28 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
الأخبار العاجلة
عاجلآخر التطورات من السياق الإخبارية
خبر

سياسة ترامب في الشرق الأوسط: فشل النجاح

مروان قبلان ترجمة:عدوية الهلالي تُشكّل سياسة دونالد ترامب في ولاية ثانية تجاه الشرق الأوسط مفارقةً صارخة. فقلما حققت إدارات أمريكية هذا الكمّ من النجاحات التكتيكية الظاهرة في المنطقة خلال فترة وجيزة نسبيًا. ومع ذلك…

آخر تحديث:
🔗 /s/27868

مروان قبلان

ترجمة:عدوية الهلالي

تُشكّل سياسة دونالد ترامب في ولاية ثانية تجاه الشرق الأوسط مفارقةً صارخة. فقلما حققت إدارات أمريكية هذا الكمّ من النجاحات التكتيكية الظاهرة في المنطقة خلال فترة وجيزة نسبيًا. ومع ذلك، قلّما أوضحت أي إدارة صعوبة تحويل هذه «النجاحات» إلى نتائج سياسية مستدامة.

لقد ساهم ترامب في وقف حرب مدمرة استمرت عامين، واضعًا إطارًا طموحًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء معاناة مليوني فلسطيني. وفي سوريا، اتخذت إدارة ترامب قرارًا مصيريًا بدعم إعادة بناء سوريا ما بعد الأسد بدلًا من تكريس عزلتها. وفي لبنان، ساعدت واشنطن في تأمين وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ما أدى إلى دخول الإسرائيليين واللبنانيين في مفاوضات سلام مباشرة. وبحلول أوائل عام 2026، كانت إيران وشبكتها الإقليمية قد تكبّدت، ربما، أكبر سلسلة من النكسات منذ عقود.

ومع ذلك، في كل حالة تقريبًا، خلق النجاح ظروفًا عجزت واشنطن عن ترسيخها أو تحويلها إلى مكاسب سياسية، ما يُهدد بمزيد من زعزعة استقرار المنطقة. فلا تزال غزة تعاني من الدمار وعدم الاستقرار السياسي.كما مُنحت سوريا فرصة استثنائية للتعافي، لكن إسرائيل تواصل تقويض ترسيخ الدولة الجديدة،ودخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل دون أن يتجنب خطر تجدد الحرب. والأهم من ذلك، أن واشنطن شنت حربًا على إيران المنهكة أصلًا، وربما أنقذت بذلك النظام الذي كانت تأمل في هزيمته.

في غزة، أثمرت ضغوط ترامب في إجبار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على وقف الحرب. وبعد ذلك، وضع إطارًا من عشرين بندًا يهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي، والإدارة المدنية الفلسطينية، وإعادة الإعمار.وشُكّل مجلس السلام للإشراف على العملية، ومثّلت خارطة طريق تموز 2026 مزيدًا من التقدم، بما في ذلك اتفاق على مبدأ نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيلي تدريجي.ومع ذلك، تُظهر غزة الفرق بين إنهاء العمليات العسكرية وحل الظروف السياسية التي أدت إليها. ولا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في أرض مدمرة، ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار إلا بالكاد، وبدلاً من الانسحاب التدريجي، استولت إسرائيل على المزيد من الأراضي الفلسطينية.

ومن الواضح أن إنهاء الحرب في غزة لا يمكن أن يحل محل الإجابة على المسألة السياسية الفلسطينية إلى أجل غير مسمى. وتُقر خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة بهذا الأمر، إذ تشير في نهاية المطاف إلى مسار موثوق نحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم. وتكمن المشكلة في أن نتنياهو لا يزال يرفض هذا الحل السياسي تحديدًا.كما أظهر ترامب أنه يمتلك نفوذاً كبيراً على رئيس الوزراء الإسرائيلي. ومع ذلك، فإنه يقوض الخطة التي وضعها بنفسه بتردده في استخدام هذا النفوذ باستمرار بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.

وتمثل سوريا العنصر الأكثر ابتكاراً من الناحية الاستراتيجية في سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط. فبعد سقوط بشار الأسد، واجهت واشنطن خياراً مألوفاً: إما الاستمرار في التعامل مع سوريا بشكل أساسي من منظور الإرهاب والعقوبات والعزلة، أو التسليم بأن إعادة بناء دولة سورية فاعلة يمثل في حد ذاته مصلحة استراتيجية أمريكية. اختار ترامب الخيار الثاني.والأهم من ذلك هو المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذه السياسة. فقد فضّلت واشنطن بشكل متزايد استعادة سلطة الدولة على انتشار الفاعلين المسلحين غير الحكوميين الذين ساهموا في تفتيت بلاد الشام عقب الغزو الأمريكي للعراق. وفي منطقةٍ لطالما أضعفت فيها الميليشيات والوكلاء والجهات الخارجية المتنافسة الدول، فإن دعم سوريا موحدة ليس مجرد سياسة جيدة لسوريا فحسب، بل هو أساس محتمل لنظام إقليمي مختلف.

ومع ذلك، تنطوي الاستراتيجية الأمريكية هنا أيضًا على تناقض. فبينما تدعم واشنطن إعادة بناء السيادة السورية وإنعاش اقتصادها، تواصل إسرائيل تحدي هذه السياسة بالذات. وقد امتدت العمليات العسكرية الإسرائيلية لتتجاوز مخاوف أمن الحدود المباشرة، لتشمل ضربات تهدف إلى إضعاف سوريا أكثر، وتقويض وحدتها وسلامة أراضيها، وتقييد علاقاتها العسكرية، بما في ذلك علاقاتها الدفاعية المتنامية مع حليف آخر للولايات المتحدة، وهو تركيا.

التناقض هنا واضح.فلايمكن لإدارة ترامب أن تدعم إعادة بناء دولة سورية ذات سيادة، وفي الوقت نفسه تتسامح مع سياسات تمنع تلك الدولة من اكتساب مقومات السيادة. وإذا كان ترامب يعتقد، كما توحي سياسته تجاه سوريا، أن الدول القوية، لا الميليشيات المتنافسة، هي الأساس الأمثل للاستقرار الإقليمي، فعليه أن يضغط على إسرائيل لقبول المبدأ نفسه. وإلا، فإن أحد أبرز إنجازات إدارته سيُقوَّض من قِبَل أحد أقرب حلفائها.

وتوجد مشكلة مماثلة في لبنان. فقد نجحت إدارة ترامب في وقف الحرب في لبنان، وفي إطلاق محادثات سلام لبنانية إسرائيلية مباشرة ورفيعة المستوى.ولاحقًا، توسطت واشنطن في ترتيبات تهدف إلى ترسيخ وقف إطلاق النار، وتوسيع سيطرة القوات المسلحة اللبنانية في الجنوب، وتهيئة الظروف لاتفاق سلام وأمن أوسع نطاقًا.وهذا أيضًا يتماشى مع منطق الدولة المتمحور حولها، المُعتمد في سوريا. ينبغي أن يكون الهدف لبنانًا تسيطر فيه الحكومة اللبنانية على الأراضي اللبنانية، وتمتلك احتكارًا للاستخدام المشروع للقوة العسكرية. لكن لا يمكن تحقيق مثل هذه النتيجة بإضعاف الدولة اللبنانية، مع مطالبتها في الوقت نفسه بإضعاف حزب الله. وهذا تحديدًا ما تسعى إليه إسرائيل من خلال إصرارها على الاحتفاظ بمواقعها وحرية تحركاتها في جنوب لبنان.

ويُشكّل هذا معضلة سياسية جوهرية لواشنطن. فإذا كان الهدف هو تمكين الدولة اللبنانية مع إضعاف حزب الله في الوقت نفسه، فلا بد من تمكين الحكومة اللبنانية من إثبات قدرة سلطة الدولة على تحقيق ما تعجز عنه أسلحة حزب الله، بما في ذلك السيادة واستعادة الأراضي والحماية من الهجمات الإسرائيلية. وإذا حاولت بيروت نزع سلاح حزب الله بينما تواصل إسرائيل احتلال الأراضي اللبنانية وشن عمليات عسكرية كيفما تشاء، فإن واشنطن تُخاطر بتقويض الحجة السياسية التي يقوم عليها نزع السلاح. لذا، يحتاج ترامب إلى الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات، ليس كخدمة للبنان، بل كأداة لتقوية الدولة اللبنانية في مواجهة حزب الله. وهنا أيضًا، نجحت الإدارة الأمريكية في تقريب الأطراف من حلٍّ دون إجبارهم بعد على تجاوز العتبة.

اما إيران فهي حالةٌ مختلفة. ففيها لم يكتفِ ترامب بالفشل في ترسيخ نجاحه، بل دمّر موقعًا استراتيجيًا استغرق بناؤه أكثر من عامين. وبحلول مطلع عام 2026، كان وضع إيران في أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين. وفي 7 تشرين الأول 2023، أشعل هجوم حماس على إسرائيل سلسلةً من الأحداث الكارثية على استراتيجية طهران الإقليمية. فقد تراجعت حماس بشدة في غزة، وخسر حزب الله معظم قيادته السياسية والعسكرية العليا، وتكبّد خسائر فادحة في قدراته. وسقط بشار الأسد في كانون الأول 2024، ما حرم إيران من حليفها العربي الرئيسي، وقطع الممر الجغرافي الذي كان يربط طهران بلبنان. ودخلت شبكة إيران الإقليمية عام 2026 أضعف بكثير مما كانت عليه قبل 7 تشرين الأول.

كما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على البنية التحتية النووية والعسكرية الإيرانية في حزيران 2025. وأكدت إدارة ترامب أن الضربات الأمريكية عطلت منشآت تخصيب رئيسية، وأدت إلى تأخير البرنامج بشكل كبير. ثم جاءت الأزمة الداخلية في إيران. فقد زادت الاحتجاجات التي عمت البلاد في أواخر عام 2025 الضغط على حكومة كانت تعاني أصلاً من الضعف. وذكرت وكالة رويترز في كانون الثاني 2026 أن النظام كان تحت ضغط شديد، على الرغم من عدم وجود أي مؤشرات على التفكك الأمني ​​الذي عادةً ما يكون ضرورياً لانهيار النظام.

كان من المفترض أن تكون تلك اللحظة المناسبة لتعزيز سياسة الاحتواء. لكن بدلاً من ذلك، تبنى ترامب وجهة النظر الإسرائيلية القائلة بأن ضعف إيران يتيح فرصة ليس فقط لاحتواء الجمهورية الإسلامية، بل وربما لكسرها؛ ونتيجة لذلك، شنت الولايات المتحدة هجومها الشامل في شباط 2026. وبعد ستة أشهر، بات من الصعب تبرير هذا القرار. فقد حققت الحرب ما تجنبته سياسة الاحتواء الناجحة، إذ حوّلت نظاماً إيرانياً ضعيفاً وغير شعبي إلى دولة تحارب عدواً أجنبياً من أجل البقاء.

والأهم من ذلك، أن إيران اكتشفت، أو أعادت اكتشاف، أقوى أدواتها للضغط غير المتكافئ، ألا وهو مضيق هرمز. فبعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، أصبح إعادة فتح مضيق هرمز أحد الأهداف الرئيسية لواشنطن. وقد أدى هذا التعطيل إلى ضغوط على أسواق الطاقة والأسمدة، ومنح طهران نفوذاً لم تعد شبكة وكلائها الضعيفة قادرة على توفيره.ويمثل هذا تحولاً غير مسبوق. اذن،نجح ترامب في البداية في احتواء إيران وإضعافها، لكنه فشل لاحقاً في استغلال هذه المكاسب بشنّ حرب غير ضرورية ارتدت عليه بنتائج عكسية.

أسفر التعامل مع هذه الصراعات المختلفة في الشرق الأوسط عن نمط أوسع. فقد أبدى ترامب استعداداً غير معتاد للتخلي عن السياسات الموروثة، ما أتاح فرصاً حقيقية في الشرق الأوسط. فقد كان مستعداً للضغط على نتنياهو بشأن غزة. وتخلى عن نظام العقوبات البالي في سوريا. وأشرك ممثلين لبنانيين وإسرائيليين في مفاوضات مباشرة. وأدت سياساته قبل حرب 2026 إلى إضعاف إيران وشبكتها الإقليمية بشكل كبير. لكن السياسة الناجحة تتطلب معرفة كيفية بناء النفوذ، ومتى يجب استخدامه. وقد برزت مشكلة ترامب مرارًا وتكرارًا عند هذه النقطة تحديدًا؛ تحويل القوة إلى نتائج سياسية مستقرة.

يمكن اذن للقوة العسكرية تدمير منشأة نووية، لكنها لا تستطيع تحديد النظام السياسي الذي سينشأ بعدها. ويمكن للضغط أن يُجبر على وقف إطلاق النار في غزة، لكنه لا يستطيع وحده التوفيق بين حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. ويمكن رفع العقوبات عن سوريا بين عشية وضحاها، لكن إعادة بناء دولة سورية ذات سيادة تتطلب كبح جماح إسرائيل التي تُفضلها ضعيفة. يمكن الضغط على حزب الله لتسليم أسلحته، لكن دولة لبنانية ذات مصداقية هي وحدها القادرة على استبدال الوظائف التي بررت بها المنظمة الاحتفاظ بها.

لذا، قد تكون هذه هي المفارقة الجوهرية لسياسة ترامب في الشرق الأوسط. فغالبًا ما كان يحقق أكبر نجاحاته قبيل اتخاذه خطوته الأخيرة. وساعدت إدارته في تهيئة الظروف لنظام إقليمي مختلف - دول أقوى، ميليشيات أضعف، إيران تحت السيطرة، وإدارة النزاعات بالتفاوض بدلًا من الجيش. لكن بدلاً من ترسيخ هذا الهيكل، سمحت واشنطن مراراً وتكراراً للطموحات القصوى، ولا سيما طموحات حكومة نتنياهو، بدفع السياسة إلى ما يتجاوز متطلبات نجاحاتها الأصلية. لذا، فإن فشل سياسة ترامب في الشرق الأوسط ليس مجرد قصة فشل، بل هو قصة أكثر أهمية، قصة فشل النجاح؛ وتحقيق مكاسب كافية لخلق موقع استراتيجي مواتٍ، ثم الفشل في إدراك أن الخطوة الأكثر حكمة التالية هي التوقف عن تحقيق المكاسب والبدء في البناء.

عميد كلية العلاقات الدولية والديبلوماسية في جامعة الكلامون

المصدر: جريدة المدى

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.