21 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
خبر

العالم تحت إصبع واحد

سوسن الجزراوي ثمة أزرار لا ينبغي للعالم أن ينام مطمئناً وهي تحت أصابع أصحابها، ليس لأنها ستُضغط بالضرورة، بل لأن مجرد احتمال الضغط عليها يكفي لإبقاء البشرية معلقة بين الحياة والكارثة! نعم، هذه هي الحقيقة التي يجب ألا…

سوسن الجزراوي

ثمة أزرار لا ينبغي للعالم أن ينام مطمئناً وهي تحت أصابع أصحابها، ليس لأنها ستُضغط بالضرورة، بل لأن مجرد احتمال الضغط عليها يكفي لإبقاء البشرية معلقة بين الحياة والكارثة! نعم، هذه هي الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الذهن لأنها الاشد وجعاً، ففي اللحظة التي تتحول فيها الأسلحة الاستثنائية إلى أوراق على طاولة المناورات السياسية

يصبح الخطر أكبر من حجم القنبلة ذاتها، إذ لا يعود السؤال عمّا يستطيع السلاح تدميره، بل عمّا يمكن أن يحدث حين تلتقي أقصى درجات التدمير بأخطر لحظات القرار، وهنا ، لا تبدو (أم القنابل) مجرد قطعة من الترسانة العسكرية الأميركية، بل عنواناً لمعضلة عالمية تتجاوز سخونة الحديد والبارود: من يملك القدرة على إطلاق الكارثة، ومن يملك حق تعريض العالم لاحتمالها؟ بل ومن أعطى ذلك الاصبع اذناً لانهاء حيوات كثيرة؟.

وهكذا يكون أخطر ما في الحروب، هو ليس في أن تمتلك الدول أسلحة قادرة على محو مساحات واسعة من الحياة، بل أن يصبح التلويح بهذه الأسلحة جزءاً من لغة السياسة اليومية، وكابوساً يؤرق المسامع، وأن يتراجع السؤال عن كلفة استخدامها أمام الرغبة في استعراض قوتها.

ففي عالم لم يتعافَ بعد من أزمات متلاحقة، تبدو المسافة بين التهديد والكارثة أقصر مما ينبغي، ويغدو مصير ملايين البشر معلقاً بقرارات تُصنع بعيداً عنهم، وما عليهم سوى انتظار شرارتها الاولى وما ستسفر عنه حسابات الآخرين.

عاد هذا المعنى إلى الواجهة مع التقارير التي تحدثت عن إدراج الجيش الأميركي قنبلة (أم القنابل) بين خيارات عسكرية محتملة ضد مواقع للطاقة ومنشآت نووية إيرانية، في حال قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب استئناف العمليات العسكرية، ولم يكن الحديث عن السلاح وحده هو ما أثار الاهتمام، بل ما يحمله من دلالات تتجاوز قدرته التدميرية إلى الرسالة السياسية والنفسية التي يمكن أن يبعث بها استخدامه، وعلى الرغم من ذلك، فإن إعداد خطط عسكرية محتملة لا يعني اتخاذ قرار بتنفيذها، وهو فارق ينبغي ألا يضيع وسط ضجيج التصريحات والتوقعات.

وتُعرف القنبلة باسمها العسكري ( GBU-43/B ) على أنها أكبر قنبلة تقليدية غير نووية في الترسانة الأميركية، وقد استُخدمت للمرة الأولى في القتال عام 2017 في أفغانستان (وفقاً للمصادر الخبرية) وعلى الرغم من التسمية التي التصقت بها، فإنها ليست سلاحاً نووياً، ولا ينبغي الخلط بين ضخامة تأثيرها وبين طبيعة الأسلحة النووية وآثارها المختلفة، لكن كونها سلاحاً تقليدياً لا يجعل استخدامها أمراً بسيطاً أو محدود العواقب، فالقوة التدميرية الهائلة تظل قادرة على إحداث خسائر بشرية ومادية واسعة لا حصر لها ولا سيما عندما تُستخدم في بيئات تتداخل فيها المنشآت الحيوية مع حياة السكان واحتياجاتهم اليومية، وتلك هي الطامة الكبرى.

والمفارقة أن السلاح الذي يُطرح في سياق استهداف منشآت استراتيجية قد لا يكون بالضرورة الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق الهدف المعلن، فالتقارير الأميركية نفسها أشارت إلى تساؤلات بشأن قدرته على إصابة منشآت تقع عميقاً تحت الأرض، إذ صُممت القنبلة أساساً لإحداث تأثير واسع على السطح، لا لاختراق أعماق صخرية كبيرة.

ولا يُقاس التهديد العسكري بما يقوله صاحبه وحده حسب، بل بما يتركه في حسابات الأطراف الأخرى من مخاوف واحتمالات مقلقة، وقد تدفع الخصم إلى التراجع أو انتزاع تنازلات سياسية، غير أن الضغط حين يتجاوز حدوداً معينة قد ينتج أثراً معاكساً يدفع إلى الرد والتصعيد ويغلق أبواباً كان يمكن أن تظل مفتوحة أمام التفاوض. والأخطر أن الحروب لا تبقى محصورة في الأهداف التي تُعلنها الأطراف المتنازعة، فاستهداف منشآت الطاقة على سبيل المثال، لا يعني تعطيل معدات ومنظومات فحسب، بل قد يمتد أثره إلى الكهرباء والمياه والمستشفيات والنقل وإلى تفاصيل الحياة التي لا تظهر في خرائط العمليات .

وهكذا تتسع دائرة المتضررين ويصبح المدنيون أمام فاتورة لم تكن لهم سلطة في اتخاذ القرار الذي أطلقها . من هنا، لا يبق الأمر متعلقاً بقنبلة أميركية وحدها، ولا بمواجهة بين واشنطن وطهران فحسب، بل بمشكلة أعمق تتصل بحدود استخدام القوة في عالم مترابط ، حيث يمكن لأي تصعيد إقليمي أن يترك انعكاساته على أمن المنطقة وأسواق الطاقة والاستقرار الدولي.

فالقرار الذي يُتخذ تحت عنوان الضرورة الأمنية قد يحمل إذا لم تُحسب عواقبه بدقة، نتائج تتجاوز الهدف المعلن، ويُدخل أطرافاً أخرى في دائرة الخطر، ما يجعل العودة إلى التهدئة أكثر تعقيداً.

إن امتلاك السلاح يمنح الدولة قدرة على التهديد، لكنه لا يمنحها بالضرورة القدرة على التحكم بكل ما سيترتب على استخدامه، وهذه هي المفارقة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في كل نقاش عن الأسلحة ذات التأثير الواسع: القوة قد تفرض واقعا، لكنها لا تضمن استقراراً دائماً، والضربة التي يُراد لها أن تكون خاتمة للصراع قد تتحول إلى بدايته في صورة أشد اتساعاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي تفرضه أم القنابل أكبر من حجمها ووزنها وقدرتها التدميرية، ماذا يحدث حين يصبح القرار الأخطر في متناول يد واحدة، بينما تتوزع عواقبه على شعوب لا تملك التحكم بمصائرها؟.

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأدوات التي تجعل الدمار احتمالاً حاضراً في كل لحظة بقدر حاجته إلى قرارات تعرف أن القوة ليست غاية مستقلة، وأن مسؤولية القائد لا تبدأ عند إصدار الأمر، بل عند تقدير ما قد يخلّفه ذلك الأمر من نتائج لا يستطيع أحد ضمان حدودها.

المصدر: وكالة واع

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.