22 تشرين الأول 2026 من نحناتصل بناالسياق مرئيأخبار قصيرةخاص بالسياقمصادرناالنشرة البريديةRSS
الخبر في سياقه
طقس بغداد: جارٍ التحديثأسعار الصرف المرجعية: جارٍ التحديث
عاجل
خبر

الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد

واقع الخط العربي وخط النستعليق.. كيف يواجه الخطاطون الأفغان زحف الطباعة الرقمية وغياب المؤسسات لحماية تراث هرات الإسلامي؟

كابل ـ في ورشة هادئة بالعاصمة الأفغانية كابل، يمسك الخطاط أمير محمد عثماني قلما من القصب ويغمس رأسه في الحبر قبل أن يمرره على الورق، فتتشكل الحروف تدريجيا تحت يده. وحولَه لوحات أنجزها خلال أيام، وأدوات تقليدية ما زال يعتمد عليها في عمله، في مشهد يعكس حرفة تحاول الحفاظ على حضورها في زمن أصبحت فيه الشاشات والطباعة الرقمية تختصر ما كان يستغرق من الخطاط ساعات وأياما.

في أفغانستان، ارتبط الخط تاريخيا بالفنون الإسلامية والكتابة الفارسية والعربية، ولا سيما خط النستعليق الذي يحظى بحضور بارز في التراث الفني للبلاد، إلى جانب النسخ والثلث والريحان وغيرها من الخطوط.

لكن هذا الإرث يواجه اليوم واقعا مختلفا؛ فالحاسوب والهاتف والطباعة الرقمية غيرت طريقة كتابة النصوص وتصميم اللوحات، بينما يحاول خطاطون في كابل إبقاء القلم والورق والحبر جزءا من الحياة الفنية.

حرفة بدأت من لوحات الشوارع

بدأ أمير محمد عثماني العمل في مجال كتابة اللوحات والخط في كابل عام 1994، وفق روايته، قبل أن يتعلم على أيدي عدد من الأساتذة ويواصل العمل في هذا المجال لسنوات.

ويقول عثماني للجزيرة نت إن اهتمامه بالخط قاده لاحقا إلى التعلم في جمعية للخطاطين، كما تلقى تدريبا على يد أساتذة في أفغانستان، واستفاد أيضا من خبرة الخطاط الأفغاني فيض الله قلمكار، الذي قال إنه متخصص في خطوط مثل الثلث والنسخ والريحان ويقيم حاليا في تركيا.

ويستخدم عثماني في أعماله أقلام القصب والحبر والأوراق الخاصة بالخط، إضافة إلى الألوان الأكريليكية في بعض اللوحات، موضحا أن العمل على لوحة واحدة قد يستغرق يوما أو يومين أو ثلاثة، بحسب طبيعتها وتفاصيلها.

ويرى أن هذا الوقت الطويل يمثل أحد الفوارق الأساسية بين العمل اليدوي والطباعة الرقمية، إذ يمكن إنجاز التصميم المطبوع خلال وقت قصير وبكلفة أقل.

جانب من اللوحات الخطية التي أنجزها أمير محمد عثماني، وتتنوع بين الخط العربي والفارسي في ورشته بكابل (الجزيرة)

التكنولوجيا تقلص مساحة الخطاط

يقول عثماني للجزيرة نت إن التكنولوجيا كان لها تأثير كبير على مهنة الخط وكتابة اللوحات، وإن معظم الأعمال التي كانت تُنجز يدويا أصبحت اليوم تُنفذ عبر الحاسوب والطباعة.

ويضِيف أن الطلب على اللوحات اليدوية تراجع، لأن الزبون يستطيع الحصول على لوحة مطبوعة ومنظمة خلال وقت قصير وبسعر أقل بكثير من تكلفة العمل اليدوي.

ويشرح أن الخطاط قد يحتاج إلى أيام لإنجاز لوحة، بينما يمكن للمطبعة أن تنجز تصميما مشابها خلال دقائق، وهو ما جعل المنافسة الاقتصادية صعبة على أصحاب هذه المهنة.

ولا يقتصر تأثير التكنولوجيا، بحسب عثماني، على الأدوات المستخدمة، بل يمتد إلى الدافع نفسه لتعلم الخط؛ فالشخص الذي يحتاج إلى كتابة لوحة عادية أو إعلان لمتجر أو مطعم يستطيع اللجوء إلى الوسائل الرقمية، بينما يبقى الخط اليدوي خيارا لمن يبحث عن عمل فني مميز.

ويقول إن التكنولوجيا أثرت أيضا في فرص العمل والدخل بالنسبة إلى الخطاطين، بعدما تراجعت الأعمال التي كانت تعتمد على الكتابة اليدوية، وهو ما جعل استمرار بعضهم في المهنة أكثر صعوبة.

شباب يتعلمون.. وقلة تحترف

في ورشة أخرى بكابل، يراقب أسد الله أميري التحولات التي طرأت على المهنة من موقعه كخطاط ومدرب يعمل في مجال الفن والخط منذ نحو 13 عاما.

ويقول أميري للجزيرة نت إن خط النستعليق يحظى بشعبية واسعة في أفغانستان، ويقبل عليه كثير من الشباب لأن الكتابة الجميلة تحظى بتقدير اجتماعي.

لكنه يلاحظ أن اهتمام الشباب بالخط أصبح أقل مما كان عليه عندما بدأ مسيرته، ويربط ذلك، من بين أسباب أخرى، بانتشار التكنولوجيا وتراجع استخدام الكتابة اليدوية في الحياة اليومية.

ويشير إلى أن كثيرا من الشباب الذين يقصدون تعلم الخط يريدون تحسين شكل كتابتهم وجعلها أكثر جمالا، وليس بالضرورة أن يصبحوا خطاطين محترفين.

ويؤكد أن الوصول إلى مستوى جيد في الخط يحتاج إلى سنوات من التدريب والممارسة، وليس إلى دورة قصيرة، لأن إتقان الحروف وتوازنها وتركيبها يحتاج إلى صبر ومتابعة مستمرة.

ويرى أميري أن الخط يجمع بين الفن والثقافة، وأن تراجع تعلمه قد يؤدي تدريجيا إلى فقدان جانب من هذا الموروث.

التكنولوجيا ليست نهاية الفن

ويضع الخطاط المخضرم سلمان علي أرزكاني هذا التحول في سياق أوسع، إذ يقول للجزيرة نت إن تطور الحاسوب وبرامج التصميم أثر في الاستخدامات العملية للخط، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية هذا الفن.

ويرى أرزكاني أن تراجع بعض الاستخدامات اليومية للخط يمكن أن يدفع الخطاطين إلى التركيز أكثر على الجانب الفني والإبداعي، والاستفادة من التكنولوجيا في مجالات التصميم والتطوير.

ويؤكد أن البرامج الرقمية لا تستطيع أن تحل محل المعرفة الأساسية بالخط، لأن إتقان قواعد الحروف وتوازنها وتركيبها يحتاج إلى تدريب وممارسة طويلين.

ويشير إلى المكانة التاريخية للنستعليق في أفغانستان، ولا سيما في ولاية هرات، وإلى حضور عدد من الخطوط العربية في تاريخ المنطقة، مؤكدا أن الخط ليس مجرد مهارة تقنية، بل جزء من تراث ثقافي وفني متراكم.

ويرى أن تدريب الشباب وتشجيعهم على الاستمرار في ممارسة الخط يمثلان عنصرين أساسيين للحفاظ على هذا الفن، إلى جانب مواكبة التطورات الحديثة.

عزيز الله محمدي يتدرب على كتابة الخط، حيث يتعلم هذه الحرفة منذ نحو 6 أشهر ويحلم بأن يصبح خطاطا ماهرا (الجزيرة)

حلم طالب شاب

ورغم حديث الخطاطين عن تراجع الاهتمام، فإن عزيز الله محمدي، أحد طلاب الخط في كابل، يمثل نموذجا مختلفا.

بدأ محمدي تعلم الخط قبل نحو 6 أشهر، ويقول للجزيرة نت إنه اختار هذه الحرفة لأنه يريد أن يصبح خطاطا ماهرا، ويحلم بأن يتمكن في المستقبل من ابتكار أعمال فنية يقدمها للمجتمع. ولا يرى محمدي أن التكنولوجيا تعني نهاية الخط اليدوي، بل يعتقد أن لكل منهما مجاله.

ويقول إن من يريد كتابة شيء عادي لمتجر أو مطعم يمكنه استخدام التكنولوجيا، لكن من يريد وضع عمل فني مميز في متجره أو ورشته قد يفضل الخط اليدوي.

وهكذا يرى الطالب الشاب أن بقاء الخط لا يتطلب بالضرورة منافسة التكنولوجيا في كل شيء، بل الحفاظ على قيمته بوصفه عملا فنيا يحمل بصمة صاحبه.

غياب المؤسسات يفاقم التحديات

إلى جانب التكنولوجيا، يرى عثماني أن ضعف المؤسسات المتخصصة يمثل تحديا آخر أمام الخطاطين في أفغانستان.

ويقول للجزيرة نت إن المهتمين بهذا الفن بحاجة إلى جمعية متخصصة توفر التدريب وتنظم الدورات وتتيح للخطاطين تبادل الخبرات، مشيرا إلى رغبته في رؤية نموذج مؤسسي يتيح للطلاب التعلم على أيدي أساتذة متخصصين.

ويضيف أن مثل هذه المؤسسة يمكن أن تساعد على استضافة أساتذة وخبراء من الدول الإسلامية، ونقل خبراتهم إلى الخطاطين الشباب، بما يسهم في تطوير مهاراتهم والحفاظ على هذا الفن.

ويرى عثماني أن إحياء الخط لا يتعلق بالفن وحده، بل بالحفاظ على جانب من الثقافة والتراث الإسلامي، محذرا من أن تراجع الاهتمام بهذا المجال قد يؤدي مع مرور الوقت إلى فقدان جزء من هذا الموروث.

جانب من ورشة الخطاط أمير محمد عثماني، حيث تتجاور أدواته التقليدية مع واقع جديد فرضته الطباعة الرقمية (الجزيرة)

بين القلم والشاشة

في ورش كابل، تبدو المفارقة واضحة: إلى جانب الأوراق والقصب والأحبار، تهيمن الطباعة الرقمية على جزء كبير من سوق اللوحات والتصميم.

لكن الخطاطين الذين التقت بهم الجزيرة نت لا يرون أن التكنولوجيا تعني نهاية هذا الفن، بل يرون أنها دفعت الخط إلى البحث عن وظيفة جديدة، من حرفة يومية إلى عمل فني يحتفظ بقيمته الخاصة. ففي كابل، ما زال قلم القصب يتحرك فوق الورق، وما زال هناك طلاب يجلسون أمام أساتذتهم لتعلم توازن الحروف وتركيبها، في وقت يستطيع فيه الحاسوب إنتاج آلاف الكلمات خلال لحظات.

وبين قلم القصب وشاشة الهاتف والحاسوب، لا تبدو المواجهة محسومة لصالح طرف واحد.

فالخط قد يخسر بعض وظائفه القديمة، لكنه لا يزال يبحث عن مكان جديد لدى جيل نشأ وسط الشاشات، وربما يكون بقاؤه مرتبطا بقدرته على الجمع بين إرث الماضي وأدوات الحاضر، ليظل فنا حيا لا مجرد ذكرى محفوظة في اللوحات القديمة.

المصدر: الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

أبرز الأخبار في بريدك

اشترك لتصلك أهم الأخبار والتقارير.