صراع على الهوية.. غزة والضفة الغربية في قلب الانتخابات الإسرائيلية
تجري إسرائيل، اليوم الثلاثاء، انتخابات برلمانية توصف بأنها من الأكثر حسماً في تاريخها، وسط انقسام سياسي وأيديولوجي عميق يتجاوز المنافسة على تشكيل الحكومة إلى صراع بشأن هوية الدولة ومستقبل نظامها الديمقراطي وعلاقتها…
آخر تحديث:
تجري إسرائيل، اليوم الثلاثاء، انتخابات برلمانية توصف بأنها من الأكثر حسماً في تاريخها، وسط انقسام سياسي وأيديولوجي عميق يتجاوز المنافسة على تشكيل الحكومة إلى صراع بشأن هوية الدولة ومستقبل نظامها الديمقراطي وعلاقتها بالفلسطينيين، في ظل تصاعد نفوذ اليمين القومي والديني واستمرار تداعيات الحروب التي خاضتها خلال السنوات الثلاث الماضية.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن الانتخابات تضع الإسرائيليين أمام رؤيتين متعارضتين لمستقبل بلادهم، إحداهما تتبنى قومية دينية متشددة وترفض إقامة دولة فلسطينية، والأخرى تسعى إلى الحفاظ على المبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، وإعادة الاعتبار للمساواة بين المواطنين العرب واليهود.
ويبرز هذا الانقسام من خلال شخصيتين سياسيتين تمثلان اتجاهين متناقضين، هما عضو الكنيست اليميني المتطرف سيمحا روتمان، والقيادي الأمني السابق يوآف سيغالوفيتش، الذي اتخذ خطوة غير مسبوقة بالترشح ضمن قائمة حزب عربي، في محاولة لتوسيع التحالف المعارض لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
السيطرة على الضفة الغربية
من مستوطنة "بني كيدم" المقامة على تلال الضفة الغربية، يدافع روتمان، البالغ من العمر 46 عاماً، عن رؤيته القائمة على اعتبار الأراضي الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، مستنداً إلى مبررات تاريخية ودينية يرفض بموجبها أيّ تسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية.
وقال روتمان للصحيفة، إن الضفة الغربية أرض إسرائيلية من الناحية التاريخية والدينية والقانونية، مؤكداً رفضه المطلق لقيام دولة فلسطينية، ومعتبراً أن وجود أي كيان ذي سيادة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، بخلاف إسرائيل، يشكل تهديداً لوجودها.
وتتناقض هذه المواقف مع القانون الدولي الذي يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والاستيطان فيها غير قانونيين، بينما يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني تحت الاحتلال المستمر منذ عام 1967.
وتشهد الضفة الغربية توسعاً متسارعاً في المستوطنات والبؤر الاستيطانية، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وسط توجهات داخل الحكومة الإسرائيلية لتعزيز السيطرة الدائمة على الأراضي المحتلة.
وينتمي روتمان إلى حزب "الصهيونية الدينية" الذي يقوده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز الداعين إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، والذي سبق أن دعا إلى تطبيق الإجراءات العسكرية المتبعة في قطاع غزة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأعلن روتمان تأييده لهذا التوجه، معتبراً أن إسرائيل ينبغي أن تفرض قوانينها على الضفة الغربية، لكنه رفض منح الفلسطينيين المقيمين فيها حق التصويت، مستنداً إلى ادعائه بأن غالبية هؤلاء أيّدوا هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وكان روتمان أحد أبرز مهندسي خطة التعديلات القضائية التي دفعت بها حكومة نتنياهو عام 2023، وأثارت احتجاجات واسعة بسبب المخاوف من تقويض استقلال القضاء وإضعاف الرقابة على السلطة التنفيذية.
تحالف عربي يهودي لمواجهة نتنياهو
في المقابل، يمثل يوآف سيغالوفيتش، البالغ من العمر 67 عاماً، توجهاً سياسياً مختلفاً، يقوم على ضرورة إعادة بناء الشراكة بين المواطنين العرب واليهود، والحفاظ على المبادئ الديمقراطية التي نصَّ عليها إعلان تأسيس إسرائيل عام 1948.
واتخذ سيغالوفيتش، الذي أمضى 28 عاماً في الشرطة الإسرائيلية ووصل إلى رتبة لواء، قراراً بالترشح ضمن قائمة حزب "القائمة العربية الموحدة" المعروف باسم "راعم"، بقيادة منصور عباس، ليصبح أول إسرائيلي يهودي وسطي يخوض الانتخابات ضمن قائمة حزب عربي.
وقال للصحيفة، إن قراره يهدف إلى كسر الحواجز السياسية بين العرب واليهود، رغم الانتقادات والاتهامات التي تعرَّض لها من أوساط اليمين الإسرائيلي.
وأوضح أن الاختلافات الدينية والسياسية بينه وبين عباس لا تمنع التعاون، مشيراً إلى أن أحدهما يهودي علماني والآخر عربي متدين، لكنهما يتفقان على ضرورة البحث عن فرص الشراكة بدلاً من تكريس الانقسامات.
ويرى سيغالوفيتش أن استبعاد المواطنين العرب، الذين يشكلون نحو 21% من سكان إسرائيل، من المشاركة السياسية الفاعلة يتعارض مع المصالح الأمنية والوطنية للدولة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التوقعات الانتخابية التي تشير إلى صعوبة حصول أي من المعسكرين المتنافسين على أغلبية مستقلة في الكنيست.
وبحسب استطلاعات الرأي التي أوردتها الصحيفة، قد يعجز تحالف نتنياهو والمعارضة عن تأمين المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً؛ ما يجعل حزب "راعم"، المتوقع حصوله على خمسة أو ستة مقاعد، طرفاً محتملاً في حسم النتيجة.
وقد يتيح دعم الحزب العربي للمعارضة بقيادة رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت تشكيل ائتلاف قادر على إنهاء حكم نتنياهو، رغم استمرار التحفظات داخل بعض أحزاب المعارضة بشأن التعاون مع الأحزاب العربية.
حرب غزة تعمق الانقسامات الداخلية
تجري الانتخابات في ظل تحولات عميقة شهدها المجتمع الإسرائيلي منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة، وفق الأرقام الواردة في تقرير الصحيفة.
وأدّى الهجوم والحرب الإسرائيلية اللاحقة على قطاع غزة إلى تراجع فرص التسوية السياسية القائمة على حل الدولتين، فيما أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني، بحسب السلطات الصحية في غزة.
ورغم حجم الخسائر البشرية والدمار، تشير الصحيفة إلى أن الحملة الانتخابية الإسرائيلية لا تركز بصورة رئيسية على مستقبل الفلسطينيين أو تداعيات الحرب، وإنما تتمحور حول بقاء نتنياهو في السلطة أو إبعاده عنها.
واستطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي استعادة جزء من موقعه السياسي بعد تراجع شعبيته في أعقاب هجوم أكتوبر، مستفيداً من العمليات العسكرية التي استهدفت قيادات في حماس وحزب الله وإيران، ومن الخطاب الأمني الذي يقدمه باعتباره الضامن لحماية إسرائيل.
لكن استمرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا فرض ضغوطاً متزايدة على المجتمع الإسرائيلي والجيش، خصوصاً مع استدعاء جنود الاحتياط لفترات تتجاوز في بعض الحالات 200 يوم سنوياً.
كما تجدد الجدل بشأن إعفاء الرجال اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية، في وقت تتزايد فيه الأعباء على بقية الفئات المجتمعية.
ونقلت الصحيفة عن مراقبين إسرائيليين أن الشعور السائد لا يعكس انتصاراً عسكرياً بقدر ما يكشف عن حالة من القلق والإرهاق وعدم اليقين بشأن المستقبل.
تغيير الاتجاه السياسي
يبرز غادي آيزنكوت بوصفه أحد أبرز المنافسين لنتنياهو، مستفيداً من خلفيته العسكرية وصورته باعتباره شخصية وسطية، إضافة إلى مقتل ابنه خلال القتال في قطاع غزة.
لكن قدرة المعارضة على تشكيل حكومة تظل مرتبطة بتجاوز خلافاتها الداخلية، ولا سيما موقفها من مشاركة الأحزاب العربية في الائتلاف المقبل.
أخبار ذات صلة
جبهات عسكرية مفتوحة.. 4 ملفات تحدد مسار انتخابات الكنيست الإسرائيلي
ويرى السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة إيتامار رابينوفيتش، أن مستقبل تيار الوسط ويسار الوسط يتطلب إقامة شراكة سياسية مع المواطنين العرب الذين يقبلون بواقع الدولة الإسرائيلية، خصوصاً في ظل التحولات الديموغرافية وارتفاع معدلات الإنجاب بين اليهود المتشددين دينياً مقارنة بالإسرائيليين العلمانيين.
في المقابل، يرفض روتمان هذا التوجه، ويتهم حزب "راعم" بوجود صلات مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات ينفيها منصور عباس.
وتعكس هذه المواقف اتساع الهوة بين تيار يعتبر القومية الدينية أساساً لهوية إسرائيل، وآخر يرى أن استمرار الدولة يتطلب ضمان الحقوق السياسية والمدنية لجميع مواطنيها.
مستقبل الديمقراطية على المحك
بحسب "نيويورك تايمز"، فإن أهمية الانتخابات لا تقتصر على تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، بل تمتد إلى مستقبل المؤسسات الديمقراطية الإسرائيلية، وسياسات الاستيطان، والعلاقة مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي.
وقال أستاذ القانون الدولي في الجامعة العبرية بالقدس يوفال شاني إن الانتخابات تمثل معركة حاسمة بالنسبة للقوى الليبرالية، محذراً من أن عجزها عن تحقيق الفوز، بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدتها إسرائيل، قد يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن فرص تغيير الاتجاه السياسي أصبحت محدودة للغاية.
وفي حال فوز المعارضة، تتوقع الصحيفة تشكيل لجنة تحقيق بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، وإعادة النظر في العلاقات الخارجية، واتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.
أما استمرار اليمين في السلطة فقد يعزز التوجهات الرامية إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة، وتقليص نفوذ المؤسسات القضائية.
وتخلص الصحيفة إلى أن المواجهة بين روتمان وسيغالوفيتش تختصر الصراع الأوسع الذي تشهده إسرائيل؛ بين مشروع سياسي يستند إلى السيادة الدينية والقومية على الأرض، وآخر يرى أن الحفاظ على الدولة يتطلب الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وصون التعددية الديمقراطية.
المصدر: قناة الرشيد
