لماذا تنزلق احتجاجات فرنسا إلى العنف بخلاف ألمانيا؟ الصحافة الألمانية تجيب
تتشابه فرنسا وألمانيا من حيث الأسباب التي تدعو الشباب في كلا البلدين إلى الخروج إلى الشوارع. ومع ذلك تبقى الاحتجاجات في ألمانيا عادية ولا تتخللها أعمال عنف كما يحدث في فرنسا. لماذا؟
تحظى الاحتجاجات في فرنسا باهتمام كبير من وسائل الإعلام الألمانية، فالصحف والمجلات الألمانية، بغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية والسياسية، تفتح وتغلق بهذه الاحتجاجات وتتساءل: لماذا نتظاهر في ألمانيا بطرق مختلفة رغم التشابه الكبير بيننا وبين جيراننا الفرنسيين؟
هذا التشابه بين البلدين يشمل أيضا تشابه أسباب خروج الشباب إلى شوارع المدن الفرنسية، سواء تعلق الأمر بارتفاع تكاليف المعيشة أو بإخفاقات وإجراءات التقشّف في قطاع التعليم أو بالارتفاع الكبير في أسعار السكن.
لكن كيف وصلت هذه الاحتجاجات عند الفرنسيين إلى هذا التصعيد؟ ولماذا لا يخرج الشباب في ألمانيا إلى الشوارع رغم أن ألمانيا تواجه مشاكل مشابهة؟ ولماذا لا تُضرم النيران في مباني البلديات الألمانية على غرار ما حدث السبت الماضي في مدينة ليموج بوسط فرنسا؟
تشابه الحالتين
عنون موقع القناة التلفزيونية "دبليو دي آر" مقالا عن الاحتجاجات بـ"لماذا لا تحترق مباني البلديات الألمانية؟"، ورد فورا: وفق مكتب الإحصاءات الألماني الاتحادي أنفقت ألمانيا في عام 2023 ما يعادل 4.8% من ناتجها القومي المحلي على التعليم، بينما أنفقت فرنسا في العام ذاته 5.3%، ووفق المصدر ذاته يبلغ متوسط عدد التلاميذ في المدارس الفرنسية 11.5 وفي ألمانيا 11.9 طالبا لكل معلم. أما نسبة الفرنسيين المهددين بالفقر فلا تكاد تختلف بين البلدين لأن نسبة هؤلاء في فرنسا تبلغ 16.3% وفي ألمانيا 16.1%.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه البيانات الرسمية هو نسبة البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما، فبينما تبلغ هذه النسبة في فرنسا 19.8%، تبلغ في ألمانيا 7.1%.
ويواصل الموقع إجراء المقارنات بين البلدين قائلا إن نحو 11.2% من السكان في ألمانيا يعانون من أعباء ارتفاع تكاليف السكن، أي ما يقارب ضعف النسبة المسجّلة في فرنسا والبالغة 6.4%.
متظاهر يطلق ألعابا نارية باتجاه الشرطة خلال الاحتجاجات في باريس (غيتي)
أما بالنسبة للتضخم، فيسجّل البلدان مستويات متقاربة تتجاوز 3% بقليل، علما أن أسعار الوقود والمواد الغذائية في ألمانيا شهدت في العام الماضي ارتفاعا أكبر قليلا مقارنة بفرنسا.
أما أبرز الفوارق بين البلدين، فتتمثل في مستوى الدخل والضرائب، وهي عوامل تصبّ في مصلحة ألمانيا. لكن هل يمكن اعتبار ذلك تفسيرا لإضرام النار في مباني البلديات في فرنسا، مقابل عدم حدوث شيء مماثل في ألمانيا؟
ثقافة احتجاج مختلفة
وينقل الموقع عن فلوريان شتاودت -الباحث في شؤون الاحتجاجات الذي أعد في عام 2024 دراسة حول الفروقات في ثقافة الاحتجاج بين ألمانيا وفرنسا- نفيه لذلك، مشيرا إلى وجود اختلافات كبيرة أخرى بين الحركات الاحتجاجية في ألمانيا وفرنسا، ووفق الباحث، فإن أحد هذه الاختلافات يتجلى في أن الفرنسيين يلجؤون إلى الشارع في كثير من الأحيان باعتباره مكانا مشروعا للتعبير عن آرائهم، وذلك بدرجة أكبر بكثير مما يحدث في ألمانيا.
ويضيف أن هذا الشكل من الاحتجاج يُعد جزءا راسخا من تاريخ فرنسا وثقافتها، ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد في فرنسا وكيف امتدت الاحتجاجات إلى جميع أنحاء البلاد؟
ويرى شتاودت أن السبب يعود إلى تراكم مشاعر الاستياء عند الفرنسيين على مدى سنوات طويلة، فالمطالب ـوفقا للخبيرـ بتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية وزيادة الاستثمارات في التعليم والصحة وحماية المناخ، ليست جديدة، بل قضايا تمسّ حياة الناس اليومية بشكل مباشر، مشيرا إلى أن الثقة بين الشارع والنخب السياسية لم تعد موجودة، وإلى وصول الشارع إلى قناعة بعدم قدرة السياسة على إيجاد حلول لهموم المواطن الفرنسي.
ويلجأ الموقع مجددا إلى لغة الأرقام قائلا إن دراسة لمعهد الأبحاث الفرنسي "سيفيبوف" (CEVIPOF) تشير إلى أن نسبة الفرنسيين الذين يثقون في قدرة السياسيين على إيجاد حلول لمشاكلهم تبلغ 22% في حين لا تتجاوز نسبة الفرنسيين الذين يثقون في قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على حل المشاكل أكثر من 18%.
ولكن الأمور في ألمانيا لا تختلف كثيرا على هذا الصعيد، ففي أحدث استطلاع للرأي، تشير الأرقام إلى أن نسبة المواطنين الذين يثقون في قدرة حكومة المستشار فريدريش ميرتس على حل المشاكل لا تتجاوز 10%.
وهكذا، يبدو أن الاستياء من السياسة حاضر في كل من فرنسا وألمانيا، لكن ألمانيا لا تشهد حاليا احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق، وذلك رغم ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن ونقص المعلمين.
متظاهرون يسيرون في أحد شوارع باريس خلال احتجاجات الطلاب وحركة "السترات الصفراء" (غيتي)
ويرى شتاودت أن الاعتقاد بأن ألمانيا لا تشهد احتجاجات ليس صحيحا، مضيفا أن احتجاج واستياء المواطنين في ألمانيا يظهر من خلال نتائج الانتخابات وأن عدد الحركات الاحتجاجية في فرنسا أقل مما هو عليه في ألمانيا، لكنها أكبر حجما بكثير.
ووفق الخبير، فإن الاحتجاجات في ألمانيا تتمحور حول قضية سياسية محددة، مثل المطالبة بتغيير السياسات المناخية أو بمحاربة الحزب اليميني المتطرف "البديل"، أما في فرنسا، فغالبا ما تتركز الاحتجاجات حول قضايا كبرى مثل العدالة الاجتماعية ومن الأمثلة على ذلك حركة السترات الصفراء، التي شغلت فرنسا بين نوفمبر/تشرين الثاني 2018 وربيع عام 2019 وكان السبب المباشر لانطلاقها آنذاك خطة لزيادة الضرائب على الوقود.
هل ستمتد الاحتجاجات إلى ألمانيا؟
طرحت القناة التلفزيونية الثانية في ألمانيا "زي دي إف" سؤالا مباشرا عما إذا كان امتداد هذه الاحتجاجات إلى ألمانيا ممكنا؟ ونقلت القناة عن أستاذ علم الاجتماع في جامعة "بازل" السويسرية أوليفر ناختوي قوله إنه لا يرى ذلك في الوقت الراهن، لا سيما أن معدل بطالة الشباب في ألمانيا أقل بكثير.
ويضيف: فأنا لا أرى حاليا احتجاجات طلابية من هذا النوع ولا حركة شبابية واسعة بهذا الحجم، وإذا اندلعت احتجاجات، فقد تكون مرتبطة بمسألة التجنيد الإجباري فقط، علاوة على ذلك تتمتع فرنسا بثقافة احتجاجية مختلفة تقليديا عن ألمانيا.
أما دومينيك غريلماير، أستاذ العلاقات الألمانية الفرنسية في المعهد الألماني الفرنسي بجامعة "لودفغسبورغ"، فيرى أن الظروف المؤسساتية تختلف أيضا بين البلدين، موضحا ذلك بالقول "في ألمانيا، على سبيل المثال، تقع مسؤولية التعليم ضمن صلاحيات الولايات في إطار النظام الفدرالي، ولذلك فإن الاستياء من الأوضاع في المدارس والجامعات لن يتبلور على المستوى الوطني بالطريقة نفسها".
إضافة إلى ذلك ـوفقا للخبيرـ إن عددا أكبر من الأشخاص في فرنسا يتقاضون أجورا تزيد قليلا فقط على الحد الأدنى للأجور، مما يجعلهم أكثر تأثرا بارتفاع الأسعار، فضلا عن أن الحكومة الألمانية لا تزال قادرة على تخفيف آثار صدمات الأسعار التي شهدتها السنوات الماضية إلى حد ما، ولا سيما في ظل الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، رغم الضغوط التي تواجهها الموازنة العامة.
المصدر: الجزيرة نت
