فرنسا... ديمقراطية تتعثر بين حفظ الأمن وعسكرة التظاهرات
تخضع "عقيدة" حفظ النظام على الطريقة الفرنسية لنقاش سياسي وإعلامي وقانوني، بعد الإخفاق الأمني الذي شهدته تظاهرات "السبت الأسود" في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، حين تفجرت أعمال عنف ونهب لمئات المتاجر في المدن على هامش تظاهرات احتجاجية في فرنسا على غلاء المعيشة.
ويسود تشكيك في التدابير الأمنية التي اعتمدتها الشرطة لمواجهة المتظاهرين، تحت بند حماية المحتجين والأملاك العامة والخاصة. وتركز النقاش في العديد من وسائل الإعلام في فرنسا وبين النخب السياسية على التشدد الذي باتت تتسم به سياسة حفظ النظام، التي تعتمد التدخل المباشر والأدوات القسرية في إدارة الاحتجاجات، بالتوازي مع تصاعد التوتر بين السلطات وحركات احتجاجية متنوعة.
فرنسا تعتمد نهج المواجهة مع المتظاهرين
وترى هيئات دولية أن أجهزة الأمن الفرنسية درجت خلال العقود الأخيرة على اعتماد نهج المواجهة مع المتظاهرين، مع إعطاء الأولوية لاستخدام الأسلحة المسماة "الوسيطة". فمنذ تسعينيات القرن الماضي، شهدت فرنسا تصعيداً في المقاربة الأمنية، تمثّل باستخدام معدات تزداد خطورتها، مثل قاذفات الكرات المطاطية وقنابل تفريق الحشود، واعتماد تكتيكات أكثر عنفاً، كالهجوم المباشر وتطويق المتظاهرين.
لاحظت أوساط مراقبة تكرر حوادث تجاوزات الشرطة منذ بدء حركة "السترات الصفراء" في 2018
ومع ذلك، لم تثبت فعالية هذا النهج، بل على العكس من ذلك، لا تكاد تمر تظاهرة في فرنسا من دون تسجيل إصابات خطيرة، مثل بتر يد أو فقدان عين. وقد لاحظت أوساط مراقبة تكرر حوادث تجاوزات الشرطة منذ بدء حركة "السترات الصفراء" في عام 2018، التي شهدت إصابات كثيرة في عيون المتظاهرين. وبحسب الصحافي الفرنسي الاستقصائي دافيد دوفريسن، فقد تعرّض أكثر من 300 من أصحاب "السترات الصفراء" لإصابات خطيرة خلال عام واحد، وفقد نحو 30 منهم إحدى عينيه نتيجة الإصابة بطلقات من سلاح قاذف للكرات الدفاعية. وخلال أربعة أشهر فقط، أُطلقت أكثر من 13 ألف طلقة باتجاه المتظاهرين. لم يتراجع عنف الشرطة في فرنسا منذ التسعينيات، رغم تغير رؤساء الدولة والحكومات، حتى بات نهجاً ثابتاً. وأصبحت الصورة المتداولة للشرطي لدى قطاع من الرأي العام الفرنسي أنه كائن يبعث على الخوف، يمارس العنف من دون تفكير في العواقب، منفلت من عقاله، فما إن ينزل إلى الشارع، حتى يباشر البحث عن ضحية. إزاء هذه الحال، بات الخروج في تظاهرة أمراً شاقاً يبعث على الخوف، فإذا لم يتلقّ المتظاهر ضربة بهراوة شرطي، أو رصاصة مطاطية، فإنه في أبسط الأحوال سيستنشق الغاز المسيل للدموع الذي يُستخدَم بلا حساب. بين حركة مايو/ أيار 1968 وبداية التسعينيات، تبنت السلطات في فرنسا "عقيدة" أمنية مختلفة كلياً، تقوم على مبدأ تهدئة التظاهرات واحتوائها. وكانت التعليمات مشددة لقوات الأمن بتجنب المواجهة وتصعيد العنف، فيما كانت أجهزة استخبارية خاصة مكلفة رصد المشاغبين بين المتظاهرين، ممن ينوون التخريب أو السرقة والتكسير، والعمل على اعتقالهم. وقد أثبت هذا النهج فعالية أكثر من الأساليب الحالية التي تتعامل مع المتظاهرين، من نساء ورجال وفتيان من طلبة الثانويات، ككتلة واحدة، وتعتبرهم جميعاً مشاريع مخربين حتى يثبت العكس.
المتظاهر يشعر بأنه مستهدف
ونتيجة لذلك، بات المتظاهر السلمي يشعر بأنه مستهدف لمجرد وجوده في المكان، وأن حقه في الاحتجاج يتحول إلى مخاطرة جسدية. وهذا يضر بالثقة بين الشرطة والمجتمع، وقد يزيد الاحتقان الذي يُفترض أن تساعد الشرطة على احتوائه. ولا يعني ذلك أن كل قرار بتفريق تجمّع غير مشروع، أو أن كل استخدام للغاز المسيل للدموع غير مبرر، فالحكم يتوقف على ظروف الواقعة، ووجود التهديد، والإنذارات، وإمكان استخدام وسائل أقل ضرراً.
وفي الأحوال كافة، لا يمكن إنكار أن بعض التظاهرات في فرنسا شهدت أشخاصاً أو مجموعات جاءت إلى الشارع بهدف التخريب والسرقة ومواجهة الشرطة. ومن واجب الشرطة حماية الناس والممتلكات، والتدخل بحق من يرتكبون تجاوزات، لكن هذا لا يسقط واجبها في التمييز بين هؤلاء وبين بقية المتظاهرين. وقد علّقت مصادر حقوقية على بعض الوقائع بأن أفراداً لم يرتكبوا أعمال عنف تعرضوا للاستهداف، وأن تجمعات سلمية فُرقت بالغاز المسيل للدموع، أو استُخدمت القوة ضد أشخاص لم يشكلوا تهديداً واضحاً، كما جرى في تظاهرات مارس/ آذار 2025 في باريس، حيث فُرقت تظاهرة بالغاز المسيل للدموع بعد دقائق من بدايتها.
الأجهزة الأمنية لم تغير أساليبها
ومن المستغرب أن الأجهزة الأمنية لم تغير أساليبها الفظة تبعاً لتطور وسائل الرصد والاتصال والتصوير، بما فيها الطائرات المسيّرة، بل على العكس، يزداد الوضع خطورة من وزير داخلية إلى آخر. وقد تجلى ذلك في تظاهرات هذا الخريف، حيث أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تبني خيار الرد بحزم بالغ. وبعد أيام من التظاهرات، كانت النتيجة وقوع إصابات متعددة، بينها إصابات خطيرة وحالات بتر لأعضاء لدى بعض المراهقين، ما دفع الوزير إلى الحظر المؤقت لاستخدام القنابل الصوتية. وكان ذلك بمثابة اعتراف ضمني بقصور السياسة الأمنية، لكن العمل بها استمر في التظاهرات اللاحقة من دون تحقيق نتائج مهمة على صعيد حفظ الأمن وحماية الممتلكات، ومثال ذلك "السبت الأسود"، الذي كان يوم تعبئة وطنية دعت إليه حركة "السترات الصفراء"، واتحادات نقابية، وطلاب الثانويات، ومنظمات زراعية.
لم تنجح سياسة الإفراط في استخدام القوة من قبل الشرطة في منع تفاقم الوضع، وارتكاب بضعة آلاف من مثيري الشغب واللصوص أعمال تخريب واسعة على هامش التظاهرة، حيث تعرضت مئات المتاجر للنهب والتخريب، وأُضرمت النيران في ممتلكات خاصة وعامة، من بينها مبنى بلدية مدينة ليموج. واللافت أن الإخفاق الأمني لم يقابل برد فعل رسمي من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو. وبدلاً من إحالة الأمر على البرلمان ومحاسبة وزير الداخلية على التقصير، منح ماكرون المحافظين صلاحيات حظر التظاهرات. ويمكن النظر إلى هذا التوجه الاستثنائي، في ظل كون حق التظاهر أساسياً، باعتباره دليلاً على فشل سياسة حفظ النظام، التي شهدت عقيدتها وممارساتها تشدداً ملحوظاً خلال العقدين الأخيرين.
وترسخت، مع الوقت، سياسة عدم الاعتراف بالفشل، وتجنب مواجهة عواقب العقيدة الأمنية القائمة على الإفراط في استخدام العنف. وقد كانت هناك محطة مهمة على هذا الطريق في عام 2023 خلال تظاهرات إصلاح نظام التقاعد. ولقمع المتظاهرين بأعداد كبيرة، أمر وزير الداخلية حينذاك وزير العدل الحالي جيرالد درمانان، بنشر أعداد كبيرة من قوات الشرطة، وهو ما أثار انتقادات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، التي اعتبرت الانتشار مفرطاً وغير مناسب. ويرى تقرير للجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، صدر في يونيو/ حزيران 2025، أن عقيدة الشرطة الفرنسية شهدت انتقالاً من نهج تاريخي يقوم على إبعاد الشرطة عن المتظاهرين، وتجنب الاحتكاك المباشر، والاستخدام الاستثنائي والمتناسب للقوة، إلى نهج أكثر هجومية وسرعة، يقوم على الحركة والاستجابة والحزم. ويشير التقرير إلى أن هذه الأساليب كانت تُستخدم أساساً في التعامل مع الاضطرابات الحضرية، قبل تعميمها على عمليات حفظ النظام في التظاهرات. وهذا لا يعني أن التدخل السريع غير مشروع في ذاته، ولا أن الشرطة ينبغي أن تقف متفرجة أمام أعمال العنف، لكن الفارق جوهري بين التدخل بهدف عزل الأشخاص الذين يرتكبون أعمالاً عنيفة، واعتماد المواجهة المباشرة باعتبارها الأسلوب الناجع لإدارة تجمعات واسعة.
لم تنجح سياسة الإفراط في استخدام القوة من قبل الشرطة في منع تفاقم الوضع
الحكومة الفرنسية تحاول قلب اتجاه الانتقادات
وأمام الاتهامات الخطيرة بارتكاب انتهاكات متكررة لحقوق الإنسان، بما فيها الحق في التظاهر والتنقل بحرية والتعبير العلني عن الآراء من دون خوف، حاولت الحكومة الفرنسية قلب اتجاه الانتقادات، معتبرة أن المشكلة لا تكمن في تجاوزات بعض أفراد قوات الأمن، بل في "المخربين والمتمردين"، أي المتظاهرين. ويستدعي هذا الوضع الوقوف أمام مسألتين مهمتين: الأولى تتمثل بالخطاب السياسي والإعلامي. فعندما تتعامل أوساط سياسية وإعلامية مع بعض التظاهرات على أنها تهديد أمني وأعمال تخريب، يمكن أن ينعكس ذلك في سلوك رجال الأمن. وتعود المسؤولية في هذا الجانب إلى المستوى السياسي أكثر من أجهزة الأمن. وقد أشار تقرير الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا الصادر في يونيو 2025 تحت عنوان "التعبئة الاجتماعية والاضطرابات الاجتماعية وردّ الشرطة في الدول الأعضاء في مجلس أوروبا: هل ثمة حاجة إلى عقد اجتماعي جديد؟"، إلى أن الممارسات الفرنسية في السنوات الأخيرة لا تبدو، في عدد من الحالات، قائمة على استراتيجية واضحة لخفض التصعيد، بل قد تسهم في رفع التوتر قبل بدء التظاهرة، من خلال التعامل مع الفضاء الاحتجاجي، كما لو كان ساحة مواجهة، لا مجالاً مشروعاً للتعبير الديمقراطي.
أما المسالة الثانية، فتتعلق بما يحدث عندما لا تنظر الشرطة إلى المتظاهر باعتباره مواطناً يمارس حقاً مشروعاً، بل يصبح التجمع في نظرها مشكلة ينبغي إخضاعها للسيطرة. عندئذ لا تقتصر المسألة على إصابات هنا أو تجاوز هناك، بل تمتد إلى الثقة بالمؤسسات، وإلى استعداد المواطنين لممارسة حقهم في الاحتجاج من دون خوف. منذ عام 2018، صنفت مجلة "ذي إيكونوميست" فرنسا ضمن فئة "الديمقراطيات المتعثرة"، إلى جانب إيطاليا وبولندا والمجر. وهي نتيجة لا تثير الاستغراب عند مقارنة أسلوب حفظ النظام المعمول به حالياً بالنموذج الذي اعتُمد بين عامي 1968 و2000. لا يمكن التسامح مع استخدام العنف في مجتمع ديمقراطي. وينطبق ذلك على المتظاهرين، الذين يجب أن يتحملوا مسؤولية أفعالهم أمام القانون، كما ينطبق على قوات الأمن.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗