22 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
خبر

حتى لا يضيع الوهم: الندم

 عبد الخالق كيطان أردت أن أكتب قصيدة عن الندم ولكنني فشلت. السبب أنني كثيرا ما أندم. بل أن حياتي عبارة عن سلسلة من الندم. ثم فكرت في الأشخاص الذين أعرفهم بشكل مباشر، وتساءلت: هل يندمون هم أيضا؟ هل ندموا فعلا؟ استذكرت…

آخر تحديث: 21 تشرين الأول 2026 · 21 تشرين الأول 2026

 عبد الخالق كيطان

أردت أن أكتب قصيدة عن الندم ولكنني فشلت. السبب أنني كثيرا ما أندم. بل أن حياتي عبارة عن سلسلة من الندم. ثم فكرت في الأشخاص الذين أعرفهم بشكل مباشر، وتساءلت: هل يندمون هم أيضا؟ هل ندموا فعلا؟ استذكرت وجوههم. وتفرّست فيها بعمق محاولا استنطاقها.. لم أظفر بإجابة قاطعة. كما أنني لست على اطلاع بحياتهم الشخصية وبالتالي لا أعرف على وجه الدقة إن كانوا ندموا على شيء ما في يوم من الأيام أو لا. ولكنني متيقن من حالتي الشخصية. أنا أبن الندم!

وهنا تحضر رباعية عمر الخيام الشهيرة:

زخارف الدّنيا أساس الألم وطالب الدنيا نديم الندم

فكن خليّ البال من أمرها فكلّ ما فيها شقاءٌ وهمّ

ولكن كيف أكون "خلي البال" وعقلي يردد مع عبد الحليم: يا خلي القلب يا حبيبي؟

ولكن من جانب آخر فثمة الكثير من الكتاب الذين اعتبروا الندم علامة على محاولة التطهر عند الإنسان السوي. وأقول الإنسان السوي لأن من يظهر ندما على "خطيئة" ما هو على العكس من الإنسان غير السوي الذي يجد في أفعاله، حتى الإجرامية منها، نوعا من السموّ الروحي. هؤلاء، المأخوذون بالعزة بالإثم، كما يقال، لا يندمون قط، بل يرون في الندم ضعفا إنسانيا يجب أن لا ينال من عزيمتهم الحديدية. انظروا مثلا الى سير عتاة الجريمة، أو إلى رؤوس الأنظمة الديكتاتورية، الطغاة، وعديمي الأخلاق. هؤلاء كلهم لا يندمون. بل يرون في أفعالهم الاجرامية، التي لا تقارن بما نندم عليه عادة، الهامات سماوية لا تدركها عقول العوام من أمثالنا.

وفي الحقيقة فإنني لا أريد من هؤلاء، ولا غيرهم، أن يكونوا مثلي: نادم على ما لا يعدّ ولا يحصى من دقائق حياتي، بل التوقف لحظة ومحاولة مراجعة ما مرّوا به، أو ما كانوا سببا فيه من ألم بشكل عام.

تخيّل هذا الرجل الذي قتل زوجته وأطفاله لأن عشاءه لم يكن مناسبا! نحن نمرّ على مثل هذه القصص بشكل يومي، وأطباء النفس، وكذلك المشتغلين بالتحليل السلوكي، عادة ما يجادلون في مثل هذه الحالات. وهو أمر مفهوم بحكم الاختصاص والخبرة، ولكن: هل أبدى الزوج أي نوع من الندم على جريمته البشعة؟ ولو فعل، فما هي الفائدة من ذلك؟ هل تعوض تلك الأرواح البريئة التي قتلت؟

يقول لقمان الحكيم أن أول الغضب جنون وآخره ندم. فالندم هنا قد يكون تعبيرا عن التطهر من الغضب، من ألم ما بعد الغضب، عن النية في التجاوز والاعتبار، قد يكون الندم هنا رغبة في خلق جديد، وبداية جديدة. رغبة في التسامح والقبول، الاندماج من جديد في المجتمع العادل. وكل ذلك بعيدا عن تقبل أو رفض الآخر. فالأمر شخصي محض. فهو نابع من روح خطّاءة تريد العودة إلى السوية. وفي الحديث الشريف أن " كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ".

انا فعلا اشعر بالندم لأنني تأخرت في الاعتراف بأخطائي.

المصدر: جريدة المدى

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.