مبابي وماو تسي تونغ... الصين تستعرض نفوذها الاقتصادي على كرة القدم
لم يكن النجم الفرنسي كيليان مبابي يدرك أن حديثه العفوي عن ماو تسي تونغ سيحدث هذا الزلزال الاقتصادي، ويدفع الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، إلى التعامل مع كلماته الهزلية في لحظة عابرة بكل هذه الجدية. وكان واضحاً من حديث مبابي أنه لم يكن يقصد الإساءة إلى الصين أو رموزها، ولم يكن يعرف حتى من هو ماو تسي تونغ. فمبابي يُلقّب مازحاً بين محبيه بـ"الديكتاتور" بسبب حضوره القوي داخل ناديه ريال مدريد، ويبدو أنه ظن أن أي شخصية يُركّب عليها وجهه تدخل في إطار المزاح نفسه، وأن العالم سيتلقاها بالطريقة نفسها.
لكن المزحة التي بدت عابرة في لحظتها منذ إبريل/نيسان تحولت بعد انتشارها إلى قضية تمس رمزاً سياسياً وتاريخياً شديد الحساسية في الصين. ورغم اعتذار مبابي منذ يومين، إلا أن هذا لم يخفف من حدّة غضب التنين الصيني، ولك أن تتصور غضب أكثر من 1.4 مليار شخص على رجل واحد.
الصين تضغط عبر السوق
بالنظر إلى سياق الحادثة وعفويتها، يبدو أن الصين بالغت في ردّة فعلها. فالشركات الصينية بدأت بإنهاء عقود الرعاية مع مبابي، ومنها شركة المشروبات "دونغبنغ"، وشركة الألبان "منغنيو"، وشركة الأغذية "ميلكغراوند". كما أفادت تقارير بانضمام شركة المشروبات "إيستروك" إلى وقف التعاون معه. ثم امتد العقاب والغضب الصيني إلى حظر بث مباريات الدوري الإسباني وإعلانات اللاعب على المنصات الصينية، ما يعني خسائر بالملايين للاعب والدوري المحلي. لهذا لم يتوان رئيس رابطة الدوري الإسباني خافيير تيباس عن التواصل بأقصى سرعة مع السفير الصيني في مدريد للملمة الموضوع، وأصدرت الرابطة موقفاً لاحتواء الأزمة. كما اعتذر نادي ريال مدريد للشعب الصيني.
مزحة مبابي التي بدت عابرة في لحظتها منذ إبريل/نيسان تحولت بعد إنتشارها إلى قضية تمس رمزا سياسيا وتاريخيا شديد الحساسية في الصين
هذه السرعة في التحرك تكشف حجم الخشية من خسارة السوق الصينية. فبكين سوق إذا تحدثت أصغى لها العالم، والشركات والأندية تعرف أن غضب المستهلكين هناك قد يتحول سريعاً إلى خسائر في الرعاية والبث والمبيعات.
الرسوم الأوروبية والضغط السياسي
لكن توقيت تفجّر الأزمة يثير تساؤلات، إذ جاء بعد مرور ستة أشهر على الواقعة، بالتزامن مع مفاوضات تجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي حول التجارة والرسوم. وكان الاتحاد الأوروبي قد فرض في أكتوبر/تشرين الأول 2024 رسوماً إضافية على السيارات الكهربائية الصينية بعد تحقيق بشأن الدعم الحكومي، وتراوحت النسب المعلنة حينها بين 17% على سيارات "بي واي دي" و35.3% على سيارات "سايك". وردت الصين بإجراءات تجارية طاولت منتجات أوروبية، منها "البراندي" ومنتجات الألبان. وفي مشاورات عُقدت في أكتوبر الجاري، اتفق الطرفان على مواصلة بحث خفض بعض الرسوم، بينما بقيت خلافات أساسية من دون تسوية. لهذا من الغريب أن تفتح الصين جبهة اقتصادية أخرى تطاول مشاريع إسبانية في كرة القدم وتمّس صورة نجم فرنسي تدر صورته الملايين للاقتصاد الفرنسي.
وسط هذه المفاوضات، يظهر الرد الصيني على مبابي استعراضاً لقوة السوق والنفوذ التجاري. ويذكّر هذا النهج بما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه شركات غربية، إذ وضعت موسكو في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026 أصول شركات أوروبية تحت الإدارة المؤقتة بقرارات رئاسية. وحتى إن اختلفت الحالتان في الأدوات والظروف، لكنهما تكشفان كيف يمكن للاقتصادات الكبرى استخدام السيطرة على الأسواق أو الأصول للضغط على الشركات والحكومات. ورغم أن أزمة مبابي غير مرتبطة تماماً بمفاوضات الرسوم، لكنها مثال واضح على قدرة الصين على توظيف ثقلها الاقتصادي في لحظة خلاف حتى لو كان عابراً.
يظهر الرد الصيني على مبابي كاستعراض لقوة السوق والنفوذ التجاري وتعرض كمثال واضح على قدرة الصين في توظيف ثقلها الاقتصادي في لحظة خلاف حتى لو كان عابرا
خسائر محتملة وسوابق رياضية
وإذا أحصينا الخسائر المحتملة، فإن حقوق بث الدوري الإسباني في الصين تدر نحو 50 مليون يورو سنوياً، وفقاً لما أوردته صحيفة "آس" (AS) الإسبانية، والإيرادات المهددة قد تقترب من 100 مليون يورو في الموسم عند إضافة الرعاية والاتفاقيات التجارية. وتذهب تقديرات صحافية أخرى إلى أن الخطر قد يصل إلى 400 مليون يورو إذا طال الحظر والمقاطعة. أما عقد منصة "ميغو"، الشريك الرقمي الحصري للدوري الإسباني حتى عام 2030، فتقدر قيمتها بمئات الملايين من اليوروهات. ورغم أن المنصة لم تلغ عقدها بعد، لكنها حذفت مباراة ريال مدريد من جدول بثها.
وانعكس القلق على أسهم شركة الملابس والأحذية السويسرية "أون هولدينغ"، التي ترتبط بمبابي بعقد رعاية طويل الأمد. فسهمها تراجع بنحو 3.71% منذ اندلاع هذه الأزمة، ما يبين كيف يمكن لقلق المستثمرين من ردة فعل المستهلك الصيني أن يظهر في البورصة سريعاً قبل أن تتضح الخسائر الفعلية.
وتعيد الأزمة إلى الأذهان قضية اللاعب الألماني ذي الأصول التركية مسعود أوزيل الذي كان نجماً في ناديه الإنكليزي أرسنال، عندما انتقد معاملة الصين الأقلية المسلمة من الإيغور في ديسمبر/كانون الأول 2019. فسارع التلفزيون الصيني لاستبعاد مباراة لأرسنال من جدول بثه، فيما نأى النادي بنفسه عن تصريحات اللاعب. لاحقاً، استُبعد أوزيل رغم نجوميته من قوائم الفريق، ثم غادر في يناير/كانون الثاني 2021 بعد اتفاق على إنهاء عقده مبكراً.
قد تنتهي أزمة مبابي باعتذار وعودة تدريجية إلى الشراكات أو يبقى الغضب مستمراً أشهراً أخرى، لكن الرسالة الصينية وصلت إلى الأندية والرعاة. الشهرة لا تحمي اللاعب ولا الفريق من تبعات السوق. وما جرى يثبت أن كرة القدم أصبحت ساحة اقتصادية وسياسية أيضاً، وأن الصين قادرة على تغيير حسابات رابطة وأندية وشركات حين تستخدم ثقل سوقها.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗