نازحو العراق يواجهون فصل شتاء جديداً والعودة متعثرة
كلما حلّ فصل الشتاء، يغادر بعض نازحي العراق خيامهم إلى المساجد أو المباني القديمة القريبة ليمضوا فيها الليل هرباً من البرد أو المطر. وهم لا يطالبون بخيام أفضل، بل بالسماح لهم بالعودة إلى مناطقهم، حتّى لو كانت منازلهم مدمّرة.
بعد نحو عشر سنوات على إعلان هزيمة تنظيم داعش، وتحرير المناطق التي سيطر عليها، لا تزال آلاف من العائلات العراقية تعيش في مخيّمات أو تجمّعات مؤقتة، تنتظر قراراً يتيح لها مغادرة خيام النزوح، والعودة إلى منازلها في مناطقها الأصلية.
ولا تقتصر معاناة هذه العائلات على ظروف السكن، إذ إنّ فرص العمل المتاحة محدودة، وغير مستقرة، وقد يحصل البعض على عمل مؤقت، ثم يعود مجدّداً إلى البطالة، والاعتماد على المساعدات الإنسانية. ويتحدث كثيرون عن ضعف استجابة الجهات المحلية لاحتياجات النازحين، بينما تحتاج العائلات النازحة إلى خيام بديلة، ووقود، ومساعدات غذائية ومالية، خصوصاً مع قرب حلول فصل الشتاء.
وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استمرار نزوح أكثر من مليون شخص داخل العراق، بينهم أكثر من 102 ألف نازح يقيمون في 20 مخيماً بإقليم كردستان، بينما يعيش معظم النازحين في مساكن خاصّة أو تجمعات عشوائية، ما يجعل أزمة النزوح أوسع من المخيّمات التي تتركز عليها جهود الإغاثة.
يقول نازح من بلدة جرف الصخر إلى منطقة عامرية الفلوجة (غرب)، إنّ "وزارة الهجرة والمهجّرين وزعت خيمة واحدة على كل عائلتَين، وبعض الخيام اقتلعتها الرياح في أول عاصفة شتوية، ما دفع السكان إلى المبيت في سياراتهم، أو البحث عن مأوى بديل مثل المساجد وهياكل مساكن قديمة متروكة"، ويوضح النازح الذي طلب إخفاء هويته لـ"العربي الجديد"، أنّ "استبدال الخيام لا يحل مشكلة السكن، وغالبية العائلات تواجه صعوبات عند هطول الأمطار واشتداد البرودة، في حين لا تملك إمكانات مالية تسمح لها بالانتقال إلى مساكن أكثر أماناً. لم نعد نشترط إعادة إعمار منازلنا قبل العودة، بل نريد السماح لنا بالرجوع إلى مناطقنا، حتى لو كانت البيوت مدمرة".
وتبرز جرف الصخر في شمال محافظة بابل باعتبارها أحد أعقد قضايا النزوح في العراق، إذ لم يتمكن سكانها من العودة منذ تحرير المنطقة من تنظيم داعش في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، وسط استمرار نفوذ فصائل عراقية مسلحة حليفة لإيران، من بينها كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، والنجباء. ويؤكد ممثلون عن النازحين أن استمرار وجود هذه الفصائل في المنطقة، إضافة إلى غياب التوافق السياسي يمثلان عقبتَين أساسيتَين أمام عودتهم.
في يونيو/ حزيران الماضي، رفض محافظ بابل، علي تركي، عودة نازحي جرف الصخر، مستنداً إلى أنّ الأراضي التي كانوا يسكنونها خاضعة لعقود زراعية انتهى وضعها القانوني، وأنّ الكثير من الأهالي يقيمون حالياً في مناطق أخرى من المحافظة. وهي مبرّرات رفضها ممثلون عن النازحين وقوى سياسية، مطالبين بإعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية.
ولا تقتصر المشكلة على جرف الصخر، إذ تشمل مطالباتُ العودة مناطقَ العوجة، ويثرب، وعزيز بلد، وسليمان بيك في محافظة صلاح الدين، والعويسات في محافظة الأنبار، إلى جانب مناطق في محافظتَي ديالى ونينوى، مع اختلاف أسباب تعثر العودة والجهات المؤثرة في كل منطقة.
من جانبه، يقول المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجّرين علي عباس، لـ"العربي الجديد"، إن "الوزارة تواصل استعداداتها لحلول فصل الشتاء عبر جرد الخيام، واستبدال المتضرّر منها، فضلاً عن التنسيق مع وزارة النفط لتوفير الوقود للعائلات النازحة. لا يقيم جميع نازحي جرف الصخر داخل مخيّمات رسمية، وإنما يتوزعون على تجمعات في مناطق بينها العامرية وبزيبز، لكن وجود العائلات خارج المخيّمات لا يلغي صفة النزوح، أو مسؤولية الوزارة عن تقديم المساعدات".
ويشير عباس إلى أنّ "الوزارة وفّرت كرفانات لبعض العائلات، وخياماً لعائلات أخرى، ونفذت عمليات استبدال للمساكن المتضررة، بينما يعتمد قسم من النازحين على الزراعة والرعي في تأمين احتياجاتهم، مع الإقرار باستمرار الحاجة إلى الدعم رغم مرور سنوات طويلة على النزوح. هناك تحركات حكومية جدية ستعلن تفاصيلها خلال الفترة المقبلة، وتسعى الحكومة إلى تحقيق نتائج في ملف العودة بدلاً من الاكتفاء بالتعهدات".
لكن هذه الإجراءات لا تبدو كافية بالنسبة إلى العائلات النازحة التي تحدثت عن تدهور أوضاع الخيام. ويحذر النائب محمد البياتي من المخاطر التي تواجه النازحين مع بداية موسم الأمطار، خصوصاً العائلات التي لا تزال تقيم في الخيام، رغم إغلاق عدد كبير من المخيّمات خلال السنوات الماضية، معتبراً أن استمرار النزوح بعد تحرير المدن في عام 2017، يضع الحكومة والقوى السياسية أمام مسؤولية معالجة أسباب تعثر العودة.
ويؤكد البياتي لـ"العربي الجديد"، وجود تواصل مع وزارة الهجرة والمهجّرين والمنظمات المعنية لتسريع تقديم المساعدات قبل حلول الشتاء، لكنه يرى أن الجهود الحالية تحتاج إلى مراجعة العقبات التي تحول دون عودة العائلات، ولا سيّما إلى محافظتَي ديالى وبابل. ويشدد على أن "العودة حق قانوني، وإغلاق المخيّمات من دون حسم قرار عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية أمر لا يمكن قبوله، وينبغي الإسراع بتسوية المشكلات الأمنية والسياسية والإدارية التي أبقت أعداداً من العائلات خارج مناطقها لسنوات".
وأعلنت الحكومة العراقية في مطلع عام 2024 عزمها إغلاق مخيّمات النزوح المتبقية في إقليم كردستان، قبل تأجيل القرار في منتصف العام نفسه بعد إغلاق مخيّمات في السليمانية، فيما استمرت الجهود الحكومية والدولية لمعالجة النزوح عبر العودة الطوعية، أو إيجاد حلول بديلة للعائلات التي يتعذر رجوعها إلى مناطقها. وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن العودة المستدامة لا ترتبط فقط بمغادرة المخيّمات، بل تحتاج إلى توفر السكن والخدمات وفرص العمل والوثائق المدنية، إضافة إلى معالجة العقبات الأمنية والاجتماعية التي تحول دون استقرار العائلات في مناطقها الأصلية.
النص منقول من الخلاصة التي ينشرها العربي الجديد، وحقوقه محفوظة له.
المصدر: العربي الجديد — اقرأ الخبر في الموقع الأصلي ↗