صراع النفوذ في آسيا.. واشنطن تتقدم وبكين تغيب عن اجتماعات الدفاع
اقترحت واشنطن إطارا جديدا للتعاون الدفاعي مع آسيان خلال اجتماعات الفلبين، وسط غياب وزيري دفاع الصين وروسيا، وتحركات يابانية لتعزيز الشراكات الأمنية في جنوب شرق آسيا.
آخر تحديث:
سيبو- الفليبين- انطلقت الأربعاء في مدينة لابو لابو بإقليم سيبو الفليبيني اجتماعات وزراء دفاع رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" الموسعة والتي تستمر ليومين، بمشاركة الدول الأعضاء الـ١١ في الرابطة، إلى جانب وزراء دفاع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية والهند ونيوزيلندا.
يأتي هذا الاجتماع تزامنا مع الذكرى الـ٥٠ لمعاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، الموقعة في عام 1976، التي تدعم احترام السيادة وعدم التدخل والتسوية السلمية للنزاعات، وبعد 59 عاما على تأسيس رابطة آسيان في الثامن من أغسطس لعام 1967، وفي ظل شهود المنطقة لظهور العديد من الرباعيات كتلك التي تجمع بين الهند والولايات المتحدة وأستراليا واليابان، أو التي تجمع بين الفليبين وأستراليا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، أو التي تجمع بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا في منطقة تشهد تدافعا متزايدا مع الصعود العسكري والاقتصادي الصيني.
وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي خلال مشاركته في اجتماع وزراء دفاع رابطة دول جنوب شرق آسيا (غيتي)غياب وزيري الصين وروسيا
وكان لافتا غياب وزير الدفاع الروسي أو أحد من نوابه حتى كتابة هذه السطور، وكذلك غياب وزير الدفاع الصيني دونغ جون، حيث مثل الصين الملحق العسكري في سفارتها لدى مانيلا، وهو أقل مستوى لتمثيل المؤسسة العسكرية الصينية في دورات اجتماعات وزراء الدفاع دول آسيان منذ أن بدأوا توسعة دائرة المشاركين بدعوة 8 دول من قائمة شركاء رابطة آسيان عام 2010، حيث كانت الاجتماعات مقتصرة ابتداء على وزراء دفاع رابطة آسيان دون غيرهم عندما بدأت آلية الدبلوماسية الدفاعية هذه عام 2006، كآلية لتعزيز الثقة والحوار والتعاون الدفاعيين وليس كتكتل عسكري أو دفاعي.
الوزير الصيني كان قد حضر اجتماعي العامين الماضيين لملتقى وزراء دفاع آسيان الموسع، كما حضر اجتماعات الأعوام السابقة أسلافه من وزراء الدفاع الصينيين السابقين، وغيابه عن هذه الاجتماعات -دون توضيح رسمي من بكين- جاء أيضا بعد غيابه مرتين عن منتدى شانغريلا الأمني الدفاعي في سنغافورة.
وقد ألقت وسائل إعلام صينية باللائمة بشأن غياب وزيرها على الفليبين، معتبرة تراجع حضور الصين بسبب حالة العلاقات السياسية والدبلوماسية والدفاعية بين الصين والفلبين، بينما أشارت وسائل إعلام أخرى إلى أن الوزير وجه اهتمامه هذا الأسبوع لحضور اجتماع كبير للحزب الشيوعي الصين بدأ الإثنين ويستمر حتى الخميس، بصفته عضوا في اللجنة المركزية للحزب الصيني الحاكم.
وزير الدفاع الأمريكي (وسط) ونظيره الفلبيني جيلبرتو تيودورو (يسار) يغادران عقب مشاركتهما في اجتماع آسيان (الفرنسية)رسائل مانيلا في قضايا الأمن والدفاع
وزير الدفاع الفلبيني غيلبيرتو تيودورو -الذي تستضيف بلاده هذا الاجتماع- أكد على عدد من الرسائل والأولويات حسب نظر بلاده، ابتداء من التحدي غير العسكري، وهو التأكيد على ضرورة التضامن بين دول آسيان لمواجهة الكوارث الطبيعية، ثم أشار إلى ضرورة الحفاظ على وحدة آسيان والاستقرار الداخلي لدولها، تقوية لـ"مركزية" آسيان ودعم السيادة والسلامة الإقليمية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والقانونية.
كما حذر من التهديد أو استخدام القوة في حل الخلافات بما في ذلك تلك المتعلقة ببحر جنوب الصين حيث تعد بلاده الأكثر تأزما في علاقاتها مع الصين من بين دول آسيان، بشأن السيادة على ما تسميه مانيلا بحر غرب الفليبين.
كما دعا إلى تعزيز الدفاعي العملي بتعميق الثقة من خلال مجموعات العمل والتبادلات بين المؤسسات الدفاعية ويشمل ذلك أولويات الأمن البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية تحت الماء.
ولم تغب أزمة مضيق هرمز عن كلامه حيث أشار الوزير الفليبيني إلى أنه في ظل الاضطرابات في سلاسل التوريد الناجمة عن النزاعات خارج المنطقة، فإنه يجب على آسيان توسيع التعاون لتعزيز أمن الغذاء والطاقة، وأضاف إلى أن التحولات الجيوسياسية تشكل تحديات لحقوق ومصالح الدول الصغيرة والدول الأرخبيلية، مما يعزز الحاجة إلى أن تظل رابطة دول جنوب شرق آسيا متماسكة في دفاعها عن مصالح بلادها ومبادئها.
وزراء دفاع الفلبين وأستراليا واليابان والولايات المتحدة قبيل اجتماع رباعي على هامش اجتماعات آسيان (أسوشيتد برس)تقدير فلبيني للحضور الأمريكي في المنطقة
كان لافتا أيضا تأكيد الوزير الفلبيني -في كلمة أخرى خلال لقائه ووزراء آسيان بوزير الحرب الأمريكي- على أهمية الحضور الأمريكي في المنطقة في الذكرى الـ٨٠ للعلاقات الدبلوماسية بين مانيلا وواشنطن، وأعرب عن تقدير بلاده للمشاركة المستمرة للولايات المتحدة مع المؤسسات الدفاعية في دول آسيان، واصفا الوجود الأمريكي القوي بأنه مهم للسلام والاستقرار في جنوب شرق آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي.
كما ثمن دعم الولايات المتحدة على للمبادرات البحرية الإقليمية، بما في ذلك المناورة البحرية الثانية بين رابطة آسيان والولايات المتحدة، التي أُقيمت في إندونيسيا في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، مشيرا أيضا إلى رئاسة الفلبين واليابان المشتركة لمجموعة عمل الخبراء المعنية بالأمن البحري بين الدول المنضوية في اجتماعات وزراء دفاع دول آسيان الموسعة.
كما أشار إلى مشاركة البحرية الأمريكية وسلاح الجو الأمريكي في نشاط تعاوني مشترك استضافته الفلبين في سوبيك الشهر الماضي، ورحب بريادة الولايات المتحدة وإندونيسيا المشتركة لمجموعة الخبراء العاملين في الطب العسكري في إطار لدورة الأعوام الجارية 2024-2027.
وزير الدفاع شينجيرو كويزومي يتحدث خلال الاجتماع غير الرسمي لوزراء دفاع رابطة آسيان مع اليابان (أسوشيتد برس)تطلع أمريكي لإطار تعاون دفاعي موسع مع آسيان
في المقابل وفي ظل غياب وزيري الدفاع الروسي والصيني عن هذه الاجتماعات، وفي دولة هي الحليفة الأولى والأقرب لواشنطن من بين دول آسيان -بعد اليابان وكوريا الجنوبية من شمال شرق آسيا خارج عضوية آسيان- شهدت الاجتماعات خطابا أمريكيا يحث دول رابطة آسيان على التطلع إلى علاقة دفاعية تتجاوز العلاقات الثنائية المتفاوتة والمتباينة في مستوياتها ومساراتها من دولة إلى أخرى، إلى علاقة على مستوى التجمع الإقليمي.
حيث دعا وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في لقائه وزراء دفاع رابطة آسيان إلى وضع إطار تعاون دفاعي بين الولايات المتحدة وآسيان قائلا: "إذا نظرنا إلى المستقبل في هذه المنطقة، فإنني أتطلع إلى أن نكون أكثر طموحا، ففي العام المقبل تكون الذكرى الـ٥٠ للعلاقة الرسمية بين الولايات المتحدة وآسيان، وهي نقطة تحول مهمة، واعترافا بأهمية ذلك فإننا نقترح أن نعمل معا لتطوير إطار تعاون دفاعي بين رابطة آسيان والولايات المتحدة، إطار عملي يوجه تعاوننا في السنوات المقبلة، وأدرك أنها ستكون سنوات في غاية الأهمية".
وأضاف: "سنظل ملتزمين إلى جانب شركائنا في منطقة آسيان في السعي تحقيق السلام من خلال القوة، السلام والسيادة والرفاهية لكل الدول، بناء على الاحترام المتبادل والقوة".
وقال إن رؤية بلاده تظل مبنية على دول قوية وقادرة على الاعتماد على نفسها والدفاع عن سيادتها والمساهمة في توازن إقليمي مواتٍ للقوى، واصفا ذلك بنهج السلام من خلال القوة، ومن خلال إستراتيجية قوية وهادئة وواضحة، مضيفا أن نهج الولايات المتحدة يتماشى مع تأكيد رابطة آسيان على البراغماتية والحوار والاحترام المتبادل والسيادة.
وأشار هيغسيث إلى أن من أولويات رؤية الولايات المتحدة في المنطقة توسيع التعاون بين القوات البحرية الإقليمية، من خلال التدريب المشترك والتخطيط والتبادلات كإجراء عملي لتعزيز القدرات الدفاعية ومنع النزاع.
وزير الدفاع الفلبيني جيلبرتو تيودورو يلقي كلمته الافتتاحية خلال الاجتماع غير الرسمي لوزراء دفاع رابطة آسيان (رويترز) تحذير ياباني من تدهور المشهد الأمني وطموح طوكيو لحضور أقوى
أما وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي فقد كانت كلمته مفصلة وتحوي أفكارا يابانية عديدة حملها من طوكيو لنظرائه في منطقة آسيان، حيث حذر من أن البيئة الأمنية في منطقة آسيان تتدهور بسبب ٣ تحديات متداخلة وهي حسب قوله: الكوارث الطبيعية المتزايدة، والصراعات العالمية التي تؤثر على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة، وتوازنات القوة العسكرية المتغيرة التي تزيد من المخاطر.
وحدد كويزومي ٣ أولويات لرابطة دول جنوب شرق آسيا لحماية وحدة الرابطة، مركزيتها ومرونتها من وجهة نظره :
الوحدة: بالحفاظ على التعاون رغم الاختلافات بين الدول الأعضاء.
المركزية: بالسماح لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) بوضع الأجندة الإقليمية والتفاعل مع الشركاء الخارجيين.
المرونة: بالحفاظ على الوظائف الأساسية والاستقلالية الإستراتيجية خلال الأزمات.
وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي خلال مشاركته في اجتماع وزراء دفاع رابطة آسيان (غيتي)
وتعهد الوزير الياباني بدعم جهود الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا الساعية لتعزيز قدراتها الدفاعية والاستجابة الجماعية للتحديات المشتركة، بما في ذلك إدارة الكوارث والأمن البحري، وقال إن طوكيو تسعى لأن توسع آسيان من خياراتها وتمكن الدول الأعضاء من اتخاذ قرارات مستقلة، ويأتي كلامه في إطار انطلاقة اليابان نحو عالم الصناعات الدفاعية وتسويقها لشراكاتها الدفاعية في المنطقة من خلال تسويق تقنياتها الدفاعية خلافا لما كانت عليه في العقود الماضية.
وفصل الوزير الياباني في مقترحاته بشأن ما تطمح بلاده أن ترى مستقبل العمل الدفاعي المشترك إقليميا بين دول آسيان وشركائها تعزيزا للتعاون الدفاعي بينها.
حيث دعا إلى تقوية وتوسعة مجموعات العمل من الخبراء لتكون فعالة وموثوقة وقادرة على الاستجابة للاحتياجات الأمنية الإقليمية المتغيرة، وأشار إلى ضرورة تحديث أولويات التعاون قائلا إن اليابان تؤيد المراجعة المستمرة لأولويات مجموعات العمل لرابطة آسيان، مشيرا إلى التحديات الناشئة مثل الكوارث المعقدة، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين مجموعات العمل القائمة مثل تمرين تريندنت ريزولف في إندونيسيا في سبتمبر/أيلول، الذي جمع بين ٣ مجموعات عمل للمرة الأولى في تمرين ميداني مشترك.
كما تحدث عن توسيع التعاون مع الشركاء الخارجيين مقترحا السماح لمشاركة أوسع من الدول الخارجية والمنظمات المعنية في أنشطة محددة.
ومع طرحه لكل تلك الأفكار، فإن الوزير الياباني عاد ليقول إن بلاده لا تسعى لتحديد مستقبل آسيان بالنيابة عنها، وإن القرارات المتعلقة بالاتجاهات والشروط وإجراءات التعاون يجب أن تظل بيد رابطة آسيان، مع استعداد اليابان للمساعدة في تنفيذ اختياراتها.
المصدر: الجزيرة نت
