أستراليا.. القاعدة الخلفية لأي حرب أمريكية مع الصين
رحلة أستراليا من الاعتماد على لندن إلى الاحتماء بالمظلة الأميركية، وكيف تحولت بهدوء إلى قاعدة خلفية وظهير آمن في معركة واشنطن لاحتواء الصين في المحيطين الهندي والهادئ.
عندما سقطت سنغافورة في يد اليابان عام 1942، تعرضت إحدى ركائز التفكير الأمني الأسترالي للاهتزاز. فقد اعتقدت كانبِرا أن أمنها يبدأ بعيدا عن شواطئها، وأن الإمبراطورية البريطانية قادرة على منع أي تهديد قادم من آسيا من الوصول إلى القارة الأسترالية. لكن تقدم القوات اليابانية في جنوب شرق آسيا، ثم شنها غارات جوية على مدينة داروين الأسترالية، دفعا إلى إعادة النظر في افتراضات راسخة حكمت سياسات كانبِرا الخارجية والدفاعية منذ تأسيس الدولة. ومنذ ذلك الوقت أخذت أستراليا تغير وجهتها من الاعتماد على لندن إلى الاحتماء بالمظلة الأمنية الأمريكية، في مسار رسم توجهاتها الإستراتيجية.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين وبعد نهاية الحرب الباردة تبلورت معادلة جديدة، فمن جهة، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لأستراليا، وارتبط ازدهار الاقتصاد الأسترالي بالطلب الصيني على المواد الخام والغاز الطبيعي الأسترالي. ومن جهة أخرى لعبت كانبِرا دور الركيزة الأمنية للولايات المتحدة جنوب المحيط الهادئ. ومع صعود القوة العسكرية الصينية وتزايد حضورها البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تمر عبرها نحو 60% من حركة الشحن البحري العالمية بحسب تقديرات الحكومة البريطانية، بدأت كانبِرا تخشى اختلال ميزان القوى، كما تزايد الاحتكاك بين الطرفين.
في عام 2025، انتقدت كانبِرا إرسال البحرية الصينية 3 سفن حربية إلى بحر تَسْمان بين أستراليا ونيوزيلندا لتنفيذ مناورة بالذخيرة الحية. وأعلن ريتشارد مارلز، وزير الدفاع الأسترالي، أن حكومته لم تتلقَّ إشعارا كافيا من الصين بشأن بدء تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في المنطقة، الأمر الذي أجبر عددا من الطائرات المدنية على تغيير مساراتها الجوية حفاظا على سلامتها. وفي العام نفسه انتقدت كانبِرا ما وصفته بالسلوك غير الآمن وغير المهني لطائرة حربية صينية أطلقت مشاعل حرارية على بعد 30 مترا من طائرة أسترالية كانت تُنفذ دورية مراقبة في بحر الصين الجنوبي.
ومع دخول عام 2026 تسارع التصعيد بين كانبِرا وبكين. ففي يونيو/حزيران كشف مايك بيرغس، مدير جهاز الاستخبارات الأمنية الأسترالية، عن إحباط محاولة ضابط استخبارات أجنبي، لم يُسمِّ دولته، شراءَ معلومات عن تقدم مشروع غواصات "أوكوس" من موظف يحمل تصريحا أمنيا. وفي 6 يوليو/تموز أطلقت غواصة نووية صينية صاروخا باليستيا سقط في جنوب المحيط الهادئ قرب توفالو وناورو، فوصفت كانبِرا التجربة بأنها مزعزعة لاستقرار المنطقة، لكنها أخفقت في سبتمبر/أيلول في انتزاع إدانة صريحة للصين من قمة منتدى جزر المحيط الهادئ. ثم كشف تحقيق لهيئة البث الأسترالية في أكتوبر/تشرين الأول عن شبكة يُشتبه في ارتباطها بالاستخبارات الصينية استهدفت أكثر من 60 شخصا في أستراليا عبر حسابات وهمية على منصة "لينكد إن"، وهو ما نفته السفارة الصينية.
ودفع هذا التصعيد كانبِرا إلى تسريع تحركاتها في جوارها لتطويق النفوذ الصيني. فقد وقّعت مع فانواتو في 29 يونيو/حزيران "اتفاقية ناكامال" التي تحظر إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضي الأرخبيل، ثم وقّعت مع فيجي في 6 يوليو/تموز معاهدة دفاع مشترك هي الأولى في تاريخ فيجي، وبعد يومين دخلت معاهدة دفاعية مماثلة مع بابوا غينيا الجديدة حيز التنفيذ. وفي سبتمبر/أيلول توصلت إلى اتفاق مبدئي على معاهدة جديدة مع جزر سليمان، التي ترتبط منذ عام 2022 باتفاق أمني مع بكين.
أما اقتصاديا، فتتأرجح العلاقة بين انفراجة واضحة وضغوط لم تتوقف. فقد رفعت بكين بين عامي 2023 و2024 قيودا فرضتها على صادرات أسترالية من الشعير والنبيذ والكركند تُقدَّر قيمتها بنحو 20 مليار دولار أسترالي، وارتفع حجم التبادل بين البلدين في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بنسبة 34.8% ليبلغ 176.9 مليار دولار، بحسب أرقام صينية. لكن لحوم الأبقار الأسترالية باتت تخضع منذ 20 يونيو/حزيران لرسوم إضافية بنسبة 55%، بعد أن استنفدت حصتها ضمن إجراء حمائي فرضته بكين مطلع العام على واردات لحوم الأبقار من كل الدول، فيما تخوض كانبِرا مواجهة مع مستثمرين مرتبطين بالصين يملكون نحو 17% من شركة "نورذرن مينرالز" للمعادن النادرة، رفضوا أمرا حكوميا ببيع حصصهم. وتدرك النخب السياسية في كانبِرا، بعد تجربة العقوبات التجارية الصينية بين عامي 2020 و2023، أن بكين قادرة على تحويل الترابط الاقتصادي إلى أداة ضغط كلما رأت اندفاعة أسترالية متزايدة نحو واشنطن.
أمام هذا التصعيد المتداخل، لا ترى بكين أستراليا مجرد شريك تجاري، بل جزءا من بنية التحالفات والقواعد والشراكات التي توظفها الولايات المتحدة للحفاظ على تفوُّقها، ومنع الصين من أن تصبح قوة بحرية كبرى. وهنا تبرز أسئلة حول الأسباب التي دفعت أستراليا إلى هذا التموضع، والدور الذي يمكن أن تؤديه في أي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة والصين.
البحث المُضني عن الأمن في آسيا
تُعَد أستراليا أكبر دولة في جنوب المحيط الهادئ، ويحدّها بحرا كورال وتَسْمان من الشرق، فيما يحيط بها المحيط الهندي وبحاره الجانبية من الغرب والشمال والجنوب. وهي عضو في رابطة الكومنوِلث، ويُعَد ملك بريطانيا هو رأس الدولة، ويُمثله الحاكم العام لأستراليا، بينما تتولَّى الحكومة المُنتَخَبة ورئيس الوزراء إدارة شؤون الحكم اليومية، ويبلغ عدد سكانها 27.9 مليون نسمة.
تشكَّلت الثقافة الإستراتيجية الأسترالية حول هاجس الأمن والبقاء، بخلاف الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتيْن ارتبطت ثقافتهما الإستراتيجية بفكرة التوسُّع والسيطرة البحرية. ففي الفترة الممتدة بين عامي 1788 و1901 كانت المستعمرات الأسترالية تقع على مسافة شاسعة من المركز الإمبراطوري في لندن، وفي بيئة جغرافية نائية، وبتعداد سكاني محدود. وقد ترك هذا الوضع بصمته على تفكير كانبِرا السياسي والأمني. ويشير بيير غروسر، مدير الدراسات السابق في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الفرنسية، إلى أن أستراليا تنظر إلى نفسها على أنها معقل للحضارة الغربية البيضاء في محيط آسيوي يمثل مصدرا مُحتمَلا للتهديد، كما جادل الدبلوماسي الأسترالي الراحل آلان غينغل بأن السياسة الخارجية الأسترالية تشكَّلت بفعل الخوف من أن يتخلى عنها حلفاؤها الرئيسيون، وفي مقدمتهم لندن وواشنطن.
نقش من عام 1890 يصوّر دعاة "الاتحاد الإمبراطوري" في أستراليا، ومنهم ألفريد ديكن الذي صار لاحقا ثاني رئيس وزراء للاتحاد الأسترالي (غيتي)
ومنذ تأسيس الاتحاد الأسترالي عام 1901، ساد اعتقاد لدى النخب السياسية بأن أمن البلاد يتطلب الحفاظ على الطابع الأوروبي للمجتمع ومنع تدفق المهاجرين الآسيويين. ومن هذه الخلفية نشأت سياسة "أستراليا البيضاء" التي استهدفت تقييد الهجرة غير الأوروبية ومنع السفن التي تحمل مهاجرين صينيين من الرسو في الموانئ الأسترالية. ولم تقتصر هذه المخاوف على الاعتبارات الثقافية والديموغرافية، إذ ارتبطت أيضا بحسابات القوة. فقد دفعت المسافات الطويلة التي تفصل أستراليا عن أوروبا قادتها إلى الاعتقاد بأن بلادهم عاجزة عن الدفاع عن نفسها منفردة في مواجهة أي قوة آسيوية كبرى، الأمر الذي رسخ الاعتماد على بريطانيا باعتبارها الضامن الخارجي لأمنها.
وتجلَّت هذه المعادلة خلال الحرب العالمية الأولى، إذ دخلت أستراليا الحرب عقب إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا عام 1914. ووُضع الأسطول الأسترالي تحت تصرف البحرية الملكية، وأُرسلت القوات الأسترالية إلى جبهات القتال في أوروبا والشرق الأوسط، كما شاركت في العمليات العسكرية ضد المصالح الألمانية جنوب خط الاستواء في المحيط الهادئ، فاستولت على غينيا الجديدة الألمانية. وقد تكبَّدت خسائر بشرية كبيرة قياسا بعدد السكان، إذ بلغ عدد قتلاها 61514 من أصل نحو 4.9 مليون نسمة آنذاك.
خلال الحرب العالمية الأولى، أرسلت القوات الأسترالية إلى جبهات القتال في أوروبا والشرق الأوسط وشاركت في العمليات العسكرية ضد المصالح الألمانية (غيتي)
وعقب الحرب العالمية الأولى، تبنَّت أستراليا ما عُرف بـ"إستراتيجية سنغافورة"، التي قامت على الاعتماد على القواعد والمنشآت العسكرية البريطانية في الملايو وسنغافورة، على بُعد نحو 6300 كيلومتر من سيدني، بهدف مواجهة التهديدات بعيدا عن الأراضي الأسترالية. غير أن الحرب العالمية الثانية وجَّهت ضربة قاسية لهذه الإستراتيجية. فقد أدى التمدُّد الياباني في آسيا والمحيط الهادئ إلى سقوط سنغافورة عام 1942، التي كانت تُعرَف بـ"جبل طارق الشرق" وأهم قاعدة بريطانية في المنطقة.
شكَّل هذا الحدث صدمة للأستراليين، إذ انهارت دفاعات القاعدة بسرعة، ثم تعرَّضت مدينة داروين لغارات جوية يابانية هي الأولى على البر الأسترالي منذ تأسيس الدولة، وبلغ عدد القتلى الأستراليين في الحرب العالمية الثانية نحو 40 ألفا، منهم أكثر من 17 ألفا سقطوا في الحرب ضد اليابان، بينهم نحو 8 آلاف قضوا في الأسر الياباني. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، أدركت أستراليا أن بريطانيا لم تعُد قادرة على أداء دور الضامن الأمني كما في السابق. ومن هنا بدأت عملية تغيير الوجهة نحو الولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب بوصفها القوة العسكرية والبحرية الأولى عالميا، وصاحبة النفوذ الأبرز في منطقة المحيط الهادئ.
الجنرال الأمريكي دوغلاس ماكارثر (يميناً) في أستراليا عام 1942 لتأسيس مقر قيادة منطقة جنوب غرب المحيط الهادئ وإقامة شراكة قيادية مع رئيس الوزراء الأسترالي جون كيرتن (في المقدمة يسارا) (غيتي)
من لندن إلى واشنطن
تشكلت جذور العلاقة مع الولايات المتحدة استنادا إلى شعور بالانتماء إلى فضاء حضاري واحد يقوم على الإرث الأنجلوسكسوني والقيم المشتركة. وقد ظهرت ملامح هذا التقارب خلال الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، التي انتهت بسيطرة واشنطن على الفلبين، إذ احتشد أستراليون أمام القنصلية الأمريكية دعما لواشنطن، وتقدم كثيرون للتطوع في الحرب جنودا وممرضات. وبمرور الوقت تحول هذا التعاطف إلى شراكة راسخة، فقاتلت القوات الأسترالية إلى جانب نظيرتها الأمريكية في كل حروبها الرئيسية منذ الحرب العالمية الأولى وصولا إلى غزو العراق.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، دخلت العلاقة مرحلة جديدة. فقد أدى انتصار الشيوعيين في الصين عام 1949، ثم اندلاع الحرب الكورية بعد عام واحد، إلى ترسيخ الاعتقاد داخل أستراليا بأنها تعيش في بيئة مضطربة، وأن أمنها يقتضي الوقوف إلى جانب واشنطن، فأرسلت كانبِرا 17 ألف جندي للمشاركة في الحرب الكورية إلى جانب القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة، في خطوة هدفت إلى إثبات استعدادها لتحمل أعباء الشراكة الثنائية. وأصبحت مكافحة الشيوعية جزءا من العقيدة الأمنية الأسترالية، وجرى النظر إلى التحالف مع الولايات المتحدة بوصفه الضمانة للحفاظ على توازن القوى في آسيا، ومنع ظهور قوة مهيمنة تهدد المصالح الأسترالية.
ومنحت معاهدة "أنزوس" في عام 1951 الشراكة مع واشنطن إطارا مؤسسيا. فقد ضمَّت المعاهدة الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا، ونصت على التشاور والتعاون في مواجهة التهديدات الأمنية في منطقة المحيط الهادئ. ورغم أنها لم تتضمَّن التزاما بالتدخل العسكري على غرار المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو، فقد أصبحت ركيزة للأمن الأسترالي بغض النظر عن تغيُّر الحكومات والأحزاب في البلدين.
وقد ظهر عُمق هذا الارتباط الأسترالي الأمريكي أثناء حرب فيتنام. ففي عام 1962 استجابت كانبِرا لطلب أمريكي بإرسال مستشارين عسكريين إلى فيتنام، ثم ارتفع حجم مشاركتها ليصل بحلول عام 1967 إلى ثلاث كتائب. وخدم نحو 60 ألف أسترالي في الحرب، قُتل 523 جنديا منهم. وبينما أحجم الحلفاء الأوروبيون عن إرسال قوات للقتال إلى جانب الولايات المتحدة، كانت أستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وتايلاند من بين الدول القليلة التي شاركت بقوات برية على الأرض في المستنقع الفيتنامي.
قوات أسترالية تستعد للصعود على متن مروحيات أمريكية متوجهةً إلى "منطقة الحرب د" في فيتنام الجنوبية عام 1965 (غيتي)
ولم يقتصر التعاون بين البلدين على الجانب العسكري، إذ امتد إلى المجال الاستخباري. فقد أصبحت أستراليا عضوا في شبكة "العيون الخمس" التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا ونيوزيلندا، ما منحها وصولا إلى أحد أكثر منظومات تبادل المعلومات الاستخبارية تطورا في العالم. ومنذ بدء تشغيلها عام 1970، أصبحت قاعدة "باين غاب" في وسط أستراليا من أهم حلقات التعاون الاستخباري بفضل دورها في تشغيل الأقمار الاصطناعية المخصصة لجمع استخبارات الإشارة، ومراقبة الاتصالات، ورصد إطلاق الصواريخ الباليستية، وتوفير المعلومات الداعمة للعمليات العسكرية الأمريكية حول العالم.
وتكررت المشاركة الأسترالية في الحروب الأمريكية في السنوات اللاحقة. فقد ساهمت في حرب الخليج الثانية بنحو 1800 عسكري، وبثلاث فرقاطات ومدمرة وسفينتي إمداد تناوبت على المنطقة، ثم كانت من أوائل الدول التي أعلنت دعمها لواشنطن عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول، إذ فعَّلت للمرة الأولى المادة الرابعة من معاهدة أنزوس، وشاركت في العمليات العسكرية في أفغانستان، ثم انضمت إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لغزو العراق عام 2003. وقد عزَّزت هذه المشاركات صورتها بوصفها أحد أكثر الحلفاء موثوقية للولايات المتحدة.
ومع مرور الوقت، اتسع نطاق التعاون ليشمل المزيد من التخطيط العسكري المشترك، والتدريبات الدورية، وتطوير أنظمة التسليح، والتعاون السيبراني. وأصبح الجيش الأسترالي أكثر اندماجا في العقيدة العسكرية الأمريكية من معظم جيوش الدول المصنفة حليفة من خارج الناتو، الأمر الذي جعل كانبِرا طرفا محوريا في الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
منذ عام 1970 أصبحت قاعدة "باين غاب" في وسط أستراليا من أهم حلقات التعاون الاستخباري بفضل دورها في تشغيل الأقمار الاصطناعية المخصصة لجمع استخبارات الإشارة (غيتي)
صعود الصين يقلب حسابات كانبِرا
واجه التحالف الأسترالي الأمريكي، الذي تشكَّل في سياق الحرب الباردة، اختبارا جديدا مع بداية القرن الحادي والعشرين. فبينما ظلت الولايات المتحدة الضامن الأمني الأول لأستراليا، أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لها. وفي عام 2024 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في السلع والخدمات نحو 204 مليارات دولار أمريكي، ثم ارتفع عام 2025 إلى نحو 326 مليار دولار أسترالي. وهكذا وجدت كانبِرا نفسها أمام معادلة معقدة؛ إذ يعتمد أمنها على واشنطن، في حين يرتبط جزء مهم من ازدهارها الاقتصادي ببكين، ومع تنامي القوة الصينية أصبحت إدارة هذه المعادلة أصعب مما مضى.
على مدار العقديْن الأوليْن من القرن الحادي والعشرين ارتبطت قطاعات رئيسية من الاقتصاد الأسترالي بالسوق الصينية، وعلى رأسها صادرات خام الحديد والفحم والغاز الطبيعي، كما استفادت الجامعات الأسترالية من تدفق الطلاب الصينيين. وبدا لبعض الوقت أن أستراليا قادرة على الجمع بين تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة وعلاقات اقتصادية مزدهرة مع الصين دون الحاجة إلى الاختيار بينهما.
غير أن هذا التوازن بدأ يتعرض لضغوط مع تطور القدرات العسكرية الصينية، ما دفع المؤسسات الأمنية الأسترالية إلى إعادة تقييم البيئة الإستراتيجية المحيطة بها. كما تصاعد القلق من تنامي النفوذ الصيني داخل المجتمع الأسترالي، سواء عبر الاستثمارات أو العلاقات مع بعض النخب والمؤسسات المحلية. وفي عام 2018 أصدرت أستراليا تشريعات لمكافحة التدخل الأجنبي، في خطوة رأى فيها كثيرون استهدافا للصين، كما أصبحت في العام نفسه من أوائل الدول التي قرَّرت استبعاد شركة هواوي من المشاركة في شبكات الجيل الخامس، استنادا إلى اعتبارات أمنية تتعلق بالبنية التحتية للاتصالات.
وبالتوازي مع ذلك، شرعت الوثائق الدفاعية الأسترالية تتحدث عن المنافسة بين القوى الكبرى، وعن القلق من تنامي القدرات الصينية، وبدأت باكورة ذلك عام 2009 مع نشر ورقة بيضاء ذكرت أن "وتيرة التحديث العسكري الصيني ونطاقه وبنيته قد تثير قلق جيرانها إن لم تُشرح بعناية"، ورأت أن هذا التحديث يبدو أبعد مما يتطلبه صراع على تايوان. كما أصدر المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية (ASPI) عام 2014 تقريرا للباحث ديفيد هيل بعنوان "حلم الصين الجديد" اعتبر فيه أن صعود الصين بوصفها قوة عظمى سيُمثل أكبر تحدٍّ يواجه السياسة الخارجية الأسترالية في القرن الحادي والعشرين.
وتعزَّز هذا التوجه في إستراتيجية الدفاع الوطني الأسترالية لعام 2024، التي اعتبرت أن التحركات الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما في بحر الصين الجنوبي، تمثل تحديا للاستقرار الإقليمي ولمصالح الأمن القومي الأسترالي. كما أكدت الإستراتيجية ضرورة اضطلاع أستراليا بدور أكثر نشاطا في تشكيل البيئة الإستراتيجية المحيطة بها. ثم ذهبت إستراتيجية عام 2026، الصادرة في أبريل/نيسان، أبعد من ذلك، فوصفت ما تقوم به الصين بأنه أكبر حشد عسكري في العالم اليوم، ورأت أن الإكراه وعمليات المنطقة الرمادية يرفعان مخاطر التصعيد العسكري وسوء التقدير.
وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز (وسط) على متن سفينة حربية عام 2024، وقد شكلت إستراتيجية الدفاع الوطني التي أُقرت حينها نقطة تحول نحو تعزيز الحضور البحري لمواجهة تمدد النفوذ الصيني (الفرنسية)
أستراليا.. الظهير الآمن للإستراتيجية الأمريكية
برز التغيُّر في الموقف الأسترالي تجاه الصين من خلال الترتيبات العسكرية التي تربط كانبِرا بواشنطن. فمع إعلان إدارة باراك أوباما عام 2011 إستراتيجية "إعادة التوازن إلى آسيا"، بدأت الولايات المتحدة بتعزيز حضورها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والاعتماد بصورة أكبر على شبكة الحلفاء والشركاء الإقليميين، إلى جانب بناء شبكة موزعة من المواقع العسكرية بهدف تقليل قابلية القوات الأمريكية للاستهداف في أي مواجهة مستقبلية مع الصين، بعد التطور الملحوظ في القدرات الصينية المرتبطة بمنع الوصول وحرمان الخصم من حرية العمل العسكري.
وفي هذا السياق، برزت أستراليا بوصفها واحدة من أكثر الدول ملاءمة للقيام بهذا الدور، بحكم علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وموقعها الجغرافي. وبخلاف اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، تقع أستراليا خارج مدى معظم القدرات العسكرية الصينية الحالية، ما يجعلها قاعدة خلفية آمنة نسبيا للعمليات والإمداد. كما أن موقعها بين المحيطين الهندي والهادئ يمنحها أهمية في أي خطط تستهدف حماية خطوط الملاحة أو مراقبة التحركات البحرية الصينية بين غرب المحيط الهادئ والمحيط الهندي.
وكان الإعلان عن نشر قوات من مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" في مدينة داروين شمال أستراليا أحد أبرز مؤشرات هذا التوجه. فقد بدأ الوجود الأمريكي عام 2012 بنحو 200 جندي يتناوبون على الانتشار، ثم توسع حتى بلغ نحو 2500 جندي عام 2019، بما يوفر للولايات المتحدة موطئ قدم يسمح لها بالتحرك نحو جنوب شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي عند الحاجة، مع تقليل الاعتماد على القواعد الأقرب إلى السواحل الصينية.
مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) أثناء إنزال برمائي في أستراليا خلال مناورات "تاليسمان سيبر" عام 2019 (غيتي)
وشهدت السنوات التالية زيادة في استخدام القوات الأمريكية للمطارات والموانئ والمنشآت العسكرية الأسترالية، كما أصبحت التدريبات المشتركة أكثر انتظاما، وتعزز التعاون في مجالات الحرب السيبرانية والفضاء والذكاء الاصطناعي والقدرات الصاروخية بعيدة المدى. وتُظهر بيانات مركز "بروغل" المستندة إلى الإخطارات المقدمة إلى الكونغرس أن أستراليا ثالث أكبر مشترٍ للمعدات الدفاعية الأمريكية عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بعد اليابان وكوريا الجنوبية. وفي سبتمبر/أيلول 2026، وعقب لقاء وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ونظيره الأسترالي ريتشارد مارلز في واشنطن، أعلن البنتاغون تسريع خطط الانتشار العسكري الأمريكي في القواعد الأسترالية، فيما يُنتظر وصول نحو ألف عسكري أمريكي إلى قاعدة "ستيرلينغ" البحرية غرب أستراليا اعتبارا من عام 2027 لدعم تناوب الغواصات النووية.
وتجلى هذا التقارب أيضا في إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2022، التي تعهَّدت بتعميق التحالف مع أستراليا عبر تعزيز الانتشار العسكري، وقابلية التشغيل البيني، وتوسيع نطاق التعاون متعدد الأطراف، إلى جانب تطوير الشراكة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة. وأصبحت أستراليا كذلك جزءا محوريا من مجموعة من الترتيبات الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى موازنة النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذ شاركت في الحوار الأمني الرباعي "كواد" (QUAD) إلى جانب الولايات المتحدة واليابان والهند.
وقد أُطلق "كواد" لأول مرة عام 2007، قبل أن يُعاد تفعيله عام 2017 في مقابل مبادرة الحزام والطريق الصينية. ويركز "كواد" على التعاون بين أعضائه في قضايا الأمن البحري، والتقنيات الناشئة، وسلاسل الإمداد، وتقديم المساعدات للدول الجُزُرية الصغيرة في المحيط الهادئ، فضلا عن زيادة وتيرة التدريبات العسكرية. ومن أبرز التدريبات التي تشارك فيها أستراليا مناورات "مالابار" البحرية التي تجمع دول "كواد" الأربع، ومناورات "أوسيندكس" البحرية بين الهند وأستراليا، ومناورات "تاليسمان سيبر" بين الولايات المتحدة وأستراليا. ورغم أن هذه الترتيبات لا ترقى إلى مستوى التحالفات العسكرية، فإنها تسهم في تنسيق المواقف وتبادل المعلومات وتعزيز التعاون الأمني بين الدول التي تتقاطع مصالحها في مواجهة الصين.
"فرجينيا" والنادي الأنجلوسكسوني
في 15 سبتمبر/أيلول 2021، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، إنشاء شراكة أمنية ثلاثية حملت اسم "أوكوس" (AUKUS). وقدموا الاتفاق بوصفه إطارا لتعميق التعاون الأمني والدفاعي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ورأى كثير من المراقبين فيه محاولة لتعزيز قدرات الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة بكين.
وجاء الإعلان مصحوبا بقرار أحدث صدمة في فرنسا، تمثل في إلغاء أستراليا عقدا قُدِّرت قيمته بنحو 90 مليار دولار أسترالي مع باريس لشراء 12 غواصة تقليدية مخصصة لاستبدال غواصات "كولينز" القديمة. وقد أثار القرار غضب باريس التي وصفته بأنه "طعنة في الظهر"، ورأى فيه كثيرون في فرنسا تجسيدا لنادٍ أنجلوسكسوني مغلق.
قام اتفاق "أوكوس" على ركيزتين، الأولى تزويد أستراليا بقدرة تشغيل غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية، وذلك عبر بيع 3 غواصات أمريكية من طراز فرجينيا للبحرية الأسترالية بدءا من عام 2032، مع خيار لشراء غواصتين إضافيتين، فيما تضخ كانبِرا 3 مليارات دولار في القاعدة الصناعية الأمريكية للغواصات.
وفي المرحلة التالية، ستعمل أستراليا وبريطانيا، بدعم أمريكي، على بناء ما بين 3 و5 غواصات نووية إضافية من طراز "إس إس إن-أوكوس" (SSN-AUKUS) بحيث تبدأ أستراليا تشغيلها في مطلع الأربعينيات. وبحلول منتصف خمسينيات القرن الحالي، يُفترض أن تمتلك أستراليا أسطولا يتألف من 8 غواصات نووية موزعة بين غواصات "فرجينيا" الأمريكية وغواصات "إس إس إن-أوكوس" الجديدة.
ويشير هذا الترتيب إلى حجم الثقة التي منحتها واشنطن لأستراليا، إذ تُعَد تكنولوجيا الدفع النووي جوهرة التفوق البحري الأمريكي تحت الماء. ومنذ عام 1958 لم تشارك الولايات المتحدة هذه التكنولوجيا إلا مع بريطانيا، رغم أن دولا حليفة مثل فرنسا واليابان وإيطاليا وهولندا وكندا سعت للحصول عليها دون نجاح. وحتى في النموذج البريطاني، نقلت واشنطن إلى لندن منظومة الدفع النووي كاملة لأول غواصة نووية بريطانية "دريدنوت"، فيما صممت لندن وبنت بقية الغواصة.
وبموجب أوكوس، ستصبح أستراليا ثاني دولة تحصل على هذا النوع من التعاون، وأول دولة تشتري غواصات نووية كاملة من الولايات المتحدة، كما ستصبح الدولة السابعة المشغلة للغواصات النووية بعد الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والهند.
وتُعد الغواصة فرجينيا من أكثر الغواصات الهجومية تطورا في العالم، إذ تتميز بقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة، ومكافحة الغواصات والسفن السطحية، ونقل قوات العمليات الخاصة، وتنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى باستخدام صواريخ "توماهوك"، وستحمل نسختها المطورة، التي لم تدخل الخدمة بعد، منصات إطلاق عمودية تسع 40 صاروخا. وقد دخلت أول واحدة منها الخدمة في البحرية الأمريكية عام 2004، وتملك واشنطن منها حاليا 26 غواصة، دخلت آخرها الخدمة في أبريل/نيسان 2026، وتبلغ تكلفة الواحدة نحو 4.5 مليارات دولار.
وتمنح هذه الغواصات أستراليا مزايا مهمة، إذ تستطيع البقاء تحت الماء لفترات طويلة، والعمل على مسافات بعيدة، والتحرك بسرعات أعلى مقارنة بالغواصات التي تعمل بالديزل، مع مستوى مرتفع من التخفي. وبالنسبة لدولة تقع على أطراف المحيطين الهندي والهادئ، فإن هذه الخصائص تعزز قدرتها على مراقبة الممرات البحرية الحيوية، والمشاركة في العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة وحلفائها، والعمل في بيئات تتسم بقدرات متقدمة لمنع الوصول مثل البحار القريبة من الصين.
ومن الناحية الإستراتيجية، تراهن واشنطن على أن امتلاك أستراليا هذه القدرة سيضيف قوة بحرية جديدة إلى شبكة الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على نحو يشبه الدور الذي أدته الغواصات البريطانية في أوروبا طيلة الحرب الباردة. كما أن دخول الغواصات الأسترالية الجديدة الخدمة سيزيد كلفة أي مواجهة محتملة في غرب المحيط الهادئ أو المحيط الهندي. ولهذا يُعَد اتفاق أوكوس من أهم المشاريع الغربية لإعادة تشكيل ميزان القوى البحري في مواجهة الصين.
لكن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فبناء أسطول من الغواصات النووية يتطلب استثمارات ضخمة، ويثير نقاشات داخلية بشأن الكلفة والجدوى، كما يربط أستراليا بصورة أوثق بالإستراتيجية الأمريكية، ويجعلها أكثر انخراطا في المنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين. ويضاف إلى ذلك أن بعض الخبراء يُشككون في جدوى الاستثمار طويل الأمد في منصات بحرية مأهولة مرتفعة الكلفة، في وقت تتجه فيه الحروب الحديثة نحو الأنظمة غير المأهولة والصواريخ بعيدة المدى والتقنيات منخفضة التكلفة نسبيا. وفي هذا الاتجاه منحت وزارة الدفاع الأسترالية في أكتوبر/تشرين الأول 2026 شركة "أندوريل" الأمريكية عقدا بقيمة 1.8 مليار دولار أسترالي لإنتاج غواصات "غوست شارك" المسيّرة.
وتكشف الوقائع الأخيرة جانبا آخر من هذه التحديات، إذ أقر قائد العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال داريل كودل أمام الكونغرس في مايو/أيار 2026 بأن أحواض بناء السفن الأمريكية لن تبلغ على الأرجح وتيرة إنتاج غواصتين من طراز فرجينيا سنويا قبل عام 2032، بعد أن كانت التقديرات تشير إلى عام 2028، وهي الوتيرة التي يرتبط بها بيع الغواصات لأستراليا دون إضعاف الأسطول الأمريكي، بحسب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن.
أما الركيزة الثانية في "أوكوس"، فتنصّ على التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والحوسبة الكمية والأنظمة غير المأهولة، وهو ما يجسد توجها نحو دمج أستراليا في القاعدة التكنولوجية والعسكرية الأمريكية، بهدف تحسين أنظمة الاتصالات، وقدرات أجهزة الاستشعار، وتطوير حلول بديلة لتحديد المواقع والملاحة، وتعزيز قدرات المراقبة والاستهداف الدقيق، الأمر الذي يهيئ كانبِرا للعب دور أكبر في المنافسة الإستراتيجية خلال العقود المقبلة.
كانبِرا بين الكبار.. موازنة تزداد صعوبة
تكشف المعطيات أن التفكير الإستراتيجي الأسترالي ظل محكوما بفكرة البحث عن توازن يمنع ظهور قوة مهيمنة في آسيا تستطيع ممارسة ضغوط على أستراليا أو تهديد خطوط اتصالها البحرية والتجارية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم سبب تمسك كانبِرا بالتحالفات الخارجية.
ومع صعود الصين، وجدت أستراليا نفسها أمام معادلة تجمع بين الاعتماد الاقتصادي على بكين والاعتماد الأمني على واشنطن. ومع تصاعد التنافس بين القوتين، أصبح الحفاظ على هذه المعادلة أصعب من ذي قبل، رغم محاولة الحكومات الأسترالية المتعاقبة تجنُّب الانزلاق إلى سياسة الاختيار بين الطرفين. وقد عبَّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز عن هذا التوجُّه بقوله إن حكومته "ستتعاون مع الصين حيثما أمكن، وتختلف معها حيثما لزم، وتنخرط معها بما يخدم المصلحة الوطنية". وظهر هذا النهج في سبتمبر/أيلول 2026، حين استأنف البلدان حوار التنسيق الدفاعي في بكين للمرة الأولى منذ عام 2024، وأثارت فيه كانبِرا مسألة تجربة الصاروخ. لكن رئيس الوزراء الأسبق مالكولم فريزر قدم تقييما أكثر تشاؤما في كتابه "حلفاء خطرون" عندما اعتبر أن ارتباط أستراليا الوثيق بالنظام الأمني الأمريكي قد لا يترك لها خيارا سوى الانضمام إلى واشنطن في أي مواجهة أمريكية مع الصين.
في الوقت ذاته، أظهرت السنوات الأخيرة أن التحالف مع الولايات المتحدة، رغم أهميته، لا يخلو من تحديات. فقد فرض الرئيس ترمب تعريفات جمركية بنسبة 10% على أستراليا عام 2025، رغم وجود فائض تجاري لصالح واشنطن، وحين أبطلت المحكمة العليا الأمريكية تلك الرسوم في فبراير/شباط 2026، وجدت أستراليا نفسها منذ 24 يوليو/تموز بين 60 اقتصادا فرضت عليها واشنطن رسوما إضافية بنسبة 12.5% بدعوى مكافحة العمل القسري. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أعلنت عام 2025 إجراء مراجعة لاتفاق أوكوس لتقييم مدى توافقه مع أجندة "أمريكا أولا"، ورغم أن ترمب أكد خلال استقباله ألبانيز في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه أن الاتفاق يمضي "بأقصى سرعة"، فإن البنتاغون أنهى المراجعة في ديسمبر/كانون الأول دون أن ينشر نتائجها. كما شدَّد هيغسيث على ضرورة أن ترفع أستراليا إنفاقها الدفاعي إلى 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي في أسرع وقت ممكن، في حين تقول كانبِرا إن إنفاقها بلغ 2.8% وفق معيار حلف الناتو، وإنه سيرتفع إلى 3% بحلول عام 2033.
كل تلك التحرُّكات والمواقف الأمريكية أثارت تساؤلات داخل أستراليا حول حدود الاعتماد على واشنطن وإمكانية تغير أولوياتها الإستراتيجية مستقبلا، ومدى استقلالية القرار الأسترالي وقدرته على الموازنة بين متطلبات التحالف ومقتضيات المصلحة الوطنية. ولذلك يتمثل التحدي الرئيسي الذي تواجهه أستراليا في كيفية الحفاظ على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة دون التفريط بالمكاسب الاقتصادية التي توفرها العلاقة مع الصين، والتحوُّط عبر بناء علاقات مع شركاء آخرين للنأي بكانبِرا عن دور الحليف التابع.
وسيأتي أقرب اختبار لهذه الموازنة في مدينة شنجن الصينية، التي تستضيف في نوفمبر/تشرين الثاني قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، بعد عام اجتمعت فيه تجربة الصاروخ ومعاهدات الدفاع في المحيط الهادئ وارتفاع التبادل التجاري مع بكين. ولم يُعلَن حتى الآن عن لقاء بين ألبانيز والرئيس الصيني شي جين بينغ على هامشها.
المصدر: الجزيرة نت
