موضحا أن التعافي الزراعي يحتاج أيضا إلى الوصول الآمن إلى الأراضي والمياه والري والأدوات وبيئات النمو والأسمدة ومواد مكافحة الآفات، إضافة إلى خدمات الإرشاد الخاصة بالزراعة الأسرية الحضرية وأسواق تعمل بصورة طبيعية.

ولا تزال مساحة البنك الذي أُعيد بناؤه حاليا داخل هيكل من خيمة بلاستيكية غير مهيأة لتخزين البذور لفترات طويلة، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يفتقر إلى وسائل التبريد التقليدية وسعة التخزين المحكم اللازمة للحفظ الموثوق طويل الأمد، مما قد يعرض البذور للتعفن والتلف.

كما يمكن للرطوبة والحشرات والقوارض أن تقلل من جودة البذور وقدرتها على الإنبات، لذلك يجري تجديد مخزون البذور من موسم إلى آخر بدلا من تخزينه لمواسم لاحقة، بما يضمن استمرار حفظ الأصناف وإكثارها رغم محدودية ظروف التخزين.

وفي غياب المختبرات المجهزة والثلاجات الحديثة التي دمرها الاختلال، باتت وسائل الحفظ البدائية، مثل العبوات البلاستيكية والزجاجية وأكياس التخزين، هي التكنولوجيا الوحيدة المتاحة للقائمين على بنك البذور لإعادة بناء أحد عناصر المنظومة الزراعية في غزة.

لكن هذه الوسائل المحدودة لا تعالج سوى جانب من التحديات التي تواجه إعادة بناء منظومة البذور. فبحسب محمد، يواجه إكثار البذور صعوبات إضافية بسبب عدم وجود مشتل أو قطعة أرض مخصصة لإنتاج البذور وإجراء التجارب، إلى جانب شح المياه وارتفاع ملوحتها، ومحدودية خدمات الإرشاد المتخصصة.

ويوضح أن بناء منظومة قادرة على الحفاظ على الأصناف المحلية وإكثارها يحتاج أيضا إلى اختبارات منتظمة للإنبات، وسجل حي للأصناف، وإجراءات متفق عليها لضمان الجودة، وسجلات آمنة لتتبع حركة البذور وتداولها. ويشير إلى أن غزة لا تمتلك حاليا سجلا وطنيا كاملا أو نظاما مؤسسيا متكاملا لجمع الأصناف المحلية وتوثيقها واختبارها وإكثارها.

بذور أكثر وأرض أقل

ورغم هذه التحديات، بدأ عمل سلامة وهنادي يؤتي ثماره، إذ باتت أمام المزارعين في غزة اليوم بعض الخيارات لمواصلة الزراعة من خلال إتاحة البذور المحلية وإعادتها إلى دورة الإنتاج.

وتقول جورجينا إن الهجوم والحصار أسهما، على نحو لافت، في زيادة تقدير الناس للبذور المحلية، مشيرة إلى أن أشخاصا باتوا يزرعون خارج ملاجئ النزوح التي يقيمون فيها، فقط لإنتاج شيء من الأرض.

ومع ذلك، قد يمثل توفر البذور البلدية تحديا أساسيا آخر، في ظل تعذر وصول المزارعين إلى ما تبقى من مساحات قابلة للزراعة، في محاولة لإعادة الحياة إلى مناطق أنهكتها الحرب.

ووفقا لتقديرات منتدى غزة للزراعة الحضرية، فإن نحو 8% فقط من الأراضي الزراعية في غزة يمكن الوصول إليها واستخدامها حاليا، ويشمل ذلك الزراعة الأسرية الحضرية في الحدائق المنزلية وحدائق الأسطح والمساحات المزروعة بجوار الخيام.

ويشير محمد إلى أن هذه التحديات تأتي في ظل أزمة أوسع تطال مستلزمات الإنتاج الزراعي نفسها، وهي أزمة لا تزال حادة، إذ ويحدد المزارعون المياه باستمرار بوصفها أكبر القيود التي تواجههم.

ويوضح أن البذور المحلية يمكن أن تساعد الأسر على مواصلة الزراعة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المياه أو تعالج تدهور التربة، كما لا يمكنها أن تقوم مقام أنظمة الري والأسمدة أو ممارسات الإدارة الآمنة للآفات، وهي كلها عناصر ضرورية لاستمرار الإنتاج الزراعي.

المصدر: الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.