طوبى للناجين من "النيوباتريمونيالية"
بتّ على قناعة بأن نهضة العالم العربي والإسلامي يتعذر، إن لم يكن يستحيل، وقوعها بأيدي أبنائه المقيمين في أوطانه، وما ربيع الانتفاضات و"الثورات" الموؤودة في بلدان تجرَّأ أهلها على قول لا، إلا أمارة على ما تؤول إليه الأحوال، فيتحسّر الناس على عهود خلت باعتبارها، حتى وإن كانت سيئة، تظل أقل وطأة من الأسوأ الجاري في مصر والعراق واليمن وتونس وأقطار من دونهم لا تعلمونهم ولكن شعوبها تعلمها، ولا نزيد إن قلنا إننا الأمة الوحيدة التي كلما تقدم بها الزمن تراجعت بها الحضارة.
فآفة بني أوطاننا استبداد مقيم وجهل عميم يخلقان منذ قرون ظلمات حمق وسفه بعضها فوق بعض، ومع توالي الأيام والسنين تتراكم طبقات الأزمات وتتكاثر لتضيف المزيد من التدهور، وعلى إثره تنبعث شبكات مصالح ومفاسد متصلة ومستفيدة من استمرار الوضع القائم، فلا يعود الخطب متعلقاً بحل ما نعرفه من معضلات، وإنما بالتعامل مع أنساق عقد تشبه جبل الجليد، ما خفي منه أعظم، وحتى من يبصرونه أو يدركون حقيقة خطره، لكل منهم زاويته التي يقف متصلباً أمامها، فلا توسط عندنا، أحزاباً وشيعاً، الكل من أتباع عقيدة: "لنا الصدر دون العالمين أو القبر".
حقاً، هذه ليست دعوة للتشاؤم، وإنما هي قراءة لواقعنا باهظ الملل، بأيامه المفعمة بلا جديد يذكر أو قديم يعاد، إذا ما قارنتها بأحداث ووقائع يعيشها أناس يشبهوننا في كل شيء إلا في العقل والإرادة، فبينما هم من أتباع مقولة "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"، فإننا ما زلنا نراوح مكاننا ضمن منظومة "أوهام العقل وعجز الإرادة"، وما تجارب الشعوب الحية المنتفضة دفاعاً عن مصالحها وأمنها القومي في بنغلادش وكينيا ونيبال وفرنسا وصربيا والبرازيل والهند وسريلانكا ومدغشقر وإندونيسيا وغيرهم الكثير ببعيدة، بالرغم من أن ما مسهم من ضر يقل كثيراً عن حضيض أحوالنا.
ومع هذا فإن بعضاً منا قد أفلتوا من العقد المستغلقة، أو بالتعبير الماكس فيبري أزمة النيوباتريمونيالية (Neopatrimonialism) المستحكمة في بلداننا. والمصطلح يعني بحسب الموسوعة العربية أرابيكا، أنظمة حكم، لا سيما في البلدان التي خرجت من تجربة الاستعمار، لم تترسخ فيها مؤسسات الحكم العقلاني القانوني، وتؤدي الولاءات الشخصية والعلاقات الزبونية (Clientelism) والعرفية دوراً أساسياً في تشكيل بنية السلطة والسلوك السياسي فيها. إنها أنظمة تقليدية لناحية أبوية الزعامة الفردية، وشخصنة الولاءات داخل المؤسسات. بناء على ذلك، فمن شاء حظهم الجيد أن يكونوا بين الناجين، بالتأكيد ليسوا بين ظهرانينا.
هؤلاء الذين يتمتعون بحقوقهم كاملة تراهم هناك بعيداً يقيمون في بلاد الفيلسوف فيبر ومن شايعها. أسمعك يا من تقول: وماذا يهمني في حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام والتجمع السلمي والتظاهر والمشاركة السياسية؟ حسناً، إن لم يكن ما سبق ضمن أولوياتك، فبالتأكيد تقاتل كل يوم من أجل حقوقك كمستهلك، وتحلم بالمساواة أمام القانون، وأن تنال الأجر العادل، وتقيم في السكن الملائم، ويكون لك ولذريتك من بعدك مستوى معيشي لائق، وبالتأكيد العودة إلى منزلك آمناً بعد الاعتراض إذا ما نقص أي مما سبق. تلك حزمة متكاملة، بعضها من بعض، إما الكل أو لا شيء. فمن يناضل لأجل الانفتاح السياسي مثله كمن يحارب من أجل رغيف الخبز، ولا ينتقص من أهمية ما يقفان دونه نوعية وأولوية اهتماماتهما، لا غنى عن أي منهما، فكل قضية منبتها وأصلها سياسي.
والحال كذلك، فهؤلاء الناجون كانوا إلى وقت قريب تائهين مثلنا، إلى أن اكتشفوا ذواتهم مرة ثانية بفضل بيئة الحرية، وفيها وبها ومن أجلها امتلك نسلهم كل ما سبق من حقوق، وحازوا مهارات بالتأكيد كان مصير أصحابها السجون أو القبور إن حاولوا استعمالها في بيئتهم الأصلية. أرى ذلك في المحاججة البارعة والقوية للمرشح عبد الرحمن السيد (ليس عبدول) في مواجهة رئيس بلاده دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، ونجاح زهران كوامي ممداني المتبدي في قيادة مدينة تتجاوز ميزانيتها عدة دول عربية، والانتشار والتأثير الرقمي لحسن بايكر في ملايين الشباب الأميركي... والقائمة تطول، ليس في أميركا فقط، وإنما في أمم أوروبية شتى، يجمعها ما قاله أفلاطون على لسان سقراط في بداية كتاب "الجمهورية": "أسوأ أنواع العقاب التي تحل بمن يأبى أن يحكم، هو أن يحكمه من هو دونه قدراً وأسوأ منه".
طوبى للغرباء.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗